الثلاثاء، 14 مارس، 2017

المترجم خالد الجبيلي: الحذف بذريعة منافاة الأخلاق وعدم تناسب ذائقة القارئ العربي وثقافته، خيانة حقيقية للترجمة

حاوره ـ أيوب مليجي

خالد الجبيلي، مترجم سوري يقيم حالياً في ولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأميركية، حائز على إجازة في اللغة الإنجليزية وآدابها من جامعة حلب، بسوريا. عمل مترجماً ومراجعاً في دائرة الترجمة العربية في الأمم المتحدة بنيويورك. ترجم زهاء 60 كتاباً معظمها في مجال الرواية .. أول عمل ترجمه إلى اللغة العربية، كان رواية “مزرعة الحيوانات” للكاتب البريطاني جورج أورويل عندما كان طالباً بالسنة الثانية في كلية اللغة الإنجليزية وآدابها في جامعة حلب. ومن الأعمال التي ترجمها ولاقت استجابة رائعة من القارئ العربي رواية “قواعد العشق الأربعون” للكاتبة التركية إليف شافاق، بالإضافة إلى روايتها “لقيطة إسطنبول” وكان آخرها رواية “الدرب الضيق إلى مجاهل الشمال” للكاتب الأسترالي ريتشارد فالانغان الحائز على جائزة مان بوكر لعام 2014.

* بداية، لماذا اخترت الترجمة؟ أو بعبارة أخرى: لماذا اختارتك؟

** يمكنني القول إن أحدنا اختار الآخر. كنت أشعر أن هذه المهنة تشدني إليها بقوة، وقد استجبت لها.

* المتتبع لتجربتك الطويلة في الترجمة، يلاحظ استحواذ الرواية على قسط مهم من الأعمال المترجمة، فلماذا هذا التوجه إلى الرواية، هل هو بالضرورة تفاعل قارئ/مترجم، أم أن الأمر راجع إلى مقولة “هذا زمن الرواية”؟

** كنت قد ترجمت عدة أعمال تاريخية من أهمها “تاريخ حلب الطبيعي في القرن الثامن عشر” للطبيبين البريطانيين ألكسندر وباتريك راسل، و “نشوء الشرق الأدنى الحديث” للمؤرخ الإنكليزي مالكولم ياب، لكني أجد نفسي مدفوعاً دائماً إلى الأدب بشكل عام والرواية بشكل خاص، بشغف القارئ أولاً والمترجم ثانيا.

* تقول في أحد مقالاتك :”فالترجمة ليست مجرد نقل مفردات من لغة إلى أخرى، بل نقل مفاهيم وأفكار من ثقافة إلى ثقافة أخرى. إن انتزاع نص من منظومته اللغوية ونقله إلى منظومة مختلفة قد يسمى “خيانة” كما يقول المثل الإيطالي “المترجم خائن”. فما الذي يقود خالد الجبيلي إلى كتاب ما كي يقوم بترجمته، هل هي عين العاشق/ القارىء أم عين المترجم/ الناشر؟

** إن ما يدفعني إلى ترجمة أي عمل هو أن أجد فيه متعة وفائدة وأن ينطوي على أفكار جديدة. ولا أهتم كثيراً بأسماء كتّاب مشهورين. فقد قمت بترجمة أعمال لكتّاب لم يكن القارئ العربي قد سمع بهم أو قرأ لهم، مثل الكاتب البريطاني الهندي الأصل حنيف قريشي والكاتبة الأميركية آشا بنديلي، والكاتبة الفرنسية الإيرانية الأصل نهال تجدد، بل حتى الكاتبة التركية إليف شافاق. إن ما يقودني إلى كتاب هو أهمية العمل. وعين العاشق/القارئ تأتي أولاً، ثم تأتي عين المترجم/الناشر، لأني أعتذر عن عدم ترجمة أي عمل يعرضه على الناشر إذا لم أعشقه. والحمد لله أنني أتعامل مع ناشر مثقف وثمة تناغم وانسجام في عرض الأعمال وقبولي لها.

* إسهامك الكبير في ترجمة الأدب العالمي إلى العربية سهل للقارئ العربي ولوج عوالم متعددة اللغات و الثقافات من جهة، و مكن الكاتب الأجنبي من كسب قراء إضافيين من جهة أخرى، لكن ماذا عن ترجمة الأعمال العربية إلى لغات عالمية؟

** مع أنني قمت بترجمة رواية “شغف” للكاتب السوري نهاد سيريس إلى الإنكليزية، لكني أؤمن بأن على المترجم أن يترجم إلى لغته الأم. بالإضافة إلى أن هناك عدداً من المترجمين الإنكليز والأميركيين الجيدين الذين يضطلعون بهذه المهمة.

* يقول المثل الإيطالي : “المترجم خائن”، بينما يقول خالد الجبيلي : ”المترجم كاتب ثان”، بينما يؤكد أمبرطو ايكو في كتابه عن الترجمة “أن تقول تقريبا نفس الشيء”. أين يمكننا وضع مكانة الترجمة خصوصا في ظل هذا الجدال المستمر بين اعتبارها فعل خيانة من جهة، وفعل كتابة ثانية من جهة أخرى؟ وما الذي نقصده هنا بـ”كتابة ثانية “؟
** أرى أن المترجم كاتب ثان للنص، لأنه يعيد كتابة النص الأدبي الأصلي بلغة جديدة، وينقل عالماً يتمتع بخصوصية معينة، يطابق تماماً العالم الذي ابتدعه الكاتب الأصلي. وإني أفهم مقولة “المترجم خائن” بمعنى عدم إمكانية التطابق التام بين النص الأصلي والنص المترجم لأسباب عديدة منها اختلاف اللغتين من حيث السياق والمفردات والتراكيب والأسلوب. لكن يكون النص خيانة حقيقية في اعتباري هو عندما يسمح المترجم لنفسه أن يتصرف بالنص الأصلي كما يحلو له، فيحذف ما لا يفهمه أو يروق له أو ما يخالف مفاهيمه ومعتقداته، ويضيف هنا ويحذف هناك بذريعة أنها منافية لأخلاق ولا تناسب ذائقة القارئ العربي وثقافته فهذه هي خيانة حقيقية.

* تقول في أحد مقالاتك :”إني أختار الأعمال الأدبية التي تضيف جديداً إلى ثقافتنا..”كمترجم ما هي في نظرك الشروط التي يجب أن تتوافر في مترجم اليوم ؟ وما المعايير المطلوبة التي يضعها المترجم لاختيار عمل قصد ترجمته؟

**ينبغي للمترجم الأدبي أن يتمتع بذائقة أدبية عالية. ولا يكفي أن يتقن المترجم اللغة التي يترجم منها واللغة التي يترجم إليها، بل يجب أن يكون على اطلاع جيد بثقافة هاتين اللغتين، وأن يكون موهوباً، وعليه أن يصقل موهبته بالكثير من القراءة المتعمقة. وينبغي أن تتوافر في المترجم الأدبي موهبة الكاتب الأصلي كي يتمكن من إبداع نص مطابق للنص الأصلي لكن بلغة جديدة. وأظن أن المترجم، في كثير من الأحيان، يخضع لاختيارات الناشر، لذلك، على المترجم أن يتوخى الدقة في اختيار العمل المفيد والممتع والذي يمكن أن يضيف شيئاً هاماً إلى المكتبة العربية.

* سبق أن أثارت ترجمة بعض الكتب العبرية لكتاب إسرائيليين إلى العربية ضجة كبيرة في بعض الأوساط الثقافية العربية التي اعتبرت ذلك من باب التطبيع مع الكيان المحتل، ما رأيك في ذلك ؟ وماذا عن حقيقة هذا” التطبيع الثقافي ”؟

** طبعاً أنا ضد التطبيع الثقافي الكامل مع الكيان الإسرائيلي، لكني لا أجد أي مانع في ترجمة بعض الأعمال الانتقائية من اللغة العبرية خاصة التي لا تروج للأيديولوجية الصهيونية. في نهاية الأمر، فإننا نترجم أعمالاً أدبية، ومن حق القارئ العربي أن يطلع على أدب “عدوه” عملاً بالقول المأثور “من تعلم لغة قوم أمن شرهم”.

* في نظرك إلى أي حد يمكن أن تساهم الترجمة في التلاقح الثقافي بين الشرق و الغرب خصوصا في هاته الظرفية الراهنة ؟

** لولا الترجمة لما عرفنا شيئاً عن ثقافات وحضارات الشعوب الأخرى، ولما عرفت الشعوب الأخرى شيئاً عن حضارتنا وثقافتنا. للترجمة دور فعال في نقل الثقافات والأفكار والحضارات، وهي وسيلة بالغة الأهمية للتواصل الثقافي والعلمي بين الشعوب، وإثراء المخزون الفكري الإنساني. ولا يمكن أن يتقدم أي شعب بدون الترجمة، لذلك يجب إيلاء الاهتمام والتقدير الكافيين للترجمة وللمترجمين لأهمية العمل الذي يقومون به.

* في ظل هذا الرصيد اللغوي و المعرفي الذي راكمته من خلال مسيرتك الطويلة في حقل الترجمة، هل لنا أن نرى خالد الجبيلي “روائيا” في المستقبل؟

**
من الممكن. لقد طُرح عليّ هذا السؤال مراراً، لكني أرى أنه من الأفضل لي أن أتمكن من نقل أعمال عالمية تضيف إلى المكتبة العربية، على أن أكتب شيئاً قد لا يضيف شيئا.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق