الأحد، 29 مايو 2011

محفوظ مصيص شاعر فلسطيني بلكنة تشيلية

إذا كان الدارسون والنقاد يشيرون إلى أدباء المهجر في الولايات المتحدة على أنهم أصحاب الفضل في إنارة الأدب العربي وتحديثه، وفتح آفاقه على تجارب جديدة في الآداب الغربية، فإنهم، من دون شك، حصروا هذا الأدب في حدود جغرافية ضيقة، وضيعوا أمامه فرصة الانفتاح على آفاق أوسع والاحتكاك بتجارب أخرى لا تقل أهمية عن تجارب الرابطة القلمية وروَّادها.
فبمجرد العودة إلى البدايات، نجد التاريخ يتحدث عن عوامل كثيرة عرفتها البلدان العربية، دفعت بالعديد من الأسر والأفراد إلى الهجرة نحو بلدان أخرى أكثر أمانا واستقرارا، مثل القارة الأمريكية بشقيها الجنوبي والشمالي، والتي كانت الوجهة المثلى للوافدين من سورية ولبنان وفلسطين.
هؤلاء الذين أجبرتهم الظروف على التأقلم والاندماج في ثقافات غير ثقافتهم، أفادوا من ازدواجية الانتماء فأبدع بعضهم بلغته الأصل، في حين آثر آخرون أن يبدعوا بلغات بلدان إقامتهم، لكن دون أن ينزووا بعيدا عن ثقافتهم وهويتهم العربية.
محفوظ مصيص (1916-1990)، واحد من هؤلاء، وشاعر من بين أزيد من ثمانية أدباء تشيليين يتحدرون من أصول فلسطينية، لكنهم، وبسبب النشأة والمولد وظروف التربية والتكوين، أصبحوا يكتبون باللغة الاسبانية بدل العربية.
لقد ألَّف محفوظ مصيص تسعة دواوين شعرية ومجموعة قصصية وكتاب نصوص نثرية وأنطولوجيا شعرية جمع فيها معظم ما كتبه ما بين سنتي 1942 و1988، وبمجرد التمعن في عناوين بعض هذه الأعمال من قبيل: احوش الألمب وبعين العاصفةب وبأحلام كايينب (قصص) وبمرثية تحت الأرضب وبترنيمات الديك الأسودب وبكتاب النجوم المطفأةب وبأساطير المسيح الأسودب وبنوَّاح المنفِيِّ' ندرك قوة هذا الشاعر في استخدام التيمات والعناوين غير المألوفة وذكاءه الحاد المتجلي في إثارة الفضول واللعب على أوتار الاستعارة والترميز.
لقد كانت أعمال مصيص على الدوام مدار جدل بين النقاد والقراء في تشيلي، إذ كان شعره ثوريا بامتياز يعكس واقع الإنسان المعذب بكل تجلياته ويزيل النقاب عن كثير من أمور الحياة والهوية والوجود من خلال رموز غالبا ما تميل ظاهريا إلى السواد أو تدنو من عوالم النحس والشؤم، لكنها في الواقع رموز صادقة ومحمَّلة بحقيقة الإنسان وماهيته.
لعل ازدواجية مصيص الثقافية، وإطلاعه الواسع على ثقافات وأساطير التاريخ والأديان جعلت نصوصه تتميز بالبعد الكوني والجمع بين حضارات الشرق والغرب والإبحار في عوالم الروح والجسد والحياة والموت والخير والشر والحب والكراهية... فها هو، رغم البعد الذي يفصله عن بلده الأصلي، يغير اسمه من اأنطونيوب إلى محفوظ وينظم أشعارا عن الحنين و الرغبة في العودة إلى فلسطين:

أبتاه،
لقد زجوا بي في هذا الجُبِّ
هنا اللبلاب فقط
لا عنبر ولا ربّ يمكنه انقاذي
أنا الذي خُلقت من أول عظامك
في أمريكا الفقر هاته
لم أستطع فهمك
لعلك كنت تسأل
لماذا نحن هنا
وتركنا فلسطين بعيدا؟
أنا وحدي
أريد أن أبكي
أريد أن أقول
إذا أمكنني:
لنذهب معا إلى فلسطين
لكنها هي أيضا لم يعد لها وجود
وأنا وأنت لا ندري إلى أين نمضي.


إن محفوظ مصيص وغيره من أدباء المهجر بأمريكا الجنوبية من أمثال خورخي غارسيا أوسطا وأندريس سبيلا وفريد نصار وأولغا لولاس وآخرين ليعدون تيارات مختلفة وتجارب بديعة في مشهد الأدب العالمي، ونحن اليوم، باعتبار اننا معنيون أكثر بإبداعاتهم، مطالبون بمعرفتهم ولم لا نقل كتاباتهم إلى اللغة العربية ودراستها. 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


عبدالله توتي
القصيدة من ترجمة كاتب المقال. 

كاتب ومترجم من المغرب

عن جريدة القدس العربي

الثلاثاء، 3 مايو 2011

إرنستو ساباتو: "الممانعة" ضد وحش "التقنية"


صدر مع مجلة الرافد العدد012 /ديسمبر2010 إصدارات دار الثقافة والاعلام حكومة الشارقة، كتاب "الممانعة" للكاتب الأرجنتيني  ارنستو ساباتو ترجمة وتقديم أحمد الويزي.
يتألف الكتاب من مقدمة للمترجم و خمس رسائل وخاتمة، وتحمل كل رسالة مع الخاتمة عنوانا مستقلا يحيل على مضمونها العام.
اختار المترجم أحمد الويزي الكاتب والاديب المغربي كلمة الممانعة بدلا من المقاومة كما في أصل الكتاب بالاسبانيةresistencia  وبالفرنسية la résistence وهو اختيار موفق للمترجم، نظرا لما توحي إليه كلمة مقاومة في ذهنية القارىء / المتلقي العربي من معاني تتنافى مع غاية الكتاب.
الرسالة الاولى: المعنونة بالصغير والكبير يحكي الكاتب إرنستو عن تحسره عن افتقاد ذلك البعد الانساني الحقيقي في الحياة، وابتعاد الانسان عن جوهر الامور، ويدعم هذه الفكرة بسرد مجموعة من الامثلة من الواقع؛ من قبيل : أن التواصل الانساني أصبح بطريقة مجردة، وأصبح الادمان عن مشاهدة التلفاز، ورؤية المناظر الطبيعة من خلال السنما، وغياب اللقاءات أوالاجتماعات الحميمية بين الناس، وكثرة الضجيج والضوضاء، واختفاء  الاسواق القديمة... فأرنستو يضع الانسان في مقابل التقنية /الآلة التي تريد أن تهيمن عليه وتطبعها بطابعها، وتعد التقنية – نظر ساباتو- مسؤولة عن بعض الامراض المعاصرة، كحال السرطان؛ فهذا المرض ناجم عن وضعية لا توازنية بالذات؛ يقول أرنستو:
" إننا إذا عشنا الحياة كمجرد أجسام آلية متحركة، فإننا سوف نصاب بعمى يحرمنا من رؤية تلك الآثار التي يخلفها الناس وراءهم وهم يعبرون الحياة..." ص38
ويقول أيضا:
" إن مصيرنا مثل بقية الامور الانسانية الاخرى، لا يفصح عن نفسه ضمن دائرة المجرد، وإنما يتطلع كي يتجسد على الدوام من خلال تفاصيل واقعة من الوقائع، أو عبر تفاصيل مكان معين، أو من خلال وجه محبوب." ص50
ولذلك، فهو يؤكد على ضرورة أن يتجاذب الناس أطراف الحديث بشكل مباشر، عن طريق الجلوس الى مائدة الطعام، ورؤية المناظر الطبيعية في الواقع وليس من خلال السينما أو التلفاز، ويحسن بالانسان أن يتسوق بنفسه في الاسواق القديمة عوضا من التسوق الافتراضي عن طريق الحاسوب.
فهو يحذر من عدم تأثرالانسان بما يحيط به من العوالم الصغيرة التي عادة لا ينتبه لها الانسان، يقول: " غير أننا إن لم نترك أنفسنا تتأثر بما يحيط بها، سوف لن نتآزرأبدا لا مع الانسان، ولا مع أي شيء آخر..." ص52
الرسالة الثانية: القيم القديمة في هذه الرسالة يقارن ساباتو بين المدينة والقرية، ويصف كثير من التغييرات التي طالت معالم المدن، حتى قضي على اتساقها وانتظامها ورونقها، وأعطى مثالا بمدينة سالتا تلك المدينة العتيقة التي تغيرت معالمها ولم تعد تظهر للعيان على حد تعبيره، ونفس الكلام يصدق عن مدينة بوينس إيريس.
ثم يستطرد ساباتو في القول؛ حيث يذكر حدث لفت انتباهه حين وقع بصره على طفل صغير يلهو تحت أنظار والدته في ساحة كبيرة، وفي طقوس هذا اللعب بين الاطفال، يلتقط ساباتو أحيانا صدى وعادات هذا اللعب بعيدة، ورجع قيم يبدو أن زماننا عفا عليها، ومن هذه الملاحظة يتوقف عند قيم القرية – وهي بيت القصيد لديه بعد أن عرج على قيم المدينة - حيث لا زالت قيم المروءة، والايثار، والتضامن، والشجاعة، وطهارة الروح... وهذا الطفل الذي لاحظه الكاتب ما هو الا ساباتو حينما كان في طفولته يستمتع ببعض الطقوس سواء كانت دينية أو احتفالية.
يكرر مرة أخرى الكاتب  في رسالته مظاهر الاستيلاب الانساني حين يقول: " ففي أيامنا هذه، ما عادت البشرية تعرف للراحة طعما ولا معنى، لأنها تعودت بشكل عام، على النظر الى الوقت نظرة نفعية، وصارت تستعين لتوصيف وقتها، بتعابير وألفاظ دالة يكتنفها الكثير مما هو إنساني بحيث كان البعض يتحادث مع البعض الآخر، وهو منهمك في انجاز مهامه، حتى وإن كان ما يقوم به شغلا مكتبيا أو عملا..." ص70-71
وقد ذكر هذه القيم القديمة التي عنون بها رسالته في قوله لقد كانت حياة الناس الفردية والاجتماعية، متوقفة على بعض القيم والمثل الروحية، التي ما لبثت اليوم أن هجرت، مثل عزة النفس، والاستقامة، والشرف، ومحبة العمل المتقن، واحترام الآخرين....ص72
بعد عرضه مقولات بعض الوجوديين(كامي/كيريلوف/سارتر/كيركيغارد)، يعود ليذكر مرة أخرى بالقيم الكبرى المفتقدة بنظره في الوقت الراهن، مثل قيمة الخجل يقول: "بأن الناس لم تعد تخجل من أي شيء أبدا، وأن من المحتمل جدا أن يصادف بعضهم شخصا ما متهما بالتعاطي لرشاوي مشينة، غير أنه يظل مع ذلك يعاشر الشرفاء والمستقمين... ففي المتاضي ما كان من الممكن لعائلة هذا الشخص أن تتجرأ على الظهور علنا، ولا على الاحتكاك بالناس مطلقا، وأحرى به هو بالذات." ص76.

الرسالة الثالثة : بين الخير والشربداية، يصف ساباتو مشهد طفل مع والدته وهو يلهو؛ فذكره – وهو في هذا السن المتقدم من العمر- بحواراته ولقاءاته الحميمية مع أمه، وكذا طفولته. متساءلا عن السبب الذي جعل أهل هذا الزمان يعرضون عن كبار السن؟ ويجيب ضمنيا بأن "تقدم" المجتمعات يدفع الى إقصاء جميع الكائنات التي لا تنتج.
ويتبين من خلال حديثه المتكرر عن الطفولة، كرمز للبراءة والصفاء والنقاء، يتبين انه يريد ان يجعل منها منطلقا لتغيير هذا العالم الذي افتقد كثيرا من القيم يقول: " بضرورة عدم السماح لكافة القاذورات، الصادرة عن عالم الكبار بأن تمتد الى هؤلاء الاطفال كي تكلمهم، وتكسر دواخلهم..."ص109 ويرجع أسباب إفساد براءة "الاطفال" الى نظام التربية، رغم إقراره أن الثقافة تبقى مع ذلك هي المسؤول الوحيد عن تشكيل تلك الرؤية التي يكسبها الاطفال فيما بعد عن العالم" ص109  ويقترح كمرتكزات لنظام التربية والتعليم الذي يجب أن تراعي فيه على حد قوله ما يلي: " إن البحث عن حياة أكثر إنسانية، ينبغي أن يكون الصرح، الذي يبنى عليه نظام التربية و التعليم، وإن هذا لهو السبب، الذي يجعلنا نرى أن ترك الاطفال يقضون ساعات كاملة أمام التلفزيون، وهم يبتلعون -بأذهان متبلدة- جميع أصناف العنف الممكنة،أوتركهم منهمكين في ألعابهم الالكترونية، التي تمجد الهدم والتخريب، هو من الامور الجسيمة جدا..." ص110/111
ينتقد الكاتب نقدا صارما المنظومة التربوية القائمة على النزعة الفردانية المرتكزة على التنافس والانتصار على الرفقاء. وهي بنظره تربية مولدة للشر تقدمه على هيئة خير.
الرسالة الرابعة : قيم الجماعةينطلق في حديثه عن مدينته بوينس ايريس، ومن خلالها يتحدث عن معطيات مرتبطة بأحوال العالم. في البداية يشير إلى النتائج الكارثية التي خلفها العلم " التقنية" يقول: إن العلم هذا الوليد الذائع الصيت، الذي كان ينبغي عليه أن يساهم بهمة، في حل كافة المشكلات الفيزيقية والميتافيزيقية التي تحير الانسانية، وتشغل بالها، قد ساهم كثيرا -بفطرياته الذرية، وسحبه الجهنمية- في تيسير بناء الامبراطوريات العظمى، وتقوية سلط التدمير والتخريب والابادة "ص131 وفي معرض حديثه عن عالم السياسة ذكر بأن الديمقراطية بنظره لا ينبغي أن تسمح بالتعددية فقط، بل تشجع عليها وتطالب بممارستها، أما السلطة فيجب أن تكون وظيفتها تكافلية ومن أجل خدمة الصالح العام، أما الحرية فيتبنى الكاتب مفهوم "الوجودي ألبير كامي" للحرية : بكونها ؛ أي الحرية ليست امتيازا بل مسؤولية وانضباطا.
الرسالة الخامسة: الممانعة في هذه الرسالة يعود الكاتب للحديث عن اندحار القيم بين أفراد المجتمع؛ وتكمن لديه في ظاهرة ضغط الوقت، الذي صار يهدد إنسانية الانسان، لم يعد للقيم الانسانية من وجود وأولوية، نتيجة جعل المردودية الانتاجية هي الهدف والمعيار؛ فأضحى الانسان يعيش كالآلة الميكانيكية المتحركة، وهذا يمثل إحدى آليات النظام الرأسمالي المتوحش.
يقول أرنستو " في زحمة العجلة، يصير كل شيىء شديد الفظاعة بالنسبة للناس، حتى إن الكلام ما عاد عملة، تتبادل فيما بينهم أبدا، وقد بلغ بنا الامر مبلغا مهولا، بحيث صرنا لا نعبر سوى بلغة الأرقام، عوض لغة الكلام، ولا نتبادل سوى المعلومات العامة، عوض الخبر عن الاحوال..." ص160
إن انسان ما بعد الحداثة كائن مغلول الى أساليب الرفاهية، التي توفرها التقنية، وبالتالي فإنه لا يتجرأ في الاغلب الاعم، على الاقدام التلقائي على تجارب عميقة، من قبيل تجربة الحب، أو التضامن..." ص167
واضح أن رسالة ساباتو المركزية في مجموع رسائله هو الهجوم الشرس ضد التكنولوجيا، التي تستهدف الوجود الانساني، وتريد تحويله إلى مجرد مادة. 
خاتمة : القرار والموتهذه الخاتمة بقدر ما تعبر عن أفكار مجردة، وتأملات فلسفية، فإنها تعبر حقيقة عن ذات الكاتب ورؤيته ومنظوره للموت، ويكشف من خلال لحظات تحولاته الفكرية من إيمانه بالنزعة العقلية المنطقية، مرورا بنزعة التشكيك، الى نزعة روحية / انسانية.
ما عاد ساباتو يكثرت بالموت، وهو يشعر بدنو أجله، يقول: "...وبعدما أقترب أجلي، وصار أدنى مني من حبل الوريد، وبعد أن أشاع بين حنايا نفسي كلها، فهما خاصا للوجود، لم أكن قد أدركته من قبل أبدا، فإنني ما أنفك أرى تاريخي المعاش كله، في هذه الليلة الصيفية التي أكتب فيها خاتمة هذا الكتاب..." ص187
وأخيرا وليس آخرا، التاريخ -لدى ساباتو- ممكن أن يتغير بتوفر عنصرين أساسيين؛ وهما الايمان/ القيم والشجاعة، مثل ما قام بذلك أبطال شجعان.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
* توفي يوم السبت 30 أبريل 2011 

عن موقع إيلاف
 

الأحد، 1 مايو 2011

حوار مع الكاتب الإسباني خوان غويتسولو



عرف الكاتب الإسباني غويتسولو بمواقفه المناهضة للاستبداد والديكتاتورية، وبوقفاته الكبيرة والعظيمة إلى جوار التاريخ الإسلامي والأندلسي، وبكتاباته الباحثة عن مدينة فاضلة تتألف من محتوى الحضارات جميعاً، عرفه الوطن العربي أكثر حين رفض استلام القيمة المالية لجائزة القذافي العالمية للآداب عام ،2009 وقد علل ذلك وقتها بأنها “قادمة من العقيد معمر القذافي”، لم يغتر بال150 ألف يورو، كما لم يتعامل على أساس أنه مفكر كبير في الحي البسيط الذي يقطنه في مراكش . . فهناك، في “القنارية” يناديه الناس باسمه دون تبجيل، يحبون الحديث معه، ويداومون على مناقشته .
قد تجده غريباً حين تعرف أنه لا يقبل أي دعوات رسمية، ويطبق الأمر ذاته على الجوائز، وإذا قرر زيارة بلد يزوره على طريقته، كما فعل في مصر خلال زيارته عام 1985 . حين جاء إليها مع رفيق له، وقرر الإقامة مدة شهر في “المقابر” وبالتحديد عند قبر العالم الجليل عمر بن الفارض، وهي التجربة التي يصفها بأنها صوفية فريدة من نوعها، وهو نفسه الشخص الذي لبى دعوة المركز الثقافي الإسباني في القاهرة أخيراً وجاء إلى مصر ليثبت أنها تغيرت وأصبحت دولة يجد فيه غويتسولو راحته .
نص الحوار:
 جائزة القذافي العالمية للآداب عام 2009 وجائزة محمود درويش للحرية والإبداع عام ،2011 جائزتان رفضت الأولى وقبلت الثانية . . لماذا؟

 أولاً أشعر بالتكريم لحصولي على جائزة محمود درويش، فهي الجائزة العربية الوحيدة التي تعبر عن الكفاح والديموقراطية في البلدان العربية، والتي يمكن أن أقبلها، وقد تشرفت وافتخرت بها . أما الجائزة الدولية للآداب، فهي جائزة دولية ولكن أموالها تأتي من ليبيا، وهذا مرفوض تماماً، وبعد رفضي لها، فوجئت بالكثير من الكلام غير الصحيح الذي قيل، وجعلني مستاءً جداً، خاصة من بعض أعضاء لجنة التحكيم، الذين كتبوا عني، وكذبوا على لساني .

رفضت من البداية أن آخذ الجائزة، وكان موقفي واضحاً من لجنة التحكيم، وأعلنت احترامي الكامل لها، ولكني لن أقبل جائزة سواء مالية أو غيرها من نظام ديكتاتوري .

 قيل إنك ترشحت ولم تفز بها فعلاً .

 فوجئت بهذا الكلام من بعض المثقفين، وبعض أعضاء لجنة التحكيم، وهذا غير صحيح، وعندي كل المستندات، والإيميلات، والمراسلات من لجنة التحكيم التي تفيد بأني فزت بالجائزة، وعندي ردودي، وكل شيء مؤرخ، فأنا لا أكذب .

الدكتور صلاح فضل كان أحد من انتقدوني، وقال إني لا أستحق الجائزة، ولكن مراسلاته لي موجودة، وسوف تنشر قريباً، ورغم ما قاله عني حرص على حضور ندوتي التي عُقدت مؤخراً في المركز الثقافي الإسباني في القاهرة، وطلب أن يقابلني، ولكني رفضت .

 كيف تستشرف الأحداث في الوطن العربي في ضوء الأحداث الحالية خاصة أنك تعيش في مراكش؟

 لست عرافاً، ولكن الحركات الحالية في الوطن العربي لن تتوقف، فلكل بلد حالة مختلفة، ومن الصعب التكهن إن كان اليمن وسوريا سينجزان ما حدث في مصر أم لا، ولكني أتابع الأحداث باهتمام، وكلها تثبت أن المثقفين الأوروبيين الذين قالوا إن البلدان العربية تدمن الرضا بالوضع الحالي ولا تصلح للديموقراطية، لم يكونوا على صواب، وقد قالوا هذا من قبل عن إسبانيا ولم يكن صحيحاً أيضاً .

لقد زرت اليمن، وهو مجتمع قبلي، طبيعته الاجتماعية مختلفة، ولا يقارن بمصر أو سوريا، كنت هناك ذات مرة، وحدث لي موقف، حين ذهبت إلى السوق، ظل الناس ينظرون لي باستغراب، وفي هذه الفترة كانوا يخطفون الأجانب، ولا يقتلونهم، وإنما يطلبون فدية، وحين رأيتهم ينظرون لي، قلت: السلام عليكم، أنا من المغرب الأقصى، أنا من مراكش، وأنا في أمان، السلام يماني والحكمة يمانية، فسلموا علي وصرنا أصدقاء .

في ما يتعلق بمصر كنت واثقا أن الشعب المصري سيثور، ففي يوم 15 يناير كنت في برشلونة بمناسبة تقديم كتاب لي، وسألني صحافي: هل تعتقد أن الثورة التونسية ستمتد لبلاد عربية أخرى؟ فقلت: نعم، فسألوني: ما البلد القادم هل الجزائر؟

فقلت: لا، لأنها بعد الحرب الأهلية، وجبهة إنقاذها، وما مر بأهلها من أحداث، لا يزال الجميع خائفين من الدخول مرة أخرى في مواجهات مع الحكومة، النظام التالي هو مصر، قلت هذا يوم 15 يناير، ومع قيام الثورة سألوني مرة أخرى: من أين لك أن تعرف هل أمدك أحد بمعلومات؟ ببساطة لم يمدني أحد بشيء، كنت متأكدا أن سقوط بن علي سيعقبه سقوط مبارك .

الفقر في مصر أكبر من سوريا، كنت في سوريا العام الماضي والشيء الإيجابي الوحيد بعد كارثة العراق هو التآلف بين الشيعة والسنة، ليست هناك مصادمات، لذا أحترم وأنظر بنظرة مشجعة لتظاهرات درعا وباقي مدن سوريا .

 يقال إنك من عشاق مصر . . فكيف تلقيت خبر تنحي مبارك؟

 في يوم تنحي مبارك، خرج السكان في الحي الذي أسكنه في مراكش يلوحون لي بعلامة النصر، ويهنئونني، لأنهم يعلمون كم أحب مصر، وأتابع أخبارها، كنت لا أبرح مكاني أمام التلفاز، كنت متأثراً للغاية بما أراه، تابعت كل التفاصيل الصغيرة والكبيرة، وحين كنت أرى المشاهد كنت أتعرف مباشرة إلى المواقع، فأنا أعرف ميدان التحرير جيداً، لدرجة أنني كنت أعلم أين توجد كاميرا التصوير الخاصة بهم، كنت أشعر بأني في الميدان . . وكنت سعيداً لأني مررت بتجربة مماثلة حين مات فرانكو وأعرف المشاعر التي يشعر بها المصريون الآن بعد سقوط القهر والظلم وتسميم الأجساد والأفكار .

 ما الذي تراه أجدر بالتغيير في مصر بعد الثورة؟

 الحل في أن يتم تغيير كل معاوني النظام القديم، خاصة في مجال الإعلام، وعلى كل صحافي  في المكان الذي يعمل به  أن يطالب بحرية الرأي، بلا رقابة، وعلى الجميع أن يقولوا رأيهم من دون خوف، ففي عام ،76 عقب عام من موت فرانكو تمت دعوتي إلى برنامج تلفزيوني، وقال مقدم البرنامج إننا سوف نتحدث عن الأدب الإسباني، فقلت له: أنا قادم لأتحدث عن السياسة، فغضب المذيع وتم قطع البرنامج، وكان مباشراً على الهواء، ولكن لا بأس، المهم أن يعلن المرء عن رأيه بصراحة .

 هل عاد الحلم ب”اليوتوبيا” ممكناً وقابلاً للتحقيق؟

 يجب أن نطلب المستحيل كي يكون ممكناً في أحد الأيام، لأننا لو طلبنا الممكن سينخفض سقف المطالب، ولابد أن يكون سقف مطالبنا أعلى من المتاح كي نصل لشيء ما، لقد رأيت المدينة الفاضلة في ميدان التحرير، رأيت مسيحيين ومسلمين، وإقبالاً من العائلات، محجبات وسافرات، كنت أرى مصر هناك، كان هناك إخاء واتحاد، وتأكدت حينها أن البشر هم البشر باختلاف الديانات، هناك إحساس إنساني عالمي بغض النظر عن الثقافات والديانات، واليوتوبيا ممكنة “شوية شوية” .

 من الكاتب العربي الذي استهواك وأثر في تكوينك؟

 تأثرت جداً بابن عربي خاصة كتابه “الخيال الديني”، تأثرت فيه بجملة يبرر خلالها ابن عربي وجود جهنم، والرحمة، معجب جداً بالتفكير الصوفي، وعمر بن الفارض، وبكتاب ألف ليلة وليلة، وبعلي شريعتي الذي قرأت كل كتبه بالعربية والفرنسية .

وليست الكتب وحسب، فالأعمال الفنية هي الأخرى تترك أثرها في وفي مقدمتها معبد “أبو سمبل”، حين ذهبت إلى هناك شعرت بأني أرى أعمال بيكاسو منذ أكثر من 3 آلاف سنة، لحداثتها، ورغم أني رأيت في اليونان التماثيل اليونانية، إلا أني لم أنجذب إليها، كما شعرت في مصر تجاه أبو سمبل، كلما رأيتها شعرت بأني أعيش في عصر الجمال، مع أعمال لأناس سبقوا عصرهم، مر عليها آلاف السنين ولا تزال تتمتع بالحداثة والجمال .

 “خمسون مؤلفاً في الرواية والسيرة والمقالة وأدب الرحلات” ما الذي أراد غويتسولو بشدة أن يكتبه ولم يفعل؟

 لا أعدّ نفسي كاتباً مهماً، وأرى أني أتممت في الإبداع القصصي ما كنت أود أن أقوله، لم أبحث قط عن التكسب من كتاباتي، والعكس تماماً، كنت أعيش حياتي وأكسب كي أكتب .

 هل ترى تخوف الغرب من وصول الإسلاميين للحكم في مصر مبرراً؟

 لا أعتقد أن الإخوان المسلمين في الوقت الحالي يريدون الوصول لسدة الحكم، فهم يعرفون تنوع الشعب المصري في أفكاره، وتوجهاته، ولن يفرضوا شكلاً أو معتقداً معيناً في الوقت الحالي، وفي رأيي أن النموذج المحتذى به بالنسبة لهم ولأي جماعة دينية أخرى في مصر هو النموذج التركي، حيث الحزب الديموقراطي الإسلامي .

هناك “لخبطة” في الوعي الأوروبي، فالكثير من الأوروبيين الآن يدعون أنهم متخصصون في الشؤون الإسلامية والعربية، تجدهم يستشهدون دائماً بسور من القرآن الكريم، ويقولون إن الإسلام دين يحفز الناس على الحرب، وردي عليهم دائماً، أن القرآن ككتاب مقدس، لا يتغير، الذي يتغير هو الوضع الاجتماعي والاقتصادي، والمفهوم وتفسير الآية في الأوضاع المختلفة، لست أحلل أو أفسر القرآن، ولكني أتحدث عن تجربة إنسانية وشخصية في البلاد العربية مع المسلمين، أتحدث من منطلق واقعي لا فكري، وقد خضت تجربة أخرى أيضاً حين كنت في أحد مطاعم برشلونة عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، جاءني رجل، سألني: “عامل إيه في المغرب مع طالبان؟” فقلت له: لا لا، تقصد المسلمين، ولكن للأسف بالنسبة له المسلمون جميعاً طالبان .

 كيف ترى العلاقة بين مصر و”إسرائيل” خلال الفترة المقبلة؟

 يجب أن يتم فتح الحدود مع غزة، كما يجب أن يكون لمصر دور في إدانة “إسرائيل” لاحتلالها الأراضي الفلسطينية وقمعها الشعب الفلسطيني، وأن تدافع عن الشرعية الدولية .

 هل سبب لك رأيك حيال القضية الفلسطينية أي مضايقات أو مشكلات؟

 تأييد القضية الفلسطينية في بعض الأماكن في الغرب يمكن أن يسبب للمرء مشكلات، ولكني أؤيد القانون الدولي، وحدود ما قبل ،67 وأود أن يحترم الجميع الحدود المتعارف عليها دولياً، وما دون ذلك أعدّه أراضي محتلة، وضعها غير قانوني، وهناك كتّاب “إسرائيليون” يشاطرونني الرأي، ويرون أن ما يحدث حالة من الجنون .

لقد ذهبت إلى فلسطين أربع مرات، المرة الأولى مع الانتفاضة الأولى مع بعثة التلفزيون عام ،93 مع مراسل جريدة الباييس، ثم ذهبت إلى مؤتمر أوسلو، كنت أرى الاحتلال “الإسرائيلي” مستمراً، وكنت أرى أيضاً بعض جوانب الفساد من السلطة الوطنية الفلسطينية، وحين ذهبت إلى غزة تضايقت جداً حين رأيت العشوائيات والأحياء الشعبية الفقيرة جداً، وعلى النقيض منها الفيللات والقصور التي كان أصدقاء ياسر عرفات يشيدونها، وفي المرة الثالثة ذهبت مع البرلمان الدولي للكتاب، وكان معي جوزيه سارماجو البرتغالي الحائز جائزة نوبل، وفي الشهر الماضي ذهبت إلى رام الله في 13 مارس/آذار، في يوم الثقافة القومية الفلسطينية، لاستلام جائزة محمود درويش .

 كيف ترى تأثير الثورات العربية في القضية الفلسطينية؟

 العالم العربي يتغير، بينما السياسية “الإسرائيلية” جامدة لا تتحرك، وتدعي طوال الوقت أنها الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، وديموقراطيتهم تلك وجهة نظر، بالنسبة لهم ديموقراطية، ولكنها ليست كذلك بالنسبة للفلسطينيين، كما أن الدعاية التي يقومون بها ليس لها أي أساس من الصحة .

 ماذا عن اقتلاع الإسبان تراثهم الإسلامي؟

 هذا واقع حزين، هناك حالة من الرفض للآثار الإسلامية تتجلى في إهمالها كقصر الحمراء في غرناطة، وهو أكثر أثر مزار في العالم، ولكن هذا الإهمال ليس جديداً، ففي عام 1830 كتب الكاتب الإنجليزي جورج بورو كتاباً عن رحلته لإسبانيا، حين كان في غرناطة، وصعد أعلى التل قي قصر الحمراء في غرناطة من دون أن يوقفه أحد، وقال: الأثر مهمل، والغجر ومجموعاتهم ينامون فيه .

يجب أن ننتبه إلى نظرة الآخرين لنا، حين يزورونا فهذا جزء مهم من رؤيتنا لأنفسنا، الرحالة الإنجليز هم من اكتشفوا ما رفضه الإسبان، وهذا يحدث في أماكن كثيرة جداً، حتى كتاب ألف ليلة وليلة يعاني الرفض في بلاده، وفي حين أن كتاب ألف ليلة وليله هو الكتاب الأم والأساس لأي عمل قصصي في تاريخ الإنسانية، إلا أن بعض المثقفين العرب كانوا ومازالوا يرونه أدباً شعبياً لا قيمة أو أهمية له .

 كيف ترى ألف ليلة وليلة إذن؟

 إنها تحوي كل ما يمكن أن نتخيله عن فن القصص، كل شيء مشكوك فيه ممكن في هذا الكتاب وهذا هو مبدئي في الكتابة والتفكير، الشك في كل شيء، ألف ليلة وليلة هي عالم من يشكون، ووطن كل كاتب له شكوك، بسبب المتاهات التي يدخلنا فيها الكتاب .

منذ سنوات قدمت “كورس” عن كتاب ألف ليلة وليلة، ولم أستمتع قط بتدريسي شيئاً، كما استمتعت بكتاب ألف ليلة وليلة، فيه جمل أحبها جداً، مثل الجملة التي قالتها شهرزاد: “العالم هو منزل من لا منزل له”، وجملة أخرى تقول: “إن أفضل بستان وأبهاه هو دولاب مليان كتب” . . حين قرأت هذه الجملة اكتشفت أن شهرزاد صديقتي .

أجرت الحوار من القاهرة: رحاب عبد العظيم
عن موقع الخليج