السبت، 29 يناير 2011

شعراء الأرجنتين

أردت من مجموعة الشعراء هذه أن اقدم نموذجاً ولو صغيرا ، من بعض ما يُكتب من شعر حديث راهنا في الأرجنتين. ترجمتُ بضعة شعراء أرجنتينيين إذا عن الإسبانية لأعرّف القارىء العربي على ما يصنعه من كتابة إبداعية الشعراء في أحد أهم بلدان أميركا الجنوبية ثقافةً بل الأهم في المجال الفكري والفني عامة. اخترت خمس عشرة شاعرة وشاعراً معاصرين من أجيال مختلفة لكن متواكبة. أخذت شعراء وشاعرات ولدوا ما بين ثلاثينات القرن العشرين وسبعيناته. صحيح أن أعمارهم متفاوتة لكنهم جميعا يتناغمون ضمن إطار كتابي متواصل، دون أن يكون إطارا واحداً. فهم قادمون من المفهوم الواحد للكتابة الحديثة المواكبة للحياة الراهنة وللفكر المعاصر، لكن لا شك أن كل شاعر من أولئك صنع لغته الخاصة به والنابعة من ذاته وحميميته، ما أعطانا باقة من الأصوات المتنوعة في الوقت ذاته. إشارة إلى أن بين أولئك الشعراء نجد أسماء كبيرة ومهمة وأخرى فتية لا تزال تبحث عن شخصيتها وأخرى تبلورت وهي في طريقها نحو التكريس.

نقرأ إذا قصائد لكل من:
 
هوغو غولا، هوغو باديليتي، ليونيداس لامبورغيني، خوان كارلوس بوسترياثو أورتيث، هوغو موخيكا، خورخي آوليسينو، ماريا ديل كارمن كولومبو، خورخي بوكانيرا، ديلفينا موسكييتي، إدغاردو زوين، لاورا ياسان، باربرا بيللوك، دولوريس إيسبيخا، كارلوس خواريث ألداثابال، فلورنسيا أباتيه. 
 
  هوغو غولا
جزرٌ
جزر صغيرة
تطفو
في سماء مكشوفة
جزرٌ غير متحركة
جبالٌ ضئيلة
من دون سَند 
مسبحة لحسابات
 مختلفة ومتعددة
تطفو
في بحر
الصباح
ما من  أحد يسكن
في هذه الجزر
ولا هي محاطة
بالماء
أحيانا 

هي ذاتها
تصبح ماء 
وتذوب
لتنثر حمولتها
على الحقول
جزر السماء
تبحر ناصعة  وحيدة
وبالكاد يلمسها
الهواء
جزرٌ
فقط جزرٌ
طافية في الفراغ.
  شيئا ً فشيئا 
أشعر بقدوم
البريق
شيئا  فشيئا 
أشعر بصعود
النور
أنا أبقى هادئا 
من دون حركة
في انتظار
ذلك الطوفان
في الانتظار
أنتظر
ممددا 
في الصباح.
عيني الساهية
تكشف عن
الأذن المتيقظة
تسبر
البَشرة التي تفتح
شفتيها
تتناثر
في جوف الفراغ
في حفرة
عجائبية.
هوغو باديليتي
أغنية بنفسجية
في الليل البنفسجي، في صمته
الطويل والمرتعش،
الحصان قال لي :
- ليكن قلبك مرة واحدة على الأقل
بنفسجيا ً.
غادِرْ الخيزران
الأحمر
( والأخرى ، تلك الصهباء، تلك الملطخة
 بدماء الخراف)
من أجل عشب الليل.
أدخلُ  الليل البنفسجي
مع حصاني.
قلبي الأسود كطائر السمّن ،
يبحث عن أغنيته.
في عمق الليل، كم هي بنفسجية
تلك العتمة :
الليل الروحي، حضنُ
الأمومة اللانهائي،
الإطراء، إطراء الأوراق
المحتفية،
بريقُ بعض أزهار البنفسج.
داخل سياج الحديد ، تلك الزهور
الصغيرة والمنطوية على ذاتها
تفتح من جديد قلبها البنفسجي : - قمْ بتضحية.
والشوك ، الذي يرفع طرّته
إلى فضاءات بعيدة : - خلّدْ  رغباتك.
عندما أقضمُ ثمرات
زهرة الباسيوناريا القاتمة
(ثمة دمُ خروف ٍ متخثرٌ)
أسمعُ، بين الأوراق المتعانقة
وهي في غمرة الصلاة :
- الهالة  البنفسجية لقلبي الأبيض،
بمساميرها ومطارقها،
في انتظارك.
أواصل طريقي في الليل البنفسجي
مع حصاني.
قلبي الأسود كطائر السمّن ،
يبحث عن أغنيته.
وفي الليل البنفسجي، في صمته
الطويل والمرتعش
الحصان يقول لي :
- إذا كان العقرب يتناسل، إذا لقح
التفاحة المقدامة،
أفليس العقربُ بزرة  بنفسجية، أوليست بزرة 
بنفسجية  التفاحة  ؟
فليكن أيضا بنفسجيا
قلبك - عقربك - تفاحتك.
في زمن بعيد، كان العنب
المائل الى اللون البنفسجي ، والتوت،
والوردة المزرقة ،
كانت جميعها تلمع في إحدى الحكايات.
لكن قلبي يتفتح الآن
(تلك الوردة المزرقة) ورحيق
العنب يمنحني صبغة
التوت
وكل الألوان القزحية
التي عادة ً ما يفلشها الطاووس.
ويصبح قلبي بنفسجيا ً،
قلبي- عقربي- تفاحتي،
وتفوح منه الأغنية
المتلألئة،
تلوح قبة الصلاة
في السماء البنفسجية.
أسْوَد في السماء البنفسجية،
أترك الحصان.
قلبي الذي يطير، كما عصفور السمّن،
ينشد أنشودته. 
 ليونيداس لامبورغيني
  الكلب 
أرتمي متراخيا
في المقعد
أنا وكلبي
الذي دائما  يرافقني
هو يفهمني
أتكلم معه، أقول له :
« المشاعر
العميقة العميقة جدا 
كتلك التي تخنقني
عليّ  أن أجاهر بها عاليا  » :
يحدق بي
هو يفهمني
« في إحدى المرات
كان لهذا الشعور صوتٌ
وفقط اليوم أصبح هذا الصوت
إشارة مباشرة ،
تنهّدا  طفيفا
ومدجّنا  » ؛
هذا ما أقوله له.
هو يفهمني. 
أخبار متفرقة
هذه المرأة
تركض في الحي
من شارع إلى شارع
كالجنية ؛
إنها تتوقف، تعاند
أمام ذلك الرجل
الذي تشير إليه :
إصرخي- فليسمعوكِ -
« إنه رجل عاجز !»
الرجل يقول :
«هذا غير صحيح»
إنها نصف عارية ،
تكسوها صدرية ، سروال داخلي
زهريّ اللون وقاتمة ،
وهي  تلوّح بسكين  ،
الجيران
يتفرجون مندهشين ،
ينظر الرجل إليها
هادئا  ، في عينيها ؛
هي تكرر :
«إنه رجل عاجز !»
الرجل يقول :
«هذا غير صحيح»
 الجيران
 يرجعون خطوة
إلى الوراء
- مغلقين أعينهم -
وفي الأثناء هي
تأمر الرجل
الذي يتقبل حدّ
سكينها
في عنقه ؛
هي تهدد :
« إنه رجل عاجز!»
الرجل يقول :
«هذا غير صحيح». 
خوان كارلوس بوسترياثو أورتيث
الكلمة السابعة عشرة
متعرّجا ً وحائرا ً أمشي تحت هذا الضوء،
باتجاه بريقك، آخ أيها النبيذ. أنا أعترف
بأني أذهب لأسرقك حيث الله وضعك
في الفندق الذي نعرفه. أنا الساذج،
أسير داخل ألم ٍ بنفسجي. من الذي قرر
أن يكون الأمر كذلك ؟ عفوا ً، إن كنتُ أستعملك.
إنه قدري إنه النول والمغزل :
الخمرة هي حبري ، هي عطاء الآلهة لي. 
عفيف ومحصّن في العمق
لآلة الفيولا والناي الراقي
تمرّ عشبة النفل ويمر ّ كل من المجانين وزهرة السوسن والقناديل ،
والمردقوشات المتأملة والعارية،
أنا عليّ أن أذهب وأنت لا تأتين إليّ
في عربتك الخائنة المرصعة بالماس
هياكل سمك عظمية وثمة بلهٌ
أنا أريد أن أقبّلك بشغف مستميت
كعوبٌ  تجأر كالبظر المقدس
كلاسين محترقة ولا تأتين
أنا أريد أن أقبّلك مصلوبة
تمرّ مؤخرات مبهرة أنا اشتاقك
عصعصٌ آذانٌ قرمزية جميلة
وعليّ أن أذهب ملائكيا ً ! 
قصيدة 17 
وذهبتُ وحيدا ً ولم يكن النور
مشيت عبر ممرات قاسية
عبر دهاليز وأنا في حزني
وأخذتُ ورقة زعفران
أرفقتها بتحية حمراء اللون
« لقد وصلتُ هنا لأراك
خوان كارلوس كان في هذا البرج»
وعدت وحيدا ً ولم يكن النور
عبر الممرات الهامسة
تركت ورائي الأروقة
السوداء وكأنها مصنوعة
من غربان
بقيت الورقة منحنية
تنتظر عينيك البنفسجيتين
وكالأعمى رحت اسأل الجدران
بيديّ
باحثا ً عن الباب المتألق
عن كوّات القصر
عن الهواء الذي
كان ينتشر في العالم
«خوان كارلوس كان في هذا الصخر البلوري»
هربتُ وحيدا ً
ولم يكن النور.
هوغو موخيكا  
نجمة خاطفة
لكل غابة
أوراقها الموهوبة للرياح،
لكل حياة
أملها :
شرشفها الأبيض الذي يتموّج
في الليل
تحت نجمة تسقط.
 بالكاد قبل أيام
بالكاد قبل أيام مات والدي،
بالكاد منذ كل هذا الوقت.
سقط من دون وزن،
كما الجفون عند
قدوم الليل أو كما الورقة
عندما الريح لا يقتلع الأشياء، إنما يهدهدها.
اليوم ليس كما مطر بقية الأيام
اليوم تمطر للمرة الأولى
على رخام قبره.
تحت كل مطر
يمكن أن أكون أنا مَن يرقد ، الآن أعرف ذلك،
الآن وقد متُ في سواي.
الفجر
ساكنٌ ،
وكأنه لا يتحرك
كي لا يتجاوز الدمُ
الفمَ
ساكنٌ،
كمن يشعر بطائر
جريح
في كفي
دون أن أغلق يدي
دون أن افتح عينيّ.
ثمة إيمانٌ مطلق :
إيمانٌ من دون رجاء.
 خورخي آوليسينو
أوقات طيبة في المصح
يتسلى المرء في المصح وهو ينظر
إلى نسخ لكلود مونيه.
يتوقف أمام لوحة جسر أرجانتوي
المعلقة قبالة المطبخ.
لم يعد يهمّه ما يتركه مونيه من أثر طويل
بل تهمه قمة تلك الأشجار عند الجهة الأخرى للنهر.
« هذه لوحة عن الطبيعة»، يقول في ذاته،
«بما أن مونيه قبض على سعادة تلك الأشجار.
أو أن سعادة تلك الأشجار فقط نراها أنا ومونيه؟
لكن لا شك في أنها السعادة ذاتها التي انا أراها في الأشجار الحقيقية».
فجأة يُفتح بابٌ من وراء ظهره
ويغزو الممرَ عطرُ القهوة.
كما لو أن صدعا ً يحدث في تفكيره،
نشوة ٌ أخرى.
 روزبود
يجب القول إنه كان وحيدا ً تحت غصن
شجرة القيقب.
رفع عينيه، أخفضهما، بإصرار لا نهائي.
حرم نفسه من كل شيء.
وعندما كان يرفع بصره كان يرى:
شجرة القيقب
- كلمة - ؛ دخانٌ، غيمة صفراء.
وعندما كان يخفض بصره كان يرى كدسة
من العشب المهروس
حيث كانت تقيم ذبابات رمادية.
الموضوع إنتهى في ربيع 1956 .
عندما قدّم تجربته للراشدين،
هم فهموا منها أن الولد عائد
من حرب العصابات،
لأنه في الحقيقة لم يتفوّه بكلمة واحدة.
«هذا الولد سيتكلم يوم الحساب»، قالت الجدة،
لكنها كانت على خطأ.
تلك الإقامة تحت شجرة القيقب - كلمة واحدة-
أغرقت الولد في هذا التفكير:
« عندي القدرة على الرحيل
عن الكلمات ،
ما يعني الرحيل بكل بساطة وخفوت.
وأن أبقى تحت شجرة القيقب - كلمةٌ -
لا يمكنني أن أقول شيئا ً، بما أني
ولدٌ تحت القيقب».
لم يكن من الضروري
 أن يفهموا أن ذلك
كان يعني شيئا ً.
عدا أن الولد كان تحت القيقب، ضائعا ً
إلى ما لا نهاية بالنسبة إلى المعنى،
في أزليةٍ كانت
 تفتقر إلى المعنى.
ماريا ديل كارمن كولومبو
 العائلة الصينية ( مقتطفات)
إنهن صينيات تلك البنات الثلاث، مرسومات بريشةِ خطاط ٍ شرقي ٍ دقيقة. عيون كالصدع ِ تنظر إلى مشهد الأم  وهي تغسل الكيمونو في المجلى الذي في السطيحة. النظرات الطفيفة  والرقيقة تحزّ  دوائر عينيْ الوالدة، تقليدٌ  لظل شجرة إيكزوتيكية. يرسمن لها شبابيك مغلقة لحمايتها من شمس الظهيرة، شمس لا تطاق.
الروح الصينية في هذه العائلة تمتلىء كوعاء دقيق الخطوط رُسم حسب أقوال الماء الأمومية. والبنات الثلاث يتذكرن معا ً وفي آن واحد، الثقوب التي تركها الرصاص. ثقوب الذكرى العديدة  توسّخ ، بدماء الوالد، الكيمونو الذي تغسله الأم، من دون توقف، داخل المجلى الذي في دوائر عينيها.
  أن يتذكرن، أن يفتحن عروةَ جرح ٍ اسمه عينٌ، هذا يُحدث ألما ً كألم الشمس، لا يطاق ، بين الحاجب والحاجب. لذلك، تحت فيء شجرة إيكزوتيكية، البنات الثلاث يرسمن روح  تنين ٍ صاعد إلى السماء، بريشة رموشهن الدقيقة.
كل ليلة، الأم الصينية تضع روحها داخل كأس صغيرة وهادئة. تملأها بأفكارها الدقيقة كالإبرة. إنها من حجر الجاد، تلك الكأس، وتبدو جفنا ً اُفرغ  بطرف ِ جذع ِ خيزران ٍ. قد يكون أيضا ً ثمة طائرٌ أبكم يتكىء على تجعيدة  واحدة حول عينها.
روح الأم تقلد قفزة البهلوان، ذلك الذي يقذف روحه في الهواء ويقع، فيتحول عجينة ً صغيرة، في مياه الفراغ الجافة. عند الصباح، الروح الصينية تخرج كابية من الجفن، كسمكة أو كطيف يتسكع في متعرجات الفضاءات الخفية.
عندما البنات الثلاث يقتربن، الأب يغلق مروحة عواطفه، فجأة. الأب الصيني يخاف من أن تدعكَ حرارةُ بناته  خطوط َ روحه، تلك الخطوط الصغيرة، التي رتبها أجداده  بصبر ٍ وعناية فائقتين.
الخوف يجعله يُصَفّر من خلال غليونه الطويل حتى الأفق. يرشف من الغليون الرجلُ، ومن فمه الذي تبخر مع الدخان تخرج أفكار صغيرة وناعمة كخطوط جانبية لسمكة الرايا.
إنه أفيون الشعوب هذا الذي يملأ غليونه به والذي يجعله قادرا ً على فك شيفرة أفكاره بصوت عال. «هذه الصبّاغات- يقول عن بناته - يسخنّ الإبريق، لأصبحَ بعد ذلك شبيها ً بأرض منبسطة. ماذا يعرفن، وهن في هذه السن المبكرة، عن الشغل الذي كابده أجدادي لتقليد المروحة القاتمة اللون، مروحة الموج، لتقليدها قشرة قشرة، عبر آلاف السنين، إلى أن جعلوا من روحي ذلك الحجاب الموسيقي الذي وحدهم الرجال الصينيون يعرفون أن ينشروه بعزة نفس».
   عندما سمعته، أخذت تفك البنت الأكثر صينية من بين البنات الثلاث، جديلة َ شعرها كعلامةِ تمرد ٍ.  فأخذ شعرُها يقع متموجا ً كترنيمة آلة البادونيون، والأب يتذكر الضربة، الجافة، ضربة شمسية ٍ عند إنغلاقها.
 خورخي بوكانيرا
   منفى
  بدأت اليوم مجموعة من الفيلة وعددها 130،
  بمسيرة طويلة ستدوم 35 يوما ً باتجاه المدينة الجديدة
  التي عُينت لها، بعد أن طردها الرجال من أدغال جنوب
  سوماترا ليستوطنوا مكانها.
   ( أ.ف.ب. 18-11-82) 
ليس ثمة مكان للفيلة.
بدأ البارحة مشروع ترحيلها من أدغال سوماترا،
وغدا ًَ سوف يكون ثمة من يمنعها من دخول اليونيون بار. 
أنا قد أدمج هذا القطيع في منطقة لوبونغ هيتام،
أنا أتبع الأنثى الدليل،
أحمّل حدبة كل حقائبي على
أقدام الجحيم الأربع.
سوف تصل إلى هدفها - قالت صحيفة في جاكارتا.
بأسنانها تعدت على نسيج الغيوم العنكبوتي.
سوف تصل إلى هدفها،
حظائر من القصب العتيق رزحت تحت وزن كل هذا اللحم.
سوف تصل - قالت الصحيفة -.
القطيع الهائج يمرّ بأراض موحلة  وبمستنقعات
ووطني أنا، هو وحده قطيع الفيلة ذلك،
والذي ضلّ وجهته.
صياح الحيوانات
يحفظ جيدا ً هذه الأدغال المقفلة !
طبول ومفرقعات ترافق الحدث.
إن شيئا ً من هذا الغبار الذي ترفعه، هو غباري.
ساحرة
تتغذى من لحم الأيل، من أوراق كبيرة
وخضراء، لكنها تتقيأ ثلجا ً.
تهرول بسرعة فائقة، تصعد إلى القمم العالية،
وتبوح بكل ما نحن نسكت عنه.
هل يمكنها أن تتزحلق على قدم واحدة ؟ أن ترسم وهي على قدم ٍ واحدة ؟
سأقولها بطريقة أخرى : البكماء- الخرساء  تمرّ
بجسدها المنحني لتستعيد التوازن.
هنا الكل يرحبون بها : « ليس من كلمة تقال،
إنها فريدة».
بقلنسوتها إنها تهرول.
تغرز مهمازها ولساني المرتعد
يلتف بمخاوف قديمة.
وهكذا مهما أكلت فاكهة صفراء
أو أسماكا ً فضية، ستتقيأ دائما ً ثلجا ً.
عندما ستتقيأ الغابة، أنا سأعرف
أن أميز الغابة.
الآن هي في الانتظار: « ليس من كلمة
تقال، إنها فريدة».
أنا المزلاجة وطقوسها، من
خلال شدقي المكسو بالجليد
قليلٌ هو ما أستطيع أن أقوله.
لها التصفيق كله، لأنها تستطيع
أن ترقص،
أن تدور على ذاتها كالخذروف.
ولو طلبنا منها،
لقرأتْ ما تتمتم به شفاه دمية الثلج. 
ديلفينا موسكييتي
  تشرين الأول (2)
زهرة الفردوس. باقة زهور صغيرة، رقيقة. منغلقة تويجياتها حول اسطوانة الوسط ، وتلك هي رقيقة وطويلة، لونها يتراوح بين الأبيض الأساسي والليلكي، الألوان التي في حوزتها ؛ الآن، في الطبقة الداخلية، إنها  تتفتح نحو الخارج وتبدو بيضاء. في الجزء المركزي، أسطوانة الوسط  تكثف لونا بنفسجيا مائلا إلى الليلكي، وصولا إلى قمة مفتوحة على قطع  صغيرة بيضاء أو صفراء. الرائحة قوية وناعمة في آن، عطرة، كما صوتك.
من بعيد نلمح زهرة مهوّاة، مترنحة، ألوانها متنوعة لكنها غير مكثفة في فروقاتها. زهرة  في تموج دائم، صغيرة وناقلة اللقاح، ترتجف داخل بنية الشجرة القوية. تصل الزهرات الناقلة اللقاح في تشرين الأول، فتنضح شوارع بوينس آيرس، وبخفة، برائحة التراب : صدى أصوات ضئيلة، رنين البنات المقيمات في الخنادق.
يصل إليهن وزن الزهرة الخفيف، زهرة الفردوس في الربيع.

حارقة  الشمس الندية
إنه أحد تلك الأيام التي يرتفع فيها ذلك الصمتُ المشحون بالضجة، وحيث يكون ذلك النور صافيا ، والجو شفافا كما زرقة السماء : على الرصيف ثمة هدير المحركات الأصمّ التي تجرّ المياه إلى الصهاريج، مياه بئر كانون الثاني يتقاطع مع نداوة الظل عندما تضرب الشمس، نغمُ الزيز الذي يرتفع ويبهر الظهيرة : إنه هنا مع الرنين والهواء بين أوراق الشجر، يذيب الأسوار الصغيرة المكسوة بالغار، والقديسة ريتا في ضواحي روما، مع الوردة الصينية التي في السطيحة في إنتري ريوس، مع نكهة الهواء النظيفة ، نكهة الملح أو رمل البحر الأبيض المتوسط ، أما ضوء الواحة ففي ذروته : الأخضر الذي يقتحمنا في شوارع الأندلس شبه الفارغة، بينما الشمس الحارقة  تحتضر عند المغيب عبر النداوة التي تصل في الصيف دائما ً أبعد بقليل من تلك التخوم.
على غرار سيلفيا بلاث
كانت قد تزوجت للتو
عندما زارها سو ويللير في لندن
ورآها « تتسكع في البيت
ووجهها خربٌ إذ اكتسحته الدموع»
مارييلا  فتاة الخامسة عشرة التي أتت
من إنتري ريوس لتعمل لدى العائلة
والتي أنا التقيتها عند التاسعة صباحاً
ويدها في الإسفنجة الطافية
بمادة الس. إي. ف. ومسحوق الغسيل
وهي تنظف الحمام
ووجهها خربٌ إذ إكتسحته الدموع
أنا ذاتي عندما كنت أنزل
درج مدخل المبنى
في شارع مايبو
والتقيت أختي
التي كانت قادمة لزيارتي
فرأتني مجروحة وأنا خارجة
ووجهي الخرب كانت قد اكتسحته الدموع
تتكلم معي على غير هدى
بشيء من الرجفة المتعاطفة
علمتْ فجأة بالموضوع :
الألم النهائي لأننا لم
نولد لذلك.
 إدغاردو زوين
الصياد
أناه داخل
رأس هذا الأيل
المتدلي إلى حائط
الصالة الرئيسية
عيناه
المعتزتان بذاتهما والمتكبرتان
لا تتذكران كل ما عاناه
محنِط الحيوانات
عندما قام بهذا العمل
الخوف، الدماء، والروث
ممزوجة بأدرينالين العيار الناري
لا شك في أنهم رأووا حلما ما
إلى ميغيل سانتشيث،
شاعر وماراتونيّ مختف
تخيلوا فتى، شابا 
بين العشرين والخامسة والعشرين
من العمر،  ليس أكثر،
شبيه بأي فتى من بين كل أولئك
الأبناء، الاخوة، الأصدقاء، الرفاق،
ممن كل واحد فيكم
يحمل في ذاكرته
أو يتبعه بنظره
أو يعرف أين هو
تخيلوا أنه يمشي
من هنا إلى هناك
وهو يحقق أشياءه،
وهو يعمل، يدرس،
يمارس الرياضة ،
وهو يحمل في عينيه سرا ً،
سرا ً رائعا ً على وشك أن يبين
تخيلوا أنه يفكر، يناقش،
يساعد المعوزين،
ويحلم بأن العالم يمكنه
أن يتغيّر
شبيه بأي فتى
من بين كل أولئك
الأبناء، الاخوة، الأصدقاء، الرفاق،
ممن كل واحد فيكم
يحمل في ذاكرته
أو يتبعه بنظره
أو يعرف أين هو.
 الساعة
أنا الساعة الآلية،
باقة باردة حيث يتخثر الوقت
( الكمامة العلمانية للأحلام المقدسة،
طريقة انتظار خجولة وبسيطة)
أحذرُ من أن أقلي في مقلاتي
خفقان قلبي
سيوفا ً جميلة ومتطفلين أقزام. 
أنا الطاحون الذي يعمل
من أجل الأشياء الضائعة.
الصدر في مواجهة الوتد.
 لاورا  ياسان
منطو  داخل ذاته
كلعبة المكعبات اللانهائية
دمية روسية ستحتفظ في جوفها
قطعة زهرة فرّخت في صدع ما
أفتح خندقا في الصمت
وهي الكلمة التي لا أقول
قرميدة الغضب على وجه الخوف
وفي يوم الإثنين يقطع بلسانه
سقف حلقه
ما يتبقى هو بالكاد ذرة وقت
بحيرةٌ هادئة تضاعف صورة الحاضر
ليطويها داخل ذاتها لتتحمل الحياة
داخل الحياة
قلبي الخافق في رسالته العكرة
ها يمكن أن نموت لفرط الكثافة
داخل قفص الجسد ؟
هل يمكن أن يلمع عند ذاك الغروب
الخطأ كقمر مريض
أن يعيدني نظيفة من نقطة الصفر ؟
قد يمكنني أن أتحمل هذه الهشاشة
لو تمكنت من الاحتفاظ بنصاعة
عينيّ  لدى عودتي
لو تمكنت من الفوز
بالجزء الآخر من النهار
ومِن أن أستحق السرّ.
 جينيالوجيا
بنات العالم الجديد
بيضاوات كأضواء الشوبينغ
شاحبات كأرغفة خبز ماك دونالد
الدموع النهائية شفافة في البست سيللير
الأمهات اليتيمات، أمهات بنات العالم الجديد
ذهبنا قاتمات نحن سكان الفندق
كان لنا طرق سوداء في النظر
كنا نريد الحياة في رموز غريبة
أفلام  بيرغمان
الوالدات الباردات جنسياً، والدات الأمهات اليتيمات
أمهات بنات العالم الجديد
كن يُردْن حكاية تظهر على التشانيل
وأن يتزوجن عذراوات من رجال هم  نسخة مطابقة لكاري غرانت
أن يكون لديهن دمى شقراوات ذات الوجنات الزهرية
أن يعلكن التشيكلتس وهن يقرأن مجلة موخرسيتاس
البنات اليتيمات، بنات الأمهات الباردات جنسياً، أمهات العالم القديم
كنا نريد استدارات ماريلين اللينة
والمظهر اللاتيني لعشيقة التشي
لكن هن
حفيدات الانهيار
بنات إمبراطورية العالم الجديد
فقط يرغبن في أن يكن
نحيفات كسنبلة
خفيفات كجناح فراشة
يحلمن ما إن يستيقظن
بأصابع كل يوم أطول من يوم
ليغرزنها حتى قعر حنجرتهن
فيتقيأن لا إراديا
ما تبقى من القرن.  
 باربرا بيللوك
أغنية الروح السوداء
أتت روحي السوداء
روحي السوداء نزلت إليّ
أتت روحي السوداء
لتزورني
كالقطيع اضطرب جسدي
بأكمله/ كموجة
فوق المرج/ صدىً
او الأثرَ الذي يتركه جسدٌ حيٌ
عند مغادرته دون أن ينظر إلى الوراء
فوق الرمل/ الأحمر
كالبيضة التي تكسر بيتها/ صخرتها
كقطيع ٍ في المرج المغناطيسي
في كل خزنة فضيلة ٌ إضافية، كل فضيلة على حدة، أو خطأ
في كل رنة جرس
القطيع العطش الذي كأنه جسدي/ التائه
المروحة مفتوحة/ والكورس : في حقل الورع
هكذا كان
هكذا حقلُ الصلصال
عند نور صفارة الإنذار/ القمر
حقلٌ من العظام/ مِلاحة من دون بحر
مَلا ّحة حمراء/ بملح ٍ أبيض من دون ملح ٍ
اليد مفتوحة/ الكف من حجر ٍ أبيض
هكذا :
ببلادة أتت إليّ روحي السوداء
لأنها لا تعرف طريقا ً آخر
نجمة صغيرة أقسمتَ لي بها
نجمة ستروبوسكوبية صغيرة 
وحمقاء تدورين فتدوّخيني،
نور سيء ، سيئة، ما بكِ تنظرين إليّ ؟
روحي السوداء عرّفت عن نفسها وقالت :
مرعىً وسخٌ  هذا الذي في الخارج
الربيع الوسخ قد يعطيني إياه بمثابة بيتٍ
بل أفضَل من هذا، المغارةُ مكان للنوم
الاستيقاظ/ النوم/ الاستيقاظ/ النوم
لكني أوقظك أنتِ ايتها الروح النائمة
 أيها الوعي،
هذا لو وجد الوعي، لكن مقابل ماذا ؟/
 تطن الذبابات
عبر قطعان الماشية/
تلعق جوانحها
وهي تطن في صفوف نصف دائرية،
معلقة  بالمسمار
على شكل صفّ جيش/ المشهد
الاجتماعي اللامرئي : حمّالو الجيف
في هجومهم نحو الحيوان
الحي، الميت/ مقابل ماذا ؟
أنا كنت ممددة كزورق في البحر
فارغة كالصفر/ جسورة
في ضماداتي : كنت أفعى
 المامبا السوداء
محفوظة في سمّها
الذاتي بأعجوبة
حالة طبية ميؤوس
منها أصلا
زهرة مصح
الجذام.
 دولوريس إيسبيخا
 لو ذهبت
لكن لو ذهبتَ أشتري
سكينا ً كسكاكين الريف. أثير الضجة
بكعوب أحذيتي وبالنقود المعدنية.
أعطيها لأي كان
وآخذ بعضا منها.
من ثم أفكر ما إذا كنت سأستعملها.
ثمة مطرٌ وكأنه مطرُ
تموز. من ثم أفكر ما إذا سأضيّعه أم لا.
عندما غادرنا المكان
أنت كنت فتيا
وأنا كنت أبدو هانئة أثناء نومي.
فتحتُ بابا ً، وكنت أحمل قطعا محطمة.
القطع الطرية نفختها حتى
جعلتها زجاجا .
أما القطع الأخرى فكنت أريد أن اسأل عنها.
كان ثمة اللحم الهائل
بين العشب الذي أصبح مرة
بعد مرة أكثر هزالا .
وقد احتفظ في  ذهنه حتى
رنة الصراخ المطابقة.
مرعوبون وعارون.
هي بللت يديها، بقيت
جافة. مسكينة تلك العيون المهينة
فكان بإمكانها أن تقول.
لم تُسمَع حتى أي موسيقى إطلاقا.
كان ثمة
من أرادوا تذكر بعض الوفاق
المتأرجح، لكنهم كانوا يكذبون
بطيبة ويعرقون.
قال بهشاشة
شيئين متداخلين وغامضين
مما كان قد جلبه
بعثر أرضا  الخشب
كان يطقطق
قال أسكن في
الزمن الراهن
والبيت أصبح أشبه
بصحراء بيضاء.
عندما التقينا (كان الجوّ حارا ً)
قلتُ أشياء عدة، لست أعرف إن كانت
قد مرت كليا ً. منذ مدة طويلة
نحن نمشي هكذا. مستقيمين. ندوس
 ظلّ بعضنا بعضا ً.
انت تتثاءب كثيرا ً. عبر ثنية
تنورتي تطلّ  كل زمنين
ركبة  مجلوفة.
 كارلوس خواريث ألداثابال
تصوّرٌ أبوي
(1)
يا أبت 
أنت الذي في مكان ما
في دمي المضمد،
قدّس كرياتي البيضاء،
تعال إلى شراييني، إلى قرحتي،
إجعلْ إرادتي تنساك
وسدّدْ  ديوني، مخاوفي، خطاياي.
بالكلمات
لا تنجّني من الشرّ
إلا إذا كان هذا ممكنا .
(2)
«سترث الأرض»، قلتَ لي،
وأرسلت لي رفشا
لكي أحفر قبرا .
«سترث الأرض» ،
وتركت لي الجوّ
مصبوغا  بوشم  أسود
خارقا الرزنامة،
خارقا ولادة عظام فخذي
وبداية موتك النتنة.
«سوف تنسى الأرض» ،
 أعلنتَ يومها،
ومسمرتَ قصيدة معلقة
أعلى ظهري المهروس،
مُقطِعا الخرافات المتعاظمة
ولاغيا مفعول غياب
الأرض الموروثة.
(3)
النحاس الذي يبصقك
في الخشب الملمّع
ينظر إليّ ساخرا ً من عند خلية أعصابي،
منذ الذكرى المخترَعة،
منذ التلفزيون،
منذ طفولتي الضحية
التي قدِمتْ ضحية في حجر الماس،
متفحّمة فوق العشب،
فوق التربة،
فوق النحاس الذي يبصقك
في الخشب الملمّع،
الذي يبصقني، ساخرا،
كأن شيئا لم يكن.
 فلورينسيا أبّاتيه
(1)
قلبي المتألم الذي لم أعرف
من أي هشاشة كان مصنوعا
صيفٌ من الأضواء التي لا تزال
تبرق، خلال هذا الشتاء
في خضم حركات جسدي المتأرجحة
بين قرار أن آخذ بعض المفاتيح
وأضيّعها
أو أن آخذ وأضيّع الحياة على الطريق. 
(2)
تصبح المرآة أكثر شحوبا
لو أطلتُ الانتظار:
الكأس، ظلُ الكأس...
كم من الاهتزاز يتحمل الجسدُ ؟
إنه ذابلٌ لكنه لا يعلن انكساره، يعدو
على إيقاع هو يعرفه،
وكأنه يكمل عمرَ عاداتنا
الخوفُ همسٌ يتنقل
بين نغمات عتيقة.
(3)
آثارٌ مدفونة، سيد برادلي
كم كانت كاملة الكذبة...
لم يكن لي لحظة واحدة من الراحة
أما اسمك ؟
ثلجٌ - كوارث - نائم
لا أعرف أحلاما من هذا النوع
في المجرات الصغيرة جدا ً والمجروحة
تلك الأشياء القليلة التي عاشت...
عطرٌ متفجرٌ
هل تشير حضرتك إلى الحب ؟
(4)
أود أن أرسل لك بضعة أسطر
تتمتع ببلاغة الإناء الخزفي الصيني،
أو أن أرسم
رموزا عن أجمل الأوقات
وقتا  وقتا ...
خيط القمر المتعالي
الذي لم يكن يفهم،
رياحُ الأسفار
غير المتوقعة
وعندما ينثني الوقت نحو الداخل
التجسيد، الإنبعاث،
التقمص...
تأخرتُ كثيرا في ترجمة
 تلك الجملة
التي كنت دائما أقرأها بنبرتك أنت ؛
يبدو المحيط غير
ملائم للإبحار
وقلبنا، بالكاد هو
بحجم قبضة يد مغلقة،
«ممددان نحن
سماءان في الماء
والكلمة هي غيابنا الوحيد».

ترجمة وتقديم : صبـــاح زويــــن
كاتبة وشاعرة من لبنان