الثلاثاء، 1 أغسطس، 2017

سوء تفاهم (الجزء الثالث)

تأليف: إدواردو ميندوثا(اسبانيا)

 ترجمة: محمد أنديش(المغرب)

عندما رأت إنيس فورنيوس صورة تلميذها القديم أحست بما يشبه الرِّقة. كانت قد هرم وازداد وزنه، وشاب شعره، وقد انحسر عن جبهته، وأعفى شاربا ليس بالخفيف ولا بالكث، ويضع نظارتين أنيقتين بلا إطار، ويرتدي ثيابا متناسقة. وما حال كل هذا بينها وبين أن ترى في الحال نظرة عينيه المتهرِّبة، وتجعيدة انعدام الثقة على الجبهة، والشفتين المزمومتين، وانقباض الهيئة. ولم يثنها شيء مما رأت أو سمعت أو قرأت عن قرارها بكتمان سرِّ ماضيهما المشترك.
كان تبقى عام واحد على تقاعدها، لما تناهى إلى سمعها خبر أن الكاتب الشهير مَرْتين خ. فرومنتين، وكان حينها قد صار أحد أعلام الأدب في البلاد، سيلقي محاضرة في قاعة الندوات بالجامعة. مهما كان الموضوع، قررت الآنسة فورنيوس الحضور.

الخميس، 27 يوليو، 2017

سوء تفاهم (الجزء الثاني)

تأليف: إدواردو ميندوثا(اسبانيا)

 ترجمة: محمد أنديش(المغرب)

في شهر ونصف قرأ مكتبة السجن كاملة، وهي ليست ضخمة ولا متنوعة، تتكوّن أساسا من روايات تركها سجناء عندما أطلق سراحهم ومن تبرعات لجمعيات خيرية مندثرة. وبفعل هذا، تجاورت أعمال ذات قيمة نسبية مع كتب إرشادية وتحفيزية، روايات لأجاثا كريستي، طبعات منقحة من الفرسان الثلاثة والكونت دي مونت كريستو وعدد غير قليل من توافه من أصناف شتى. ولعدم خبرة أنطولين كابراليس وأنه يقرأ بنهم كما بفوضى، فقد اختلطت عليه الأمور. ولما رأت الآنسة فورنيوس حيرة تلميذها اتخذت قراراً جريئا بتنظيم قراءاته وأن تمِدَّه بكتبها. لم تكن تعرف إن كان ذلك إخلالا بالنظام السجني، لكنها حسبت أنها لا تضرّ أحداً. فكانت كل أربعاء، عندما تقصد السجن، تدرج كتابا ضمن الأدوات التعليمية التي تصرّح بها عند الولوج، دون أن تحدّد العنوان، وتسلمه لأنطولين كابراليس، فيردّ لها هو الكتاب السابق، وتصرّح به هي من جديد لدى الخروج؛ وهكذا لا يبقى إثبات ولا أثر  لكون أحد النزلاء يتلقى كتبا من الخارج دون الموافقة اللازمة. أجرت الآنسة فورنيوس، بدافع من الاحتراز والفضول، بعض التحريات عن أنطولين كابراليس وماضيه الجنائي. تم توقيفه منذ سن صغير وإدانته بعقوبات طفيفة على السرقة؛ وبعدها ارتكب سرقات بالسلاح الأبيض أو بمسدس اللعب، وذات مرة حين قاومت الضحية، استخدم العنف، ربما، كما أفاد بنفسه، دفاعا عن النفس، لكن النتيجة من الإصابات، مرفقة مع سوابقه، جلبت له العقوبة التي يؤديها الآن. كون محميِّـها قليل الخطورة أراح ضمير الآنسة فورنيوس، خصوصا لصميم علمها أنه، لو كان أكثر المجرمين دموية وفسادا، ما كانت لتتصرف بطريقة مغايرة.

الثلاثاء، 25 يوليو، 2017

سوء تفاهم (الجزء الأول)

تأليف: إدواردو ميندوثا(اسبانيا)

 ترجمة: محمد أنديش(المغرب)
أنطولين كابراليس بيِّخيرو، الملقب بـالهزيل، وهو المولود في كنف ما سيُصطلح عليه لاحقا بأسرة مفككة، هرب من بعض المدارس وطُرِد من أخرى، بحيث لَمَّا دخل السجن، في عامه الواحد والعشرين، كان يجيد القراءة والكتابة، لكنه يجهل ما عدا ذلك. لم يكن يزدري الثقافة؛ ببساطة لم يسبق أن وجد لها أهمية أو فائدة. إلا أن موقفَه هذا لم يمنعه، داخل الحبس، من أن ينتهز إمكانيةَ تقصيرِ مدة العقوبة بحضوره لدوراتٍ تكوينية كان أساتذةٌ مُضَحُّون يُلقُونها بانتظام على الساكنة السجنية. لقد تحمّس أنطولين كابراليس لفكرة تقديم موعد الخروج، فسجّل نفسه في عدد من الدورات، ومن ضمنها دورة عن التحليل والإبداع الأدبيين، وهي الوحيدة التي استمر فيها لأزيد من يومين.

الأربعاء، 14 يونيو، 2017

حكاية الفصول السبعة المنسية من رواية مئة عام من العزلة


حكاية الفصول السبعة المنسية من رواية مئة عام من العزلة



ألبارو سانتانا أكونيا
ترجمة: توفيق البوركي

كان غابرييل غارثيا ماركيث، قبل أشهر من إنهاء كتابة مئة عام من العزلة، يحمل في داخله شكوكا جدّية حول جودة رواية ستنتهي لتصير واحدة من كلاسيكيات الأدب. وقد اعترف في رسالة لأحد أصدقائه قائلاً: "عندما قرأت ما كتبت، تملكني شعور مثبِّط بأنني انغمست في مغامرة بإمكانها أن تكون موفقة أو كارثية بالدرجة نفسها".
الشيء غير المعروف هو أن غارثيا ماركيث نشر 7 فصول من مئة عام من العزلة ليُهدِّأ من تلك الشكوك، وذلك قبل إتمام الرواية (أتمها في غشت عام 1966) وقبل إمضاء العقد مع دار النشر سودأمريكانا، الذي تم في 10 من شتنبر من العام نفسه. وقد رأت الرواية النور في 30 من ماي من العام 1967. وهي تحتفل الآن بذكرى مرور 50 عاماً على صدورها.
نشرت الفصول السّبعة من الرواية في جرائد ومجلات تُباع في أزيد من 20 بلداً، وقد مثّلت ما يزيد على ثلث الرواية التي تتكون في مجملها من عشرين فصلاً. ولا توجد نسخ من هذه الفصول حتى في الأرشيف الخاص بماركيث في مركز هاري رانسوم بتكساس، حيث يتم الاحتفاظ بإرثه الأدبي. ولتتبع أثرها تعيّن علينا زيارة خزانات ومكتبات في فرنسا والولايات المتحدة وكولومبيا وإسبانيا.

السبت، 10 يونيو، 2017

رفض جائزة القذافي وأكد على أهمية البعد الكوني للمثقف: رحيل الكاتب الاسباني خوان غويتيسولو: صديق القضية الفلسطينية وعاشق مراكش

غيب الموت الكاتب الإسباني الشهير خوان غويتيسولو Juan Goytisolo، الأسبوع الماضي، في منزله في مدينة مراكش، عن سن 86 عاما، مخلفا وراءه رصيدا كبيرا من الروايات والدراسات. ويعد خوان غويتيسولو من أبرز الكتاب الذين ترّبعوا على عرش الرواية المكتوبة باللغة الإسبانية في أواخر القرن المنصرم، كان كاتباً فذاً، ومُحاوراً شجاعاً، وباحثاً كبيراً، ومن أكبر المُعجبين بالثقافة العربية والإسلامية، والعالم العربي، وكان له أخَوَان يشتغلان بالأدب كذلك، وهما الشاعر خوسيه أغوستين غويتيسولو (1928-1999)، والكاتب الأكاديمي لويس غويتيسولو المولود في مدينة برشلونة كذلك عام 1935. 

الأربعاء، 24 مايو، 2017

إنها تمطر

فرناندو بيسوا*
ترجمة: سارة الأخرس
كلُّ قطرة مطرٍ تنزلُ هي حياتي الفاشلة الّتي تبكي في الطّبيعةِ. في كلِّ قطرةٍ بعدَ قطرةٍ، أو دلوٍ بعدَ دلوٍ، هناك شيءٌ من الضّجرِ حيالَ حزنِ الحياةِ الّذي ينهمرُ على الأرضِ دونَ جدوى.
إنّها تمطرُ، إنّها تمطرُ. روحي مكتئبةٌ من سماعِ المطرِ. مطرٌ كثيفٌ… لحمي ترطّبَ من إحساسي الجسديّ بهذا المطر.
يحملُ زكامٌ مؤلمٌ قلبي الضّعيف في يديه المتجمّدتين. السّاعاتُ الرّماديةُ تطولُ، وتتبدّدُ في الزّمن. واللّحظاتُ تجرُّ بعضها. إنّه مطرٌ كثيفٌ!

الاثنين، 10 أبريل، 2017

الترجمة ضيافة.. لكنها ضيافة غريب

عبد السلام بنعبد العالي

الترجمة مشتل لغرس الفكر النقدي، والتمرّن على تذوّق طعم الكلمات، والإصغاء إلى نبرة الألفاظ، وإدراك لوينات المعاني، ولمس الفروق الدقيقة التي تميّز اللفظ عن شبيهه، وتفصل المعنى عن مثيله.
***
النصّ، بما هو كذلك، ما يفتأ يتكلم، وهو يتكلم لغات عدة. إنه يتمتع بنوع من الحركية، ويفصح عن الرغبة في الخروج عن ذاته، وهجرة موطنه وتغيير لغته.
***
كل نصّ سيترجم هو مبدئياً طرس شفاف. إنه كائن جيولوجي ملطخ بالأتربة، رغم أنه يسعى على الدوام لأن يبدو، شأن كل أصل، طاهراً نقياً وكأنه تخلّص من «سواده» وتحرّر من كل «طبقاته»، ونفض عنه جميع شوائبه.
***
الترجمة شهادة على البدايات المتكرّرة والمتعثّرة للأصل، ونوع من التّنقيب عن مسوّدات الكاتب الثاوية خلف مبيضته، فكأن مسعاها هو أن تعيد للنصّ مخاض ميلاده، فتنفخ فيه الحياة من جديد، وتلبسه حياة أخرى ولغة أخرى لتنقله إلى متلقّ آخر.

الثلاثاء، 14 مارس، 2017

المترجم خالد الجبيلي: الحذف بذريعة منافاة الأخلاق وعدم تناسب ذائقة القارئ العربي وثقافته، خيانة حقيقية للترجمة

حاوره ـ أيوب مليجي

خالد الجبيلي، مترجم سوري يقيم حالياً في ولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأميركية، حائز على إجازة في اللغة الإنجليزية وآدابها من جامعة حلب، بسوريا. عمل مترجماً ومراجعاً في دائرة الترجمة العربية في الأمم المتحدة بنيويورك. ترجم زهاء 60 كتاباً معظمها في مجال الرواية .. أول عمل ترجمه إلى اللغة العربية، كان رواية “مزرعة الحيوانات” للكاتب البريطاني جورج أورويل عندما كان طالباً بالسنة الثانية في كلية اللغة الإنجليزية وآدابها في جامعة حلب. ومن الأعمال التي ترجمها ولاقت استجابة رائعة من القارئ العربي رواية “قواعد العشق الأربعون” للكاتبة التركية إليف شافاق، بالإضافة إلى روايتها “لقيطة إسطنبول” وكان آخرها رواية “الدرب الضيق إلى مجاهل الشمال” للكاتب الأسترالي ريتشارد فالانغان الحائز على جائزة مان بوكر لعام 2014.

الأحد، 12 فبراير، 2017

ماريو بارغاس يوسا: أدباء اليوم تحولوا إلى مخادعين

إعداد: مها محفوض محمد 
لقبه بلزاك أميركا اللاتينية، ذاع صيته في عالم الأدب بعد روايته الأولى «المدينة والكلاب» التي نال عليها عدداً من الجوائز تتالت بعدها رواياته وجوائزه «من ضمنها جائزة ثرفانتس للآداب عام 1994» إلى أن حاز جائزة نوبل للآداب عام 2010 بعد نحو ثلاثين عملاً بين رواية ومسرحية ودراسة من أهمها «البيت الأخضر»، «امتداح الخالة»، «حرب نهاية العالم»، «حفلة التيس» وآخرها «البطل الخفي».
الروائي الصحفي والسياسي البيروفي ماريو فارغاس يوسا (مواليد البيرو 1936) يعد من أعظم أدباء أميركا اللاتينية أبدع في جميع أعماله التي تميزت بنزعة التغيير للمجتمع، فلم يتوقف عن الدفاع عن حقوق الإنسان كما قدم وصفاً رائعاً في رواياته لبلاده والتي مزقها العنف والتعصب وركز على حقيقة الحياة فيها، ولا تنفصل عنده السياسة عن الأدب وبرأيه فإن الأديب يمكن أن يقوم بدور سياسي مهم وكان قد رشح نفسه لانتخابات الرئاسة في البيرو عام 1990.

السبت، 21 يناير، 2017

موهبة الشقاء (قصص)

موهبة الشقاء (قصص)
خوان خوصّي ميّاس
ترجمةالقاص السعودي عبد الله ناصر



1
كانت مجنونة

كم يبدو غريباً كل شيء. أعرف صديقةً تشغل منصباً هاماً في مختبرات الصيدلة. كانت صغيرة وذات بشرةٍ داكنة، وقد تمكنتْ -لا أدري بأي حيلة -من المحافظة على تلك البُنية المراهِقة التي تغمر جسدها بالكامل. كانت تعابيرها باردةً نوعاً ما، ولكن دقيقة جداً كما لو أنها تعلمت القراءة من تلك المنشورات الطبية القديمة التي ترتكز إلى المصطلحات الجميلة والغامضة مثل الانتفلوجستيك. كانت تنعم بحياةٍ زوجيةٍ هانئة، إذ كان زوجها لا يميل إلى حفلات العمل ويفضّل عليها بهجة البيت البسيطة. وقد تكشفت علامات نبوغ ابنهما المراهق الذي لا يشرب البيرة في الشارع. كانوا إذن سعداء حقاً. كنا نلتقي بالعادة صباح كل أحد بالقرب من متجرٍ للطوابع البريدية في ساحة مايور. كانت تقتنص أفضل الطوابع بأفضل الأسعار، غير أن مجموعتي أكثر قيمةً منها، ولا أفكر في التخلي عنها أبداً إذا كان هذا ما تبحث عنه. كنا نحتسي النبيذ بينما نتحدث في شؤون الحياة.