الأحد، 1 مايو 2011

حوار مع الكاتب الإسباني خوان غويتسولو



عرف الكاتب الإسباني غويتسولو بمواقفه المناهضة للاستبداد والديكتاتورية، وبوقفاته الكبيرة والعظيمة إلى جوار التاريخ الإسلامي والأندلسي، وبكتاباته الباحثة عن مدينة فاضلة تتألف من محتوى الحضارات جميعاً، عرفه الوطن العربي أكثر حين رفض استلام القيمة المالية لجائزة القذافي العالمية للآداب عام ،2009 وقد علل ذلك وقتها بأنها “قادمة من العقيد معمر القذافي”، لم يغتر بال150 ألف يورو، كما لم يتعامل على أساس أنه مفكر كبير في الحي البسيط الذي يقطنه في مراكش . . فهناك، في “القنارية” يناديه الناس باسمه دون تبجيل، يحبون الحديث معه، ويداومون على مناقشته .
قد تجده غريباً حين تعرف أنه لا يقبل أي دعوات رسمية، ويطبق الأمر ذاته على الجوائز، وإذا قرر زيارة بلد يزوره على طريقته، كما فعل في مصر خلال زيارته عام 1985 . حين جاء إليها مع رفيق له، وقرر الإقامة مدة شهر في “المقابر” وبالتحديد عند قبر العالم الجليل عمر بن الفارض، وهي التجربة التي يصفها بأنها صوفية فريدة من نوعها، وهو نفسه الشخص الذي لبى دعوة المركز الثقافي الإسباني في القاهرة أخيراً وجاء إلى مصر ليثبت أنها تغيرت وأصبحت دولة يجد فيه غويتسولو راحته .
نص الحوار:
 جائزة القذافي العالمية للآداب عام 2009 وجائزة محمود درويش للحرية والإبداع عام ،2011 جائزتان رفضت الأولى وقبلت الثانية . . لماذا؟

 أولاً أشعر بالتكريم لحصولي على جائزة محمود درويش، فهي الجائزة العربية الوحيدة التي تعبر عن الكفاح والديموقراطية في البلدان العربية، والتي يمكن أن أقبلها، وقد تشرفت وافتخرت بها . أما الجائزة الدولية للآداب، فهي جائزة دولية ولكن أموالها تأتي من ليبيا، وهذا مرفوض تماماً، وبعد رفضي لها، فوجئت بالكثير من الكلام غير الصحيح الذي قيل، وجعلني مستاءً جداً، خاصة من بعض أعضاء لجنة التحكيم، الذين كتبوا عني، وكذبوا على لساني .

رفضت من البداية أن آخذ الجائزة، وكان موقفي واضحاً من لجنة التحكيم، وأعلنت احترامي الكامل لها، ولكني لن أقبل جائزة سواء مالية أو غيرها من نظام ديكتاتوري .

 قيل إنك ترشحت ولم تفز بها فعلاً .

 فوجئت بهذا الكلام من بعض المثقفين، وبعض أعضاء لجنة التحكيم، وهذا غير صحيح، وعندي كل المستندات، والإيميلات، والمراسلات من لجنة التحكيم التي تفيد بأني فزت بالجائزة، وعندي ردودي، وكل شيء مؤرخ، فأنا لا أكذب .

الدكتور صلاح فضل كان أحد من انتقدوني، وقال إني لا أستحق الجائزة، ولكن مراسلاته لي موجودة، وسوف تنشر قريباً، ورغم ما قاله عني حرص على حضور ندوتي التي عُقدت مؤخراً في المركز الثقافي الإسباني في القاهرة، وطلب أن يقابلني، ولكني رفضت .

 كيف تستشرف الأحداث في الوطن العربي في ضوء الأحداث الحالية خاصة أنك تعيش في مراكش؟

 لست عرافاً، ولكن الحركات الحالية في الوطن العربي لن تتوقف، فلكل بلد حالة مختلفة، ومن الصعب التكهن إن كان اليمن وسوريا سينجزان ما حدث في مصر أم لا، ولكني أتابع الأحداث باهتمام، وكلها تثبت أن المثقفين الأوروبيين الذين قالوا إن البلدان العربية تدمن الرضا بالوضع الحالي ولا تصلح للديموقراطية، لم يكونوا على صواب، وقد قالوا هذا من قبل عن إسبانيا ولم يكن صحيحاً أيضاً .

لقد زرت اليمن، وهو مجتمع قبلي، طبيعته الاجتماعية مختلفة، ولا يقارن بمصر أو سوريا، كنت هناك ذات مرة، وحدث لي موقف، حين ذهبت إلى السوق، ظل الناس ينظرون لي باستغراب، وفي هذه الفترة كانوا يخطفون الأجانب، ولا يقتلونهم، وإنما يطلبون فدية، وحين رأيتهم ينظرون لي، قلت: السلام عليكم، أنا من المغرب الأقصى، أنا من مراكش، وأنا في أمان، السلام يماني والحكمة يمانية، فسلموا علي وصرنا أصدقاء .

في ما يتعلق بمصر كنت واثقا أن الشعب المصري سيثور، ففي يوم 15 يناير كنت في برشلونة بمناسبة تقديم كتاب لي، وسألني صحافي: هل تعتقد أن الثورة التونسية ستمتد لبلاد عربية أخرى؟ فقلت: نعم، فسألوني: ما البلد القادم هل الجزائر؟

فقلت: لا، لأنها بعد الحرب الأهلية، وجبهة إنقاذها، وما مر بأهلها من أحداث، لا يزال الجميع خائفين من الدخول مرة أخرى في مواجهات مع الحكومة، النظام التالي هو مصر، قلت هذا يوم 15 يناير، ومع قيام الثورة سألوني مرة أخرى: من أين لك أن تعرف هل أمدك أحد بمعلومات؟ ببساطة لم يمدني أحد بشيء، كنت متأكدا أن سقوط بن علي سيعقبه سقوط مبارك .

الفقر في مصر أكبر من سوريا، كنت في سوريا العام الماضي والشيء الإيجابي الوحيد بعد كارثة العراق هو التآلف بين الشيعة والسنة، ليست هناك مصادمات، لذا أحترم وأنظر بنظرة مشجعة لتظاهرات درعا وباقي مدن سوريا .

 يقال إنك من عشاق مصر . . فكيف تلقيت خبر تنحي مبارك؟

 في يوم تنحي مبارك، خرج السكان في الحي الذي أسكنه في مراكش يلوحون لي بعلامة النصر، ويهنئونني، لأنهم يعلمون كم أحب مصر، وأتابع أخبارها، كنت لا أبرح مكاني أمام التلفاز، كنت متأثراً للغاية بما أراه، تابعت كل التفاصيل الصغيرة والكبيرة، وحين كنت أرى المشاهد كنت أتعرف مباشرة إلى المواقع، فأنا أعرف ميدان التحرير جيداً، لدرجة أنني كنت أعلم أين توجد كاميرا التصوير الخاصة بهم، كنت أشعر بأني في الميدان . . وكنت سعيداً لأني مررت بتجربة مماثلة حين مات فرانكو وأعرف المشاعر التي يشعر بها المصريون الآن بعد سقوط القهر والظلم وتسميم الأجساد والأفكار .

 ما الذي تراه أجدر بالتغيير في مصر بعد الثورة؟

 الحل في أن يتم تغيير كل معاوني النظام القديم، خاصة في مجال الإعلام، وعلى كل صحافي  في المكان الذي يعمل به  أن يطالب بحرية الرأي، بلا رقابة، وعلى الجميع أن يقولوا رأيهم من دون خوف، ففي عام ،76 عقب عام من موت فرانكو تمت دعوتي إلى برنامج تلفزيوني، وقال مقدم البرنامج إننا سوف نتحدث عن الأدب الإسباني، فقلت له: أنا قادم لأتحدث عن السياسة، فغضب المذيع وتم قطع البرنامج، وكان مباشراً على الهواء، ولكن لا بأس، المهم أن يعلن المرء عن رأيه بصراحة .

 هل عاد الحلم ب”اليوتوبيا” ممكناً وقابلاً للتحقيق؟

 يجب أن نطلب المستحيل كي يكون ممكناً في أحد الأيام، لأننا لو طلبنا الممكن سينخفض سقف المطالب، ولابد أن يكون سقف مطالبنا أعلى من المتاح كي نصل لشيء ما، لقد رأيت المدينة الفاضلة في ميدان التحرير، رأيت مسيحيين ومسلمين، وإقبالاً من العائلات، محجبات وسافرات، كنت أرى مصر هناك، كان هناك إخاء واتحاد، وتأكدت حينها أن البشر هم البشر باختلاف الديانات، هناك إحساس إنساني عالمي بغض النظر عن الثقافات والديانات، واليوتوبيا ممكنة “شوية شوية” .

 من الكاتب العربي الذي استهواك وأثر في تكوينك؟

 تأثرت جداً بابن عربي خاصة كتابه “الخيال الديني”، تأثرت فيه بجملة يبرر خلالها ابن عربي وجود جهنم، والرحمة، معجب جداً بالتفكير الصوفي، وعمر بن الفارض، وبكتاب ألف ليلة وليلة، وبعلي شريعتي الذي قرأت كل كتبه بالعربية والفرنسية .

وليست الكتب وحسب، فالأعمال الفنية هي الأخرى تترك أثرها في وفي مقدمتها معبد “أبو سمبل”، حين ذهبت إلى هناك شعرت بأني أرى أعمال بيكاسو منذ أكثر من 3 آلاف سنة، لحداثتها، ورغم أني رأيت في اليونان التماثيل اليونانية، إلا أني لم أنجذب إليها، كما شعرت في مصر تجاه أبو سمبل، كلما رأيتها شعرت بأني أعيش في عصر الجمال، مع أعمال لأناس سبقوا عصرهم، مر عليها آلاف السنين ولا تزال تتمتع بالحداثة والجمال .

 “خمسون مؤلفاً في الرواية والسيرة والمقالة وأدب الرحلات” ما الذي أراد غويتسولو بشدة أن يكتبه ولم يفعل؟

 لا أعدّ نفسي كاتباً مهماً، وأرى أني أتممت في الإبداع القصصي ما كنت أود أن أقوله، لم أبحث قط عن التكسب من كتاباتي، والعكس تماماً، كنت أعيش حياتي وأكسب كي أكتب .

 هل ترى تخوف الغرب من وصول الإسلاميين للحكم في مصر مبرراً؟

 لا أعتقد أن الإخوان المسلمين في الوقت الحالي يريدون الوصول لسدة الحكم، فهم يعرفون تنوع الشعب المصري في أفكاره، وتوجهاته، ولن يفرضوا شكلاً أو معتقداً معيناً في الوقت الحالي، وفي رأيي أن النموذج المحتذى به بالنسبة لهم ولأي جماعة دينية أخرى في مصر هو النموذج التركي، حيث الحزب الديموقراطي الإسلامي .

هناك “لخبطة” في الوعي الأوروبي، فالكثير من الأوروبيين الآن يدعون أنهم متخصصون في الشؤون الإسلامية والعربية، تجدهم يستشهدون دائماً بسور من القرآن الكريم، ويقولون إن الإسلام دين يحفز الناس على الحرب، وردي عليهم دائماً، أن القرآن ككتاب مقدس، لا يتغير، الذي يتغير هو الوضع الاجتماعي والاقتصادي، والمفهوم وتفسير الآية في الأوضاع المختلفة، لست أحلل أو أفسر القرآن، ولكني أتحدث عن تجربة إنسانية وشخصية في البلاد العربية مع المسلمين، أتحدث من منطلق واقعي لا فكري، وقد خضت تجربة أخرى أيضاً حين كنت في أحد مطاعم برشلونة عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، جاءني رجل، سألني: “عامل إيه في المغرب مع طالبان؟” فقلت له: لا لا، تقصد المسلمين، ولكن للأسف بالنسبة له المسلمون جميعاً طالبان .

 كيف ترى العلاقة بين مصر و”إسرائيل” خلال الفترة المقبلة؟

 يجب أن يتم فتح الحدود مع غزة، كما يجب أن يكون لمصر دور في إدانة “إسرائيل” لاحتلالها الأراضي الفلسطينية وقمعها الشعب الفلسطيني، وأن تدافع عن الشرعية الدولية .

 هل سبب لك رأيك حيال القضية الفلسطينية أي مضايقات أو مشكلات؟

 تأييد القضية الفلسطينية في بعض الأماكن في الغرب يمكن أن يسبب للمرء مشكلات، ولكني أؤيد القانون الدولي، وحدود ما قبل ،67 وأود أن يحترم الجميع الحدود المتعارف عليها دولياً، وما دون ذلك أعدّه أراضي محتلة، وضعها غير قانوني، وهناك كتّاب “إسرائيليون” يشاطرونني الرأي، ويرون أن ما يحدث حالة من الجنون .

لقد ذهبت إلى فلسطين أربع مرات، المرة الأولى مع الانتفاضة الأولى مع بعثة التلفزيون عام ،93 مع مراسل جريدة الباييس، ثم ذهبت إلى مؤتمر أوسلو، كنت أرى الاحتلال “الإسرائيلي” مستمراً، وكنت أرى أيضاً بعض جوانب الفساد من السلطة الوطنية الفلسطينية، وحين ذهبت إلى غزة تضايقت جداً حين رأيت العشوائيات والأحياء الشعبية الفقيرة جداً، وعلى النقيض منها الفيللات والقصور التي كان أصدقاء ياسر عرفات يشيدونها، وفي المرة الثالثة ذهبت مع البرلمان الدولي للكتاب، وكان معي جوزيه سارماجو البرتغالي الحائز جائزة نوبل، وفي الشهر الماضي ذهبت إلى رام الله في 13 مارس/آذار، في يوم الثقافة القومية الفلسطينية، لاستلام جائزة محمود درويش .

 كيف ترى تأثير الثورات العربية في القضية الفلسطينية؟

 العالم العربي يتغير، بينما السياسية “الإسرائيلية” جامدة لا تتحرك، وتدعي طوال الوقت أنها الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، وديموقراطيتهم تلك وجهة نظر، بالنسبة لهم ديموقراطية، ولكنها ليست كذلك بالنسبة للفلسطينيين، كما أن الدعاية التي يقومون بها ليس لها أي أساس من الصحة .

 ماذا عن اقتلاع الإسبان تراثهم الإسلامي؟

 هذا واقع حزين، هناك حالة من الرفض للآثار الإسلامية تتجلى في إهمالها كقصر الحمراء في غرناطة، وهو أكثر أثر مزار في العالم، ولكن هذا الإهمال ليس جديداً، ففي عام 1830 كتب الكاتب الإنجليزي جورج بورو كتاباً عن رحلته لإسبانيا، حين كان في غرناطة، وصعد أعلى التل قي قصر الحمراء في غرناطة من دون أن يوقفه أحد، وقال: الأثر مهمل، والغجر ومجموعاتهم ينامون فيه .

يجب أن ننتبه إلى نظرة الآخرين لنا، حين يزورونا فهذا جزء مهم من رؤيتنا لأنفسنا، الرحالة الإنجليز هم من اكتشفوا ما رفضه الإسبان، وهذا يحدث في أماكن كثيرة جداً، حتى كتاب ألف ليلة وليلة يعاني الرفض في بلاده، وفي حين أن كتاب ألف ليلة وليله هو الكتاب الأم والأساس لأي عمل قصصي في تاريخ الإنسانية، إلا أن بعض المثقفين العرب كانوا ومازالوا يرونه أدباً شعبياً لا قيمة أو أهمية له .

 كيف ترى ألف ليلة وليلة إذن؟

 إنها تحوي كل ما يمكن أن نتخيله عن فن القصص، كل شيء مشكوك فيه ممكن في هذا الكتاب وهذا هو مبدئي في الكتابة والتفكير، الشك في كل شيء، ألف ليلة وليلة هي عالم من يشكون، ووطن كل كاتب له شكوك، بسبب المتاهات التي يدخلنا فيها الكتاب .

منذ سنوات قدمت “كورس” عن كتاب ألف ليلة وليلة، ولم أستمتع قط بتدريسي شيئاً، كما استمتعت بكتاب ألف ليلة وليلة، فيه جمل أحبها جداً، مثل الجملة التي قالتها شهرزاد: “العالم هو منزل من لا منزل له”، وجملة أخرى تقول: “إن أفضل بستان وأبهاه هو دولاب مليان كتب” . . حين قرأت هذه الجملة اكتشفت أن شهرزاد صديقتي .

أجرت الحوار من القاهرة: رحاب عبد العظيم
عن موقع الخليج

هناك تعليق واحد:

  1. اسرائيل ملفات سرية. وأحرقت زوجين مسنين وحفيدهما مع البنزين. مدرسة للأطفال ذوي متلازمة داون للقصف. تاريخ وأد. كاتين وحلف شمال الاطلسي. ووتش في :

    http://aims.selfip.org/~alKvc74FbC8z2llzuHa9/default_libia.htm

    ردحذف