الخميس، 26 أغسطس 2010

عرض لكتاب "رحلة في جماليات رواية أمريكا اللاتينية"

صدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق، 2007 تأليف د. ماجدة حمود
 يجول هذا الكتاب عبر جماليات روايات من أمريكا اللاتينية، التي احتلت مكانا هاما في الساحة الثقافية العالمية، خاصة أن الباحث يحس بوشائج قربى مع هذا الأدب الذي يشاركنا في كثير من الهموم السياسية والاجتماعية والاقتصادية (التخلف، الاستبداد، الهيمنة الغربية...) ومع ذلك استطاع إبداع أدب أدهش العالم وما يزال! لهذا ليس غريبا أن يحصد أدباؤها كما كبيرا من الجوائز العالمية، قد منحت جائزة (نوبل) لشعراء (غابرييلا 1945، بابلو نيرودا 1971، أوكتافيو باث، 1990...) كما منحت لروائيين (ميغل أنخل أستورياس 1967، غابرييل غارثيا ماركيز 1982...) وقد رشح لهذه الجائزة أيضا كل (ماريو فارغاس يوسا) و (إيزابيل الليندي)
بالإضافة إلى ذلك منحت جائزة ثرفانتس لعدد كبير منهم (كارنتيير 1977، بورخس 1979، أونيتي 1980، باث 1981، ساباتو 1984، فونتيس 1987، بوي كساريس 1990...) تحاول هذه الدراسة أن تجيب على التساؤل التالي: لِمَ تفوق هذا الأدب الذي ينتمي مثلنا إلى العالم الثالث، ووصل إلى العالمية رغم تخلف بلدانه؟
وقد اخترت تركيز الأضواء على جنس الرواية في أمريكا اللاتينية لكونه أقرب الفنون إلى نفسي، بالإضافة لكونه أكثر الأجناس الأدبية انتشارا، خاصة بعد أن امتلكت هذه الرواية سمات تكاد تكون خاصة بها، ولا ننسى سهولة ترجمتها مقارنة بلغة الشعر ، بالإضافة إلى ذلك كله ثمة رغبة كامنة في الأعماق تحاول الخروج من شرنقة المركزية الغربية، فقد عشنا زمنا طويلا لا نقرأ سوى الأدب الغربي!!
ومما زاد حماستي أكثر لهذه الرحلة أنني لاحظت تقصير النقد العربي في دراسة أدب أمريكا اللاتينية، كما هو مقصر في دراسة الأدب الذي يشاركه الانتماء الجغرافي والديني (الأدب التركي، الفارسي، الهندي...)
 لا تستطيع دراسة واحدة أن تفي رواية أمريكا اللاتينية حقها، فالإنجاز الإبداعي ضخم، لهذا سأختار  نماذج للدراسة، تلفت النظر إلى جماليات هذه الرواية، وقد تفتح الباب أمام الباحثين للاستمرار في تناول هذا الإبداع المدهش! لعلنا نزيد متعة التلقي والإفادة لدى كل من القارئ العربي والمبدع أيضا!
ستحاول هذه الدراسة أن تسلط الضوء على روايات تنتمي إلى بلدان شتى في أمريكا اللاتينية: رواية "بيدرو بارامو" لخوان رولفو (المكسيك) و"مئة عام من العزلة" لغابريل غارسيا ماركيز (كولومبيا) "حفلة التيس" لماريو فارغاس يوسا (البيرو) و"السيميائي" لباولو كويلهو (البرازيل) و"مدينة الوحوش" لإيزابيل اللينيدي (التشيلي).
من خلال هذا الكتاب نلاحظ أن رواية أمريكا اللاتينية حلّقت بنا في عوالم مدهشة ، لهذا كانت رحلة ممتعة، رغم أننا رافقنا عددا قليلا من الروائيين، لكنهم استطاعوا أن ينطلقوا بنا في فضاء روائي متنوع، مما أتاح لنا فرصة أن نقوم بعدة جولات، نظرا لأن كل روائي من الروائيين الخمسة يشكل عالما متفردا في ذاته، بفضل امتلاك كل منهم صوته الخاص، حتى إننا لاحظنا أن الروائي الأمريكي اللاتيني قدّم مع كل رواية جديدة يبدعها إنجازا فنيا مدهشا!
وقد لاحظنا أن المؤسس للحداثة الروائية (خوان رولفو) اكتفى برواية واحدة حين وجد نفسه لن يستطيع تقديم رواية أفضل من "بيدرو بارامو"! ومع ذلك تركت بصمتها على الإبداع في أمريكا اللاتينية وربما في أماكن غيرها! لذلك لم يسقط الروائي الأمريكي اللاتيني في فخ تكرار الذات، على الصعيد الفني، الذي سقط فيه بعض الروائيين العرب!
من المؤكد أن جميع الروائيين الذين درسناهم اشتركوا في الفهم العميق لنظرية الرواية، بل وجدنا بينهم من يدرّسها في الجامعة (يوسا) كما مارس أغلبهم فعاليات تزيدهم اقترابا من الواقع ومن الفن (الصحافة والكتابة للسينما) كما مارسوا جميعا النقد الذاتي الذي أسهم في تطور إنتاجهم الإبداعي بفضل تطوير رؤيتهم للحياة وثقافتهم.
وهكذا استطاع كل روائي أن يضع بصمته الخاصة على إبداعه، رغم أنه يشارك المبدعين الآخرين  في همومهم وطموحاتهم، من هنا بدت لنا صورة الطاغية لدى ماركيز تختلف عن صورة الطاغية لدى (يوسا) فـ(أوريليانو) في "مئة عام من العزلة" يعاني صراعا بين ميوله الشعرية والحياة العسكرية، في حين وجدنا الطاغية (تروخييو) في "حفلة التيس" يعاني صراعا بين إحساسه بألوهيته وبشريته، فهو تارة فوق قانون الزمن وتارة ينقض عليه المرض ليذكره بضعفه البشري!
عاش جميع الروائيين الذين درسناهم أياما مليئة بالندوب والجروح، ومع ذلك لم تهزمهم الحياة، بل تمكنوا من الانتصار عليها بفضل ممارستهم للكتابة الإبداعية!
صحيح أننا عايشنا ملامح من سيرتهم الذاتية، ولكن بعد أن نسجتها يد الخيال المبدع فأغنت فضاء الرواية، حين انطلقت من (الأنا) إلى عوالم رحبة تمس كل إنسان! بفضل حساسية اللغة التي تراوحت بين لغة الأعماق ولغة الحياة اليومية، كما تراوحت بين لغة الأسطورة والحلم والتوثيق التاريخي! بل نستطيع القول بأن الروائي الأمريكي اللاتيني استطاع أن يبني عالمه الروائي بناء محكم العناصر، كي يستطيع جذب المتلقي منذ الكلمة الأولى في الرواية حتى الأخيرة!
إذاً كان الروائي  مشغولا بهم الإبداع وهم جذب المتلقي وبناء وجدانه، حتى إن بعضهم (كويلهو) أهدى روايته "إحدى عشرة دقيقة" إليه! من هنا كان سعي الكثير من الروائيين إلى اقتران الحكمة بالبساطة المبدعة، كي يستطيعوا بناء إنسان يواجه القهر والظلم، وبذلك كانت الكتابة لديهم مسؤولية أخلاقية بقدر ما هي مسؤولية فنية، سعوا من خلال الرواية إلى تزويد المتلقي بقوة روحية تجعله أقوى، فلا تدمره صعوبات الحياة!
وكثيرا ما لاحظنا توحد المتلقي مع الشخصية المرسلة (أورانيا في "حفلة التيس" والشخصية المستقبلة (عمتها) فتسهم لغة الاعتراف في إنقاذ الشخصية من العيش في سجن معاناتها، كما تضمن تفاعل المتلقي إلى درجة يجتمع في داخله الإحساس بالقلق على (أورانيا) والرعب والغثيان من فظائع ارتكبها الطاغية، وتقع ضمن المسكوت عنه! وبذلك تمكن الروائي بفضل إبداعه هذا من تحويل الهم الخاص بالشخصية إلى هم عام يمس كل متلق!!   
استطاعت هذه الرواية أن تدهشنا بقدرتها على مزج الناحية الجمالية بالناحية الإنسانية، وقد ظهر ذلك واضحا في أبرز  سمة فنية عرفت بها رواية أمريكا اللاتينية (الغرائبية) التي قد يظن البعض أنها أبعد ما تكون عن الإنسان وأقرب ما تكون إلى السحر والوهم والخرافة!
لقد ترك كل مبدع بصمته الخاصة في التعامل مع هذه السمة، فإذا كانت غرائبية (خوان رولفو في "بيدرو بارامو") تتعلق بعلاقة الإنسان مع ماضيه، وما يثقله من إحساس بالذنب بسبب فظائع ارتكبها أجداده في حق الهنود الحمر، سيرافقه هذا الإحساس إلى القبر وينغّص موته كما نغّص حياته! في حين بدت غرائبية (إيزابيل الليندي في "مدينة الوحوش") معنية بمستقبل من تبقى من الهنود الحمر، محملة الأجيال القادمة (أليكس الذي يتماهى مع الجغوار كي يستطيع حمايتهم بقوته، ونادية التي تتماهى مع النسر كي تجلب الأحجار الثمينة من قمة الجبل كي توظّف هذا الكنـز من أجل حمايتهم)!
من هنا نلاحظ أن الغرائبية في رواية أمريكا اللاتينية غامرت في الولوج إلى عوالم مجهولة أشبه بالسحر، لكن روعتها تكمن في كونها لم تهرب إلى عالم (الفانتازيا) وتحلق بعيدا عن هموم الإنسان وقضاياه!
كل هذا يجعلنا نستنتج بأن أدباء أمريكا اللاتينية كانوا أصحاب مشاريع ثقافية نهضوية، حاولوا مخاطبة واقعهم، دون أن يتخلوا عن الاستفادة من الإنجاز الأوروبي، لهذا كرسوا أدبهم كما كرسوا حياتهم ليزدادوا التصاقا بشعوبهم، ويعبروا عن هويتهم المتنوعة (الأوروبية، الأفريقية، الهندية) وبذلك استطاعوا تقديم أدب ينطق بخصوصيتهم!
وهكذا أسهم الانفتاح الثقافي الذي كان رديفا للانفتاح الإنساني في جعل قراءة رواية أمريكا اللاتينية رحلة متعة في عوالم الدهشة والجمال والعمق، فغذّت الروح والعقل والمخيلة!


فهرس كتاب "رحلة في جماليات رواية أمريكا اللاتينية"

-تمهيد: إشكالات أدب أمريكا اللاتينية                                                      

-المقدمة: تعريف بالمصطلح وتطور الرواية في أمريكا اللاتينية                                          
-خوان رولفو:                                          
جماليات رواية "بيدرو بارامو"                           
-ماركيز:                                                 
جماليات رواية "مئة عام من العزلة"                     
-ماريو فارغاس يوسا:                                    
جماليات رواية "حفلة التيس"                            
-إيزابيل الليندي:                                         
  جماليات رواية "مدينة الوحوش"                       
-باولو كويلهو:                                          
"جماليات رواية ساحر الصحراء "السيميائي"           
-خاتمة   

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الثلاثاء، 24 أغسطس 2010

قصة للكاتب البرازيلي باولو كويلهو

 
 كان الأب يحاول أن يقرأ الجريدة ولكن لم يتوقف ابنه الصغير عن مضايقته... وحين
 
تعب الأب من ابنه, قام بقطع ورقة في الصحيفة كانت تحوي على خريطة العالم 
 
ومزقها 
 
إلى أجزاء صغيرة وقدمها إلى ابنه قائلا: انظر ..إليك شيئا يمكنك فعله. أعطيتك خريطة
 
للعالم فأرني أتستطيع إعادة تكوينها كما كانت من قبل ..

ثم عاد لقراءة صحيفته وهو يعلم أن ما فعله من شأنه أن يُبقي الطفل مشغولا بقية اليوم.

إلا انه لم تكد تمر سوى خمس عشرة دقيقة حتى كان الطفل قد عاد إليه وقد أعاد ترتيب
 
الخريطة.. فتساءل الأب مذهولا: هل كانت أمك تعلمك الجغرافيا؟

رد الطفل قائلا: لا أعرف هذا الذي تقول

كانت هناك صورة لإنسان على الوجه الآخر من الورقة

وعندما أعدت بناء الإنسان .أعدت بناء العالم أيضا ..


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عن موقع أكاديمية القصة القصيرة جدا

الأحد، 22 أغسطس 2010

الكنز والخرافة

القصة للكاتب البيروفي : بالما ريكاردو 
ترجمة: توفيق البوركي 
مع بداية القرن الحالي، كان قس لوكومبا (1) هو الدكتور المحترم غالدو، الذي اُستدعي يوما لسماع اعترافات أحد المحتضرين، كان هذا أحد الهنود المعمرين، إذ جاوز المائة سنة، والمعروف باسم ماريانو شوكوماني.
بعد أن تلقى آخر أسرار الكنيسة، قال للقس: أيها الأب المبجل، سأئتمنك على سر، إذ لا ولد لي استودعه إياه. أنا انتسب إلى تيتو أتاوتشي، عمدة موكغوا (2) أيام حكم أتاوالبا(3). عندما قدم الأسبان وقبضوا على الإنكي، الذي أرسل مبعوثا إلى تيتو أتاوتشي آمرا إياه بجمع الذهب لتسديد الفدية. فجمع العمدة النبيل كميات كبيرة من قطع الذهب، وفي الوقت الذي أعد فيه الكنز للتوجه إلى كاخاماركا(4) توصل بنبأ موت أتاوالبا جراء التعذيب.

أخفى تيتو أتاوتشي الذهب في مغارة توجد في أعالي لوكومبا ونام فوق المعدن النفيس ثم انتحر. قبره مغطى برمال دقيقة إلى ما شاء من العلو. فوقه يوجد حاجز من شجر البكاي وأعلاه كميات كبيرة من حصائر القصب وأحجار وتراب وحصاة. بين القصب توجد سلة من ثمار الصفصاف وهيكل ببغاء.
هذا السر تلقيته من أبي الذي تلقاه بدوره عن جدي، أنا، أيها الأب المبجل، ائتمنك على هذا السر، حتى إذا دُمرت كنيسة لوكومبا، اخرج الذهب واصرفه في بناء معبد جديد.
مرت الأعوام وتداول غالدو السر مع خليفته.

في الثامن عشر من أيلول من العام 1833، ضرب زلزال كنيسة لوكومبا، فاعتقد القس الجديد كويتو أن الفرصة قد حانت لاستخراج الكنز، لكن عليه أن يناضل ضد ثبات الهنود، الذين يرون في مثل هذا العمل تدنيسا شنيعا. ومع ذلك اشترك بعض وجهاء الجيران وبادروا إلى العمل، حيث استطاعوا اكتشاف شجر البكاي(5) وحصائر القصب والببغاء.  و عند العثور على هيكل الطائر، تمرد الهنود، مجاهرين بقتل البيض الذي تجاسروا على تدنيس قبر العمدة. لم يجدوا طريقة لتهدئتهم فتنازل الجيران عن رهانهم.

في العام 1868 كان في لوكومبا جيل جديد، لكن ليس لهذا السبب خمدت الخرافة بين الهنود.
العقيد دون ماريانو بيو كورنخو، بعد أن كان وزيرا للحرب والبحرية في ليما، انتهى به المطاف إلى الاستقرار بإحدى عقاراته بوادي لوكومبا، و تزعم شركة جديدة لاستخراج الكنز الدفين. عمل بجد ومثابرة، مستخرجا الأحجار والعصي والحصائر وفي النهاية وصل إلى اكتشاف سلة الصفصاف.
يوم أو يومان إضافيان من العمل، والكل معتقدا أشد الاعتقاد بالعثور على الكنز الثمين إلى جانب جثة العمدة. استخرجت السلة، نظر إلى أنها تحتوي جثة حيوان الالبكة(6).
أطلق الهنود صرخة مهولة ورموا الفؤوس والمعاول وانطلقوا يعدون مرهوبين. هناك اعتقاد سائد بينهم بأنه لن تبقى طوبة في منازلهم إذا مست يد بشر مدنسة جثة العمدة. التوسلات والتهديدات والعطايا وقفت عاجزة للتغلب على صلابة الهنود لأيام عديدة. في النهاية حدث أن قام أحد الشركاء باستعمال مورد يقاومه الهنود بصعوبة: العرق.
ما أن يسكروا، حتى يعودوا إلى حمل الأدوات.

بعد ان أُزيلت جميع العوائق ظهرت جثة عمدة لوكومبا.
- انتصرنا؟ صاح المهتمون. لم يتبق إلا تعميق الحفر لبوصات إضافية لكي نرى مُلاٌك قطع الذهب الغالية.
وثب رئيس الخدم فوق الهيكل مريدا بذلك فصله.
في نفس اللحظة، أجبر دوي مشؤوم تحت الأرض الكل إلى الهرب مذعورين. انهارت بيوت لوكومبا وانفتحت تصدعات في الأرض يتدفق منها فوران المياه الآسنة. لم يتحمل الناس الوقوف، والحيوانات تجري مذعورة وتنزلق في الوهاد، في حين غطى انهيار قبر العمدة.
تحقق الاعتقاد الخرافي للهنود:ما أن تُلمس الجثة، حتى يحدث الدمار والخراب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش:
1- لوكومبا : واد يقع في البيرو.
2- موكغوا : مقاطعة ساحلية جنوب البيرو تبلغ مساحتها حوالي 15734 كلم مربع.
3- أتاوالبا : 1500-1533 آخر ملوك إمبراطورية الانكا 1525-1533 واجه الأسبان أثناء غزوهم للإمبراطورية، فتم القبض عليه وإرغامه على دفع فدية مقابل إطلاق سراحه. لكن تواطئه ضد القائد الإسباني فرانسيسكو بيزارو عجل بقتله.
4- كاخاماركا: مدينة بيروفية تقع على نهر يحمل نفس الاسم
5- بكاي : شجرة تنتشر في مناطق أمريكا الجنوبية تنتمي إلى فصيلة المميوزا.
6-  الالبكة:حيوان من فصيلة الثدييات المجترة، أصله سلسلة جبال الأنديز بأمريكا الجنوبية وبالضبط في الإكوادور، الشيلي شمالا، الشمال الشرقي للأرجنتين، جنوب البيرو، وغرب بوليفيا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 مصدر النص:
Palma, Ricardo. Tradiciones peruanas (Tomo II). Barcelona: Montaner y Simón, 1894

نشرت هذه الترجمة لأول مرة على موقع مجلة أفق الثقافية 
الخميس 11 أغسطس 2005

الخميس، 19 أغسطس 2010

الحب والجنون: حكاية شعبية


 المؤلف : مجهول
الترجمة عن الإسبانية: عبد الله توتي*

 في بداية الزمن، حيث لا شيء بعد يوجد. عندما لم يبدأ الوقت بعد، لأنه لا أحد بعد اخترع شيئا ليعمل بحسابه. حيث الإنسان لم يخلق بعد. في نصف الكون تجتمع الفضائل والرذائل لتغزوا لاحقا - وفي وقت متأخر - البشرية بكميات متفاوتة.
تقضي الفضائل والرذائل كل يومها تتناقش وتتشاجر، محرضة فوق كل ذلك من طرف الغيض والنزاع. تتناقش حول من سيسكن جسم الإنسان، أهي الفضائل أم الرذائل؛ لكنها لم تتفق، إذ ذهب البعض مع هيمنة الفضائل في الإنسان في حين ذهب البعض الآخر مع هيمنة الرذائل.

وبما أنها لم تتفق، فقد أتت الجنون المجنون فكرة بدت له ذكية. وهو يقفز وسط الجمع قال:
ـ أنا لدي فكرة، فكرة لفك النزاع.
بقي الكل ينتظر، بينما يركض الجنون دون مناسبة، وهو يقفز من كل جانب قال:
ـ فكرة عبقرية، دون شك لن تفشل. أجل، أجل، أجل.
وفي هذا الصدد فكر الهم المهموم في الواقع:
ـ ترى ما هي تلك الفكرة الجيدة التي امتلكها هذا الجنون؟.
واستمر الجنون في الوثب والقول:
ـ أملكه.! أملكه !

تمكن الهم أخيرا من السؤال و هو يزداد حماسا، مدفوعا من طرف الفضول:
ـ إسمع، وما هي هذه الفكرة الجيدة جدا؟.
قفز الجنون مرة بعد أخرى ثم قال:
ـ سهلة جدا، سهلة جدا، سهلة جدا. يتعلق الأمر بلعبة.
بما أن الجنون استمر في القفز ولم يبدو منه أنه سيضيف شيئا، سأله الهم:
ـ وما هي هده اللعبة؟.
ـ قال الجنون: سهلة جدا، لعبة عبقرية ومسلية. إنها لعبة الإختباء.
أجل كذلك بقي الهم متحمسا؛ وبما أنه لم يسطع تحمل حماسه قال:
ـ وأي شيطان من اللعب تلك؟.
ـ قال الجنون وهو يدور حول الهم: سهلة جدا، سهلة جدا، سهلة جدا. يقوم أحد منا بالعد من واحد إلى مائة، مع إغماض العينين ووضع الرأس على جدع كبير. بينما يركض الآخرون للاختباء أينما استطاعوا. ثم يذهب الذي يعد للبحث عنهم؛ فإذا كان آخر من وجد فضيلة، تكون اذن الفضائل هي التي ستسكن الإنسان بالأغلبية، وإذا كان آخر من وجد رذيلة تسكن الرذائل اذن الإنسان بالأغلبية.
تدخل واحد وقال:
ـ وإذا كان آخر من وجد زوج من فضيلة ورذيلة؟.
فكرالجنون قليلا ثم أجاب:
ـ بسيط جدا. تكون القسمة بالتساوي.
فكر الذكاء الذي اعتبر نفسه إلى ذلك الحين الأكثر ذكاءً:
ـ عجبا لهذا الأبله. ما الذي حدث لهذا الجنون. لماذا لم يحدث لي أنا؟.
إذ ذاك تساءل الهم:
ـ ومن الذي سيعد؟.
قال الحنان:
ـ تحرك يا جنون، لقد حدث لك أن أتيت بفكرة جيدة، أليس من الأفضل أن تكون أنت الحاسب؟.
ـ موافق، موافق، موافق. قال الجنون.
وذهب إلى جذع شجرة لبدء الحساب:
ـ سبعة وعشرون، إثنان وأربعون، أربعة عشر، ستون...
ركضت كل الفضائل والرذائل للاختباء.
أمسكت العدالة بيد الحقيقة، لأن الحقيقة دائما ترافق العدالة، وذهبا إلى أن وصلا نهرا يمر من هناك عن قرب. كان نهرا ذا مياه زجاجية صافية، فقالت العدالة:
ـ سنختبئ هنا، لكي يقولوا فيما بعد إن العدالة غير واضحة.
واختبأت العدالة في جوف النهر مع الحقيقة.
أمسك الحلم بيد الحنان وبقفزات صغيرة ذهبا للإختباء وراء سحابة وردية. وهناك بدءا برسم السحاب بصبغة بنفسجية، حمراء، ووردية وزرقاء. ولهذا السبب تمتلئ سماء الأمسية بالسحاب المختلف الألوان.
أمسك الشبق بيد العاطفة وصعدا معا جبلا للإختباء به؛ لكن وبمرة، بدأت الحرارة بالصعود والصخور تحمى وتغرق إلى أن ولّدت العاطفة والشبق بركانا في ذلك الجبل.
الكسل لم يتحرك من مكانه. بسبب النوم الذي يراوده، لم يكلف نفسه عناء الإختباء؛ فاختبأ وراء مصطبة هناك غير بعيد.
وهكذا اختبئوا كلهم باستثناء اثنين.
ـ ثلاثة وثلاثون، ثمانية وخمسون، سبعة...
الحسد كعادته يريد أن يعرف أين اختبأ الآخرون فبقي هناك في الوسط.
ـ سبعة وسبعون، ستة وثمانون، واحد وخمسون...
الحب هو الآخر لم يختبأ، لأنه متردد ولا يعرف أين سيختبأ.
يقترب الجنون من نهاية العد:
ـ ثمانية وتسعون...
لم يعرف الحب ولا الحسد أين سيختبآن. رأى الحسد شجرة صنوبر فصعد إلى قمتها.
ـ تسعة وتسعون...
في آخر لحظة رمى الحب بنفسه في نبات ورد أحمر لم يختبأ به أحد لكونه مملوءًا بالأشواك.
ـ و مائة!.
دار الجنون وبدأ في البحث عن رفاقه.
ـ علامة للإخلاص!. الإخلاص لإخلاصه لم يكن قد تحرك من جانب الجنون.
علامة للأمل!. عن قرب اختبأ الأمل ظنا منه أنه لن يجدوه.
ـ علامة للجهل!. الجهل لضلاله خرج للسؤال:
ـ ماذا نلعب؟.
ـ علامة للشراهة التي تأكل الحلوى!.
ـ علامة للتكبر!.
خرج التكبر غاضبا وقال:
ـ لقد اختبأت جيدا. هنا وجدتني من المتأخرين أليس كذلك؟، جيد، لقد اختبأت جيدا!.
ـ علامة للتواضع!.
اقترب التواضع من الجنون وقال له:
ـ الحقيقة انك وجدتني خيرا كثيرا.
ـ علامة للكسل!.
استمر الكسل في نومه الحلو رغم ما يقوم به الجنون من و ثب وقفز.
وصل الجنون إلى النهر ذا المياه الزجاجية، نظر في جوفه فرأى الحقيقة والعدالة ثم صاح:
ـ الحقيقة والعدالة هناك في الأسفل!.
بعد أن رأت العدالة أن أمرهما قد كشف، خوّضت قاع الوادي وعكرت المياه حتى لا يتمكنوا من رؤيتها مجددا ثم قالت للحقيقة:
ـ ابقي أنت هنا، أنا سأذهب واقنع الجنون بعدم رؤيتك.
عملت الحقيقة بكلامها وبقيت هناك في الأسفل، بينما خرجت العدالة تجري وراء الجنون، تجري وتجري إلى أن اقتربت منه فتعثرت بصخرة ووقعت فأصيبت في كعبها، بالرغم من ذلك وقفت واستمرت في ركضها تعرج، لكن الجنون كان قد وصل عندما وصلت إليه.
ولهذا تعرج العدالة، لكنها تصل دائما. ومنذ ذلك الحين لم تُرى الحقيقة في أي مكان.
ركز الجنون على الجبل الذي تحول إلى بركان والذي اختبأت فيه العاطفة مع الشبق.
ـ يا للفظاعة!. قال الجنون وذهب لتحري الأمر.
وهكذا صعد الجنون إلى منحدر البركان وأطل من خلال الفوهة؛ وهناك في الأسفل، في رف صخرة تكشف العاطفة والشبق كل دلالاتهما. خجل الجنون منهما وقال وهو ينظر إلى جانب آخر:
ـ علامة للعاطفة والشبق، هناك في الأسفل يقومان بأشياء قبيحة!. ثم ذهب يجري تاركا إياهما غير مباليان، منشغلان بأعمالهما.

بعد ذلك نظر الجنون إلى الأفق ورأى سحابا ملونا في شكل تنينات وفيلة وأميرات وعفاريت وقصور ثم فكر:
ـ هذه الأشياء تشبه أشياء الحلم، إذا كان الحلم هناك فإن الحنان لن يبتعد كثيرا.
وبالفعل، صعد الجنون إلى السحاب وهناك رأى الحلم يحكي القصص للحنان، ثم اقترب أكثر فوجد السحاب يأخد أشكال ما يحكيه الحلم.
وبما أنهما مشغولان، لم يرد الجنون ازعاجهما فكتب في سحابة: علامة للحلم والحنان!. ثم ذهب.

اكتشف الجنون الكل باستثناء اثنين: الحسد والحب (وبالرغم مما قالته العدالة، فللجنون فكرة عن مكان وجود الحقيقة. المجانين مجانين لكنهم ليسو حمقاء). لم يعد الجنون يعرف أين سيبحث عن الغائبين فنظر إلى السماء لطلب العون، وهكذا بدا له الحسد على شجرة الصنوبر.
ـ علامة للحسد!.
الحسد، حسود لأنهم لم يجدوا الحب بعد، فهبط من أعلى الشجرة ثم قال:
ـ الحب مختبأ في هذا العوسج.
قلب الجنون العوسج فلم ير بداخله الحب، لأن الحب يصعب إيجاده أحيانا.
ـ ابحث جيدا، إنه هناك. قال الحسد.
أبعد الجنون العوسج بكلتا يديه لكنه لسع:
ـ أي!
الحب أحيانا يؤذي دون قصد.
ـ ابحث جيدا، أنا متأكد من أنه هناك. قال الحسد.
لم يعد الجنون يعرف ماذا يفعل فأخذ مذراة بسنين وبدأ في وخزالعوسج إلى أن سمعت أخيرا صيحة مدوية:
ـ آه ه ه ه!.
خرج الحب من العوسج بمحجرين فارغين، ملطخين بالدماء. الجنون لم يعد يعرف ماذا يفعل، الكل ينظر إليه، أحس بنفسه مذنبا فعاهد الحب مند ذلك الوقت على أن يكون له دليلا.
ولهذا يقول الناس إن الحب أعمى يرافقه الجنون.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*عبد الله توتي: كاتب و صحافي و مترجم من المغرب

- اللوحة بعنوان Self-Fight للفنان التشكيلي البحريني خالد الطهمازي
http://fine-art-painting-gallery.com

عن مجلة أفق الثقافية

الثلاثاء، 17 أغسطس 2010

‬رحالة القرن

قصة أندريس نيومان*
ترجمة أحمد عبد اللطيف

كانت جيبة صوفي جوتليب تهمس في الممر‮. ‬أثار هذا الصوت الحساس بعض الشوق داخل هانس‮. ‬بعد عدة ثوانٍ‮ ‬عبر طيف صوفي من ظلال الممر إلي ضوء الصالة‮. ‬ابنتي،‮ ‬صاح السيد جوتليب،‮ ‬أقدم لك السيد هانس الذي جاء لزيارة المدينة‮. ‬السيد المحترم هير هانس،‮ ‬أقدم لك صوفي،‮ ‬ابنتي‮. ‬حيته صوفي بحاجب مقوّس‮ . ‬غزت هانس حاجة ملحة لمدحها أو للركض من هناك‮. ‬ودون أن يعرف ماذا يقول،‮ ‬نظر إليها بحماقة‮: ‬لم أتخيل أن حضرتك صغيرة هكذا يا آنسة جوتليب‮. ‬يا سيدي المحترم،‮ ‬أجابتْ‮ ‬هي بلا مبالاة،‮ ‬سنتفق أن هذه ميزة لا إرادية‮. ‬شعر هانس بعمق أنه أحمق وعاد ليجلس من جديد‮. ‬
فقد هانس صوته،‮ ‬ضاعت منه عباراته‮. ‬حاول أن يستعيد نفسه‮. ‬أجبره رد صوفي المؤدب والساخر علي تعليق آخر له،‮ ‬أحد هذه التعليقات‮ ‬غير المناسبة التي يطلقها الرجال لجذب مشاعر محدثته سريعاً،‮ ‬علي تغيير استراتيجيته‮. ‬ولحسن الطالع،‮ ‬اقتربت إلسا،‮ ‬خادمة صوفي،‮ ‬لتقديم الشاي‮. ‬افتتح هانس والسيد جوتليب وابنته جولة من الحوارات العامة الصارمة‮. ‬لم تكن صوفي تتدخل كثيراً،‮ ‬لكن هانس بشكل ما كان يشعر أنها تحدد إيقاعه‮. ‬وفضلاً‮ ‬عن رؤيته لسلوكها السابق،‮ ‬أدهشه طريقة حديث صوفي،‮ ‬كيف تختار كل كلماتها،‮ ‬ناطقة جيداً‮ ‬كل العبارات،‮ ‬كما لو أنها تحكيها‮. ‬عند الاستماع إليها،‮ ‬كان يتأرجح من النبرة للمعني ومن المعني للنبرة،‮ ‬محاولاً‮ ‬ألا يفقد اتزانه‮. ‬في بعض المرات حاول أن يعبر بملاحظة تقطع تركيزها،‮ ‬لكن لم يبدُ‮ ‬أنه اقترب من بُعد صوفي الهادئ،‮ ‬التي رغم كل شيء ركزتْ‮ ‬في شعر هانس الطويل وفي كيف يمسح جبهته عندما يتكلم‮. ‬
أثناء تناوله للشاي،‮ ‬هاجم هانس وسواس آخر‮: ‬يد صوفي‮. ‬ليس شكل يديها،‮ ‬الطويلتين بشكل‮ ‬غريب،‮ ‬وإنما طريقة لمسها للأشياء،‮ ‬قبضها عليها،‮ ‬استجوابها بأناملها‮. ‬عند لمسها لأي شيء،‮ ‬الفنجان،‮ ‬جانب المنضدة،‮ ‬طية الفستان،‮ ‬كانت يدها تبدو أنها تقيس حالتها،‮ ‬تقرأ كل شيء تأخذه‮. ‬عندما تتبع شبح يديها السريع،‮ ‬اعتقد هانس أنه يفهم سلوك صوفي بشكل أفضل وظن أن هذا البُعد الظاهر يحمل في طياته ريباً‮ ‬كثيفاً‮ ‬في كل ما تختبره‮. ‬شعر هانس ببعض الانبساط أمام هذا الحدس،‮ ‬وعبر نحو هجوم خفي‮. ‬ولأن السيد جوتليب كان لا يزال مهتماً‮ ‬بكلامه،‮ ‬أدرك هانس أن الطريقة الأكثر فعالية للحديث مع صوفي سيكون عبر الأجوبة الموجهة لأبيها‮. ‬حينئذ توقف عن محاولة جذبها،‮ ‬واهتم بأن يجعلها تلاحظ أنه لا ينظر إليها،‮ ‬وركز في أن يظهر نفسه طبيعياً‮ ‬وتلقائياً‮ ‬جداً‮ ‬قدر المستطاع مع أبيها،‮ ‬الذي كان يهز شاربه في إيماءة موافقة‮. ‬ويبدو أن هذا التغيير في الوضع أتي ثماره،‮ ‬لأن صوفي أعطت إشارة لإلسا لتفتح الستائر كاملة‮. ‬الضوء‮ ‬غيّر الوتر،‮ ‬وشعر هانس أن نور النهار الأخير يمنحه فرصة‮. ‬تحسست صوفي شاردة فنجان شايها‮. ‬شدت إصبعها السبابة من يد الفنجان ووضعته برقة في الطبق‮. ‬أخذت مروحة يد كانت فوق المنضدة‮. ‬وبينما كان‮ ‬يضحك السيد جوتليب،‮ ‬سمع هانس أن مروحة صوفي تنشر الحظ مثلما في ورق الكوتشينة يحدث‮. ‬
‮ ‬كانت المروحة تنشر الهواء،‮ ‬تحدث تك تاكاً‮ ‬كعقرب الساعة‮. ‬تتمايل،‮ ‬وتفرك‮. ‬تتموج ثانية،‮ ‬وتتوقف فجأة‮. ‬كانت تتجول قليلاً‮ ‬ليُري فم صوفي،‮ ‬وتداريه فوراً‮. ‬لم يتأخر هانس في إدراك أن مروحتها كانت تقوم برد فعل أمام كل عبارة من عباراته،‮ ‬رغم أن صوفي تلتزم الآن الصمت‮. ‬وبينما كان يحاول الحفاظ علي تماسك الحوار مع السيد جوتليب،‮ ‬كان المستوي الأعمق من تركيزه يصب في ترجمة إيماءات المروحة بجانب عينه‮. ‬وبينما يطول لف وكسل الزيارة الأولي المميَزة،‮ ‬لم تكن صوفي تتخلي عن رفرفتها المتجهمة‮. ‬بانتهاء الديباجات،‮ ‬أراد السيد جوتليب حمل الحوار إلي أرض وصفتها صوفي داخل نفسها بأنها ذكورية بتفاهة‮:‬‮ ‬إنه تبادل مفاخرات ليس خفياً‮ ‬جداً‮ ‬وبطولات مفترضة بين رجلين مجهولين في بداية صداقة حميمة‮. ‬كانت صوفي تنتظر من هانس،‮ ‬إن كان عبقرياً‮ ‬جداً‮ ‬كما يبدو أنه يعتبر نفسه،‮ ‬أن يتمكن من تغيير مجري هذا الحوار‮ ‬غير المناسب في أسرع وقت ممكن‮. ‬لكن أباها كان متورطاً،‮ ‬وهي كانت تري كيف أن هذا الشاب المدعو لا يجد طريقة لتغيير المسار دون أن يبدو‮ ‬غير مؤدب‮. ‬وضعتْ‮ ‬صوفي المروحة في يدها الأخري‮. ‬منتبهاً،‮ ‬ضاعف هانس مجهوده لكنه لم يحقق سوي إثارة حماس السيد جوتليب معتقداً‮ ‬أن الأمر الذي يناقشانه له أهمية كبري لكليهما‮. ‬شرعت صوفي في طي مروحتها ببطء،‮ ‬وبدا أنها هجرتْ‮ ‬الإنصات،‮ ‬وزاغ‮ ‬بصرها في صورة النافذة‮. ‬أدرك هانس أن الوقت ينفد،‮ ‬وفي مناورة يائسة،‮ ‬مد جسراً‮ ‬بين الموضوع الذي يناقشه السيد جوتليب وموضوع آخر لا علاقة له به‮. ‬فقد السيد جوتليب تركيزه،‮ ‬كما لو سحبوا منه الأرض التي يتزحلق فوقها‮. ‬قفز هانس فوق شكوكه وغطي بالبراهين هذه العلاقة‮ ‬غير المتوقعة لكي يهدأ،‮ ‬ذهاباً‮ ‬وإياباً‮ ‬بين الموضوع القديم والجديد مثل كرة تفقد ارتفاعها،‮ ‬مبتعداً‮ ‬بالتدريج عن الموضوع الأول ليستقر في الموضوع الثاني،‮ ‬الذي لابد أنه يتفق مع اهتمامات صوفي‮. ‬قماشة المروحة توقف طيها،‮ ‬فبقتْ‮ ‬نصف مغلقة،‮ ‬ومال عنق صوفي صوب المنضدة‮. ‬الحوارات التالية كانت مصحوبة بهزات مروحة سعيدة،‮ ‬يعطي احتكاكها الطبيعي‮ ‬إحساساً‮ ‬مريحاً‮ ‬بأنها تسير في الاتجاه الصواب‮. ‬في لحظة نشوة داعب هانس صوفي بخفة مناسبة‮ ‬،‮ ‬مشجعاً‮ ‬إياها أن تتخلي عن دور المتفرج لتنضم للحوار المتحمس بينهما‮. ‬لم تود صوفي أن تمنحه مساحة كبيرة،‮ ‬لكن طرف المروحة هبط عدة سنتيمترات‮. ‬وهبته هذه الانتصارات الجزئية الجراءة‮ ‬،‮ ‬فغامر هانس أكثر وانطلقت من فمه وقاحة،‮ ‬فرسمت المروحة عند إغلاقها في الهواء دائرة سلبية‮. ‬تراجع هانس،‮ ‬صابغاً‮ ‬تعليقه بجراءة مثالية حتي يعطي معني عكسياً‮ ‬تماماً‮ ‬،‮ ‬دون أن تسجل فراسته أي تعكير‮. ‬سندت صوفي طرف المروحة علي شفتيها بريب ما وباهتمام واضح‮. ‬انتظر هانس هذه المرة،‮ ‬أنصت للسيد جوتليب بصبر واختار اللحظة المناسبة ليطلق حكمين صائبين أو ثلاثة أجبرت صوفي علي رفع المروحة بسرعة‮ ‬لتداري خجل المشاركة‮. ‬حينئذ صارت الرفرفة سريعة بتكرار،‮ ‬وعرف هانس أن هذه المروحة تقف في جانبه‮. ‬مستمتعاً‮ ‬ببعض التهور الممتع،‮ ‬سمح لنفسه بالدخول في منحدر‮ ‬غير مريح كان من الممكن أن يصب في سوقية لم تحدث(فيتوقف هواء المروحة،‮ ‬ونفس صوفي وحتي حركة جفنيها‮) ‬لأن هانس قام في الحال بحركة بالية شهيرة وخفف بسخرية ما بدا متعجرفاً‮. ‬وعندما وضعتْ‮ ‬صوفي يدها الطويلة المميزة علي خدها لترتب حركة كانت بالفعل في أحسن شكل،‮ ‬تنهد هانس بقوة وشعر بعذوبة في عضلاته‮.

 
* كاتب أرجنتيني من مواليد بوينس ايرس سنة 1977

الاثنين، 16 أغسطس 2010

اصدار جديد للروائي الارجنتيني خوليو كورتاثر

 دار النشر: الفاغوارا(اسبانيا)
I.S.B.N : 9789870414766
 صنف الكتاب: أدب-قصص
 عدد الصفحات: 576
تاريخ الإصدار: 29-06-2010
اللغة: الإسبانية


بعد ستة و عشرين سنة على رحيله عن عالمنا يعود الكاتب الأرجنتيني خوليو كورتاثر للظهور مجددا، هذه المرة ليس كروائي و قاص كما عرفه القراء و النقاد، و إنما ككاتب رسائل من الطراز الأول. و قد انفردت دار النشر الإسبانية الفاغوارا بنشر مجموعة من تلك الرسائل التي كان خوليو قد أرسها إلى صديقه الأثير الشاعر و الرسام الأرجنتيني إدواردو خونكييرس تحث عنوان رسائل إلى خونكييرس. وتعد هذه المجموعة من الرسائل ذات أهمية كبيرة لأنها كشفت عن أشياء  ظلت غائبة عن القراء طيلة فترة حياته؛ إنها الجزء الخفي من حياة كورتاثر.
وقد تضمنت في مجملها وقائع السنوات الأولى من إقامته في باريس التي كانت حاسمة في تحديد مساره، و رصدت أيضا تغيرات الحياة الاجتماعية في أوربا خلال القرن العشرين و تفاصيل يرويها عن كتابة روايته رايولا؛ كما سيكتشف القارئ أيضا بدائل العيش بعيدا عن الوطن(بوينس ايرس)، والعلاقة العاطفية التي جمعته بارورا برنارديث، وميلاد شخصيات قصصه( الكرونوبيوس) و المشاكل التي واجهته أثناء ترجمته لإدغار الان بو وأسفاره الكثيرة إلى بقاع العالم.

ترجمات
 

السبت، 14 أغسطس 2010

مقهى ميرمـار*

قصة لويس سِبولفيدا ( التشيلي)**
ترجمة : أحمد المديني***


إلى روح نجيب محفوظ

توقف هبوب الريح الصحراوية مع حلول الغروب، واختلطت الرائحة المالحة للمتوسط بالنكهة العطرة لأزهارالمنيوليا. بدت لي اللحظة المناسبة لمغادرة البيت العتيق لكفافيس، العتيق والمتواضع في آن، للذهاب لجولة في أزقة الإسكندرية قبل العودة إلى الفندق.
كان الهواء منعشا، فشعرت بالعطش وتذكرت قنينة شراب اقتنيتها من مطار مدريد بانتظاري في البراد الصغير لغرفتي. وجدت في هذا سببا ملائما لحث الخطو، فما توقفت عند مقاه عديدة مررت بها وهي ذات باحات مشرعة للاستقبال. لم أرغب في شرب القهوة المعسّلة للمصريين، ولا البيرة بدون كحول المتجهمة، هي والتعاليم الدينية التي تفرضها.
بمجرد وصولي إلى الفندق تفقدت القنينة في البراد، فوجدتها حيث وضعتها، باردة وفي وضع أفقي. أظن،أيضا،أنها لم تغب عن نظر عامل الخدمة،إذ أن يدا مجهولة ومتفتحة وضعت كأسين على المنضدة.
ـ كائنا من أنت،أباركك،همهمت وأنا أفتح الباب المفضي إلى الشرفة. كنت اشتريت قنينة(كافا)هذه للاحتفال بزيارتي لمكتبة الإسكندرية،ذات المبنى الحديث جدا،من تصميم مهندس نرويجي،والذي خيّب أملي لما أبعد البحر عن المكان. خرجت إلى الشرفة،إذن، لأشرب نخب الشاعر قسطنطين كفافيس [الشاعر اليوناني الإسكندراني (1863ـ 1933)].
ذهبت يا صديقي إلى منزلك،وهناك طلب مني شخص بائس ومتناعس بضعة جنيهات نفحتها إياه فأعطاني مفتاح البيت،مشيرا عليّ أن أتركها تحت سجادة المدخل عند المغادرة.
الحق أن إشارته فاجأتني،مما جعله ولا شك يهمهم: لا أحد يأتي ليسرق من بيت شاعر، ورأيته ينصرف وهو يجر عظامه المهترئة، التي لاشك كانت تئن بشعر من وزن(ألكسندري). جلست فوق كرسيك، وفتحت فوق مكتبك كتبا محررة بلغة هوميروس وكزانتزاكيس، بمعنى آخر فإني تصرفت بوحشية واحتللت مضجعك، أغمضت عينيّ أرثي لمصير وحشيتي، وإذن، نخبك يا عزيزي!
كانت شمس الغروب تصبغ البحر بلون مفضض وكئيب، وبينما أنا أتهيأ لرفع كأسي للمرة الثانية نخبا لشاعرنا،إذ بي أسمع من الشرفة المجاورة صوتا يعلو لامرأة حتى وهي تغني بصوت خفيض أغنية ل»Karl Weil» لا تستطيع إخفاء لكنتها 
البرلينية :
ـ «Surabaya Johnny, warum bist du so roh»[ هكذا في الأصل]
حويط تعلوه أصص فقط، هو ما كان يفصل بيننا، لذا لم أحتج سوى إلى خطوتين لأراها: ممددة على أريكة طويلة، وهي ترتدي كسوة بيضاء، من قماش من كتان خفيف،لا أعرف أنسب منه لامرأة، واضعة رجليها العاريتين فوق مقعد عال.
ـ «لاشك أن جوني هذا كان رهيبا» قلت لها على سبيل التحية وأنا أريها القنينة وكأسين.
غنت وهي تشير إلى المقعد العالي، فسألتها وأنا أمد لها الكأس:
ـ من برلين أنت ؟
قبل أن تجيب قرعت كأسها بكأسي، وأخذت منها جرعة ثم وضعتها على الطاولة، وشبكت أصابعها في كثافة شعرها الأشقر المنسدل إلى كتفيها لترميه إلى الخلف في حركة ماء متدفق بلون ذهبي. كانت من أصل يوناني، وإن عاشت سنوات طويلة في برلين. قالت بنبرة حنين إنها إحدى آخر اليونانيات في الإسكندرية.
تدعوك رفقة بعض النساء إلى الصمت، ذلك أنهن يعرفن كيف يتقاسمنه، وليس أصعب من هذا ولا أكثر أريحية. طفقنا نشرب بهدوء وننظر إلى البحر.قريبا من هنا يوجد في مكان ما مردوما تحت الأرض تمثال(كولس)، صامت بدوره،وممعنة في صمتها أيضا الكتب التالفة لمكتبة الإسكندرية،مبعثرة على امتداد الساحل، لعلها من صنع الأرضية الخصبة التي نبت فوقها نخيل المنتزه الممتد على طول الكورنيش.

إلى الغرب غرقت الشمس، ونشرت الظلال أشرعتها على المتوسط.
دعوتُها إلى العشاء وأنا موقن بمعرفتها لمطعم نستطيع أن نحتسي فيه نبيذا جيدا.
ـ لا يمكنني مرافقتك اليوم، إنما أنتظرك غدا في مقهى ميرمار، قالت وهي تنهض من قعدتها، ثم شبكت ذراعيها واضعة يديها على كتفيها لتشعرني أنها بدأت تبرد.
في اليوم التالي فعلت ما توَجَّب عليّ فعله: زيارة ثانية للمكتبة، محاضرة في معهد ثربانتس، قهوة معسّلة مع الطلبة المصريين، وحوالي السادسة بعد الظهر سألت استقبال الفندق أين تقع مقهى ميرمار.
قلت لنفسي ما سُمي المقهى ميرمار،إلا لأنه يوجد على شاطئ البحر، وهكذا مضيت وأنا أسأل عنه في مختلف الحانات المطروقة من أشخاص يلعبون الطاولة، وهم يدخنون النارجيلة مرسلين في الهواء نفخات دخان معطرة. لكن، لا أحد اهتدى إلى مكان المقهى.
في منتصف الليل عدت إلى فندقي. مكانَ عامل الاستقبال وجدت حارسا عجوزا فسألته إن كانت السيدة التي تشغل الغرفة المجاورة لي قد صعدت إلى غرفتها. نظر إلي العجوز نظرة استغراب، وبإنجليزية مقلقلة ردّ أن هذا مستحيل، فهذه الغرفة ليست مشغولة أبدا، إذ هي محل لجمع أثاث المالكة القديمة، سيدة ألمانية، التي..
قاطعته:
ـ إنها يونانية، إحدى آخر اليونانيات في الإسكندرية.
ـ معك حق، كانت يونانية.
رد موافقا، وأراد أن يحكي لي القصة لكني أسكته بحركة.
إني أعيش مع الأشباح، أتقبلها وأستدعيها. ربما هي أبيات كفافي جعلتني أشرب الشمبانيا برفقة شبح قادم من حيوات أخرى. ربما هي الصحراء وهبتني سرابا جميلا، بالضبط على شاطئ البحر، المكان الجدير بالملاذ أو الهوج.
ــــــــــــــــــــــــ
*(نشرت أيضا بالملحق الثقافي لجريدة الاتحاد الاشتراكي المغربية).
***أحمد المديني: كاتب من المغرب.

Luis Sepúlveda **
 من مواليد 1949 ب(أوفال)، مدينة صغيرة في شمال الشيلي. ينتمي إلى أسرة متواضعة. كانت والدته ممرضة و والده سكريتيرا.
قضى طفولته في سانتياغو (عاصمة الشيلي). كان طفلا هادئا، و جديا، لكنه يضا متعجرفا و متخبطا....
يحب المطالعة و لا تستميله ألعاب الأطفال الذين كانوا في سنه.
سجله أبوه في ثانوية تجارية قصد دراسة المحاسبة، لكنه كان يحصل على نتائج ضعيفة. و بالمقابل كان يكثر من دراسة الآداب، و معطم أوقاته يقضيها في المكتبة الوطنية.
أما الذي  حبب له الكتابة أو الحكي فهي جدته التي كانت تحكي له الحكايات كل مساء.
حكم عليه في سنة 1973 بثمانية و عشرين سنة سجنا لمشاركته في حركة سياسية ضد الجنرال بينوشي، و خفف الحكم فيما بعد إلى ثماني سنوات. اختار ألمانيا منفى له سنة 1980 إلى جوار زوجته الثانية، التي أنجبت له ثلاثة أطفال.
يعيش في الوقت الحالي ب(خيخون) بإسبانيا.

ــــــــــــــــــــــــ

الخميس، 12 أغسطس 2010

الأديب الجزائري الطاهر وطار في ذمة الله

رحل عشية هذا اليوم الأديب الجزائري الكبير "الطاهر وطار" (74 سنة) الذي يعدّ ظاهرة أدبية متفردة، بعد معاناة مزمنة مع المرض الذي قاومه بثبات على مدار أشهر طويلة

رحم الله الفقيد وأسكنه فسيح الجنان وألهم ذويه الصبر
والسلوان.
آمين

رمضان مبارك سعيد

كل عام وانتم إلى الله أقرب
شهر مبارك سعيد على كل الأمة الإسلامية   
أهله الله علينا باليمن واليسر والبركات. 
وليكن شهر التوبة من جميع الذنوب والمعاصي التي نقترفها في كل ثانية، وليجعله الله تبارك وتعالى شهر التغيير من الحسن إلى الأحسن
آمين

الأربعاء، 11 أغسطس 2010

مهرجان مدريد الأدبي يحتفل بميلاد شقيقه الأميريكو لاتيني




شهدت العاصمة الأوروغويانية مونتيفيديو خلال الأسبوع الأول من هذا الشهر(أغسطس) تنظيم احتفالية أدبية كبيرة بدعم من الوكالة الإسبانية للتعاون الدولي من أجل التنمية( Aecid). وبذلك تكون مونتيفيديو قد نالت الشرف كأول مدينة من أمريكا اللاتينية تحتضن النسخة الأولى من هذا المهرجان الأدبي  الذي يقام خارج العاصمة الإسبانية مدريد التي من المفترض أن تشهد تنظيم احتفاليتها العادية في 12 و 13 من شتنبر القادم التي تحتضنها دائرة الفنون الجميلة.
و قد ارتأى المنظمون أن يقام المهرجان الأدبي المعروف ( El festival de la ene ) كل سنة في مدينة مختلفة من مدن أمريكا اللاتينية ومن شأن هذه المبادرة أن تغني نسختي الاحتفالية: ففي مدريد سيتعرف الجمهور على ثلة من الأدباء المميزين القادمين من الجهة الأخرى للمحيط الأطلسي، أما في مونتيفيديو فسيتعين على الكتاب الأسبان الانتقال للضفة الأخرى من أجل المساهمة  الفعالة في أنشطة الاحتفالية.

   
وقد تحول هذا المهرجان في ظرف عام واحد (13 و 14 شتنبر 2009) على إحداثه الى أهم احتفالية في المدينة حيث يجتمع أكثر من 70 كاتبا و ناشرا و موسيقيا و كتاب سيناريو للاحتفال بالأدب و أجناسه دون إغفال فنون أخرى كالموسيقى 
والتصوير الفوتوغرافي والسينما وغيرها من الفنون الاخرى.
  وتسهر دائرة الفنون الجميلة و دار نشر لافابريكا  بمدريد على تنظيم هذه الاحتفالية بالتعاون مع مجموعة من  المؤسسات و الشركات. و قد استقطب المهرجان في دورته الأولى أكثر من 4000 شخصا القاسم المشترك بينهم هو القراءة و الاستمتاع ببرنامج منوع وحافل بالأنشطة والفقرات: محاضرات و ورشات ولقاءات وموائد مستديرة ..... وقد حضرت وجوه مهمة من سماء الأدب و الفن أمتعت الحاضرين الذين وحدتهم اللغة وحب الثقافة والأدب.

ترجمات

الثلاثاء، 10 أغسطس 2010

جحيم فسيح

 قصة غييرمو مارتينث - الارجنتين
ترجمها من الاسبانية إلى الإنجليزية: ألبرتو مانغيل
     ترجمة: عبدالله الحراصي*






«القرية الصغيرة جحيم فسيح» 
            مثل أرجنتيني


حينما تخلو البقالة من الزبائن، ولا تسمع فيها سوى طنين الذباب كثيراً ما يأتي على بالي ذلك الشاب الذي لم نعرف اسمه على الإطلاق والذي لم يذكره أحد في البلدة مرّة أخرى. ولأسباب لا أستطيع تفسير كنهها كنت دائماً أتذكره بهيئته التي رأيناه فيها لأول مرّة: بملابسه المغبرّة، وبلحيته المنفوشة، وعلى الأخص بشعره الأشعث الطويل الذي غطى عينيه تقريباً. ولأن الوقت كان مطلع الربيع فقد ظننت أنه كان شخصاً متجهاً جنوباً لأجل التخييم. أخذ بعض علب الطعام وشيئاً من القهوة، وفيما كنت أعدّ فاتورة حسابه نظر إلى انعكاس صورته على النافذة، وأزاح شعره عن جبهته، وسألني إن كان هناك حلّاق في البلدة.
في تلك الأيام كان هناك حلاقان في بونتي فيجو. أدرك الآن بأنه له كان قد ذهب إلى محل ملخور العجوز لما التقى أبداً بالسيدة الفرنسية، ولما انتشر القيل والقال عنهما. إلا أن محل ملخور كان في الطرف الآخر من البلدة، ولم أكن أعلم الغيب فأحدس بما حدث بعدها.
وما حدث هو أنني أرسلته إلى محل سرفينو، ويبدو أن السيدة الفرنسية جاءت فيما كان سرفينو يحلق له شعره. نظرت السيدة الفرنسية إلى الشاب بذات الطريقة التي تنظر بها إلى كل الرجال، وهنا بدأت القصة اللعينة، حيث أن الشاب قرر أن يقيم في البلدة، وكلنا فكرنا في الأمر ذاته: أنه بقي بسببها.
مرّ عام منذ أن جاء سرفينو وزوجته إلى بونتي فيجو، ولم نعرف الكثير عنهما، ولم يكونا يختلطان مع أي أحد في البلدة، وهو أمر كان يتحدث عنه كل سكان البلدة بحنق وغضب. وحتى لا نظلم الناس فإن انعزال سرفينو لم يكن مرده إلا إلى الخجل، أما السيدة الفرنسية فلعلها كانت في غاية التكبر والعنجهية. جاءا من المدينة الكبيرة الصيف الماضي، في بداية الموسم، وحينما فتح سرفينو محل الحلاقة أتذكر أنني ظننت أنه سوف يضر بعمل ملخور العجوز لأنه كان يحمل دبلوما في الحلاقة، كما أنه فاز بجائزة في مسابقة الحلاقة القصيرة، وكان في محله مجفف شعر وكرسيّ دوّار، وكان يرشّ خلاصات الخضار في فروة رأس الزبون، بل أنه كان يرش بعض اللوشن عليك إن لم تطلب منه الكفّ عن ذلك. كما أنك تجد دائماً في الرفّ في محل سرفينو أحدث المجلات الرياضية، وفوق هذا كله كانت هناك السيدة الفرنسية. والحقيقة أنني لم أعرف قط لماذا سماها الناس السيدة الفرنسية، ولم أحاول أبداً معرفة ذلك– ولو حاولت لكنت سأشعر بخيبة الأمل حينما أعرف أن السيدة الفرنسية قد ولدت على سبيل المثال في باهيا بلانكا، بل والأدهى والأمر أنها ولدت في بلدة صغيرة مثل هذه البلدة. وأيا كانت حقيقة الأمر فاني لم ألتقِ بامرأة مثلها. لربما كان سبب الجلبة حولها هو أنها لم تكن تلبس صِداراً، بل انها حتى في الشتاء لم تكن ترتدي أي شيء تحت سترتها. وربما كان هذا بسبب ظهورها المعتاد في محل الحلاقة مرتدية أقل الملابس ووقوفها أمام المرآة لتضع مساحيق التجميل على وجهها، أمام أعين الجميع. غير أن الأمر لم يكن له علاقة بهذا كله. كان هناك أمرٌ يتعلق بالسيدة الفرنسية أكثر إرباكاً من جسمها الذي بدا دائماً مثيرا في الملابس التي كانت ترتديها، بل أكثر إثارة من انخفاض فتحة صدرها، فقد كانت تحدق في عينيك بثبات حتى أنه يكون أمامك إلا أن تخفض بصرك، وكانت عيناها تفيضان إغراءً، وتغمرانك بالأمل، غير أن عينيها كانتا يحملان أيضاً وميضاً هازئاً، وكأنما تمتحنك، وهي تعرف أنك لا تقوى على تحديها، وكأنها قد أيقنت بأنه لا يوجد في البلدة كلها من يستطيع أن يسمو إلى مستوى رغباتها الجامحة. كانت تثيرنا إذاً بعينيها، ثم، تسخر منا حينما تنسحب بعينيها.
كان كل هذا يحدث أمام سرفينو الذي لم يكن يبدو أنه كان يلاحظ أي شيء مما كان يحدث، فقد كان منحنياً خلف رقابنا مطقطقاً بمقصه في الهواء بين فينة وأخرى.
نعم. كانت السيدة الفرنسية تشكل في البداية أفضل دعاية لمحل سرفينو، وكان محله مزدحماً بالزبائن في الأشهر الأولى. غير أن الصواب قد جانبني فيما يتعلق بملخور، فلم يكن الرجل العجوز مغفلاً، بل أخذ يغري زبائنه القدماء فيعودون إليه شيئاً بشيء. فقد تمكن من الحصول على بعض المجلات الإباحية التي منعها العسكر في تلك الأيام، وحينما حلّ كأس العالم بعد ذلك جمع كل مدخراته واشترى تلفازاً ملوناً، وكان هذا أول تلفاز ملون في البلدة. ثم أخذ يقول لكل من يسمعه بأنه لا يوجد حلّاق للرجال في بونتي فيجو إلا حلّاق واحد لا غير، أما سرفينو فكان حلّاق المخنثين.
إلا أن حدسي يقول لي بأن الكثيرين عادوا إلى محل ملخور مرّة أخرى بسبب السيدة الفرنسية، حيث لا يستطيع إلا القليل من الرجال أن يقبلوا أن تهزأ منهم أمرأة أو أن تذلّهم لفترة طويلة.
وكما كنت أقول فقد بقي الشاب، إذ نصب خيمة في ضواحي البلدة، خلف الكثبان، ليس بعيداً من بيت أرملة اسبينوزا. ولم يكن يأتي إلى البقالة إلا نادراً، وحينما كان يأتي كان يشتري أغراضاً كثيرةً، تكفيه لمدة أسبوعين أو شهر. إلا أنه كان يزور الحلّاق في كل يوم.
ولأنه كان من الصعب تصديق أنه لم يكن يذهب إلى هناك إلا لقراءة الجرائد الرياضية فقد أخذ الناس يشعرون بالشفقة على سرفينو، فكان الجميع حزيناً لأجله في البدء. والحقيقة أنه كان من الصعب ألا تشعر بالحزن لأجل سرفينو، فوجهه كان وجه ملاك وابتسامته كانت بسيطة، كما هو حال الناس الخجولين دائماً. لم يكن يتحدث إلا قليلاً، وكان يبدو أنه يغرق في عالمٍ متعرج بعيد، وكانت عيناه تهيمان في الفضاء، وكان يقف لفترة طويلة، وهو يشحذ شفرة الحلاقة، أو يطقطق بالمقص لفترة طويلة، حتى أنك تضطر لأن تسعل كي تردّه إلى العالم الواقعي. باغته مرّة أو مرتين وهو يحدق في المرآة في السيدة الفرنسية بشغف صامت مكثّف، وكأنه هو نفسه لم يكن مصدقاً بأن هذه المرأة زوجته. كان تلك النظرات المغرمة التي لا شك في صدقها تملؤنا بالشفقة عليه.
في الجانب الآخر كان من اليسير علينا كذلك أن ندين السيدة الفرنسية، قبل كل شيء لأن رجال البلدة المتزوجين والعوانس الباحثات عن أزواج قد اتحدوا منذ البداية ضد فتحة صدرها المخيفة. غير أن العديد من الرجال كانوا ممتعضين من السيدة الفرنسية، خصوصاً أؤلئك الذين كانوا مشهورين بمهاراتهم في جذب النساء في بونتي فيجو مثل نيلسن اليهودي – أؤلئك الرجال الذي لم يتعودوا أن تتجاهلهم امرأة، فكيف بأن تأتي امرأة فتهزأ منهم وتتلاعب بهم؟
وحدث بأن كل أحاديث البلدة كانت تتجه في نهاية المطاف صوب المرأة الفرنسية وعشيقها الشاب، ربما لأن كأس العالم قد انتهى، ولم تتبق مواضيع يتحدث عنها الناس، أو لعله بسبب ندرة الفضائح في البلدة. وقد كنت أسمع من حيث كنت أجلس خلف طاولة الحساب في المحل نفس الحديث يتكرر ويتكرر: ما رآه نيلسن مرّة ذات ليلة على الشاطئ (كانت ليلة باردة، ومع ذلك فقد كانا عاريين وأكيد أنهما قد تعاطيا مخدرات لأنهما فعلا شيئاً ما بمقدور نيلسن وصفه، حتى بين الرجال أنفسهم وفي غياب النساء)، وما قالته أرملة اسبينوزا (بأنها من نافذة بيتها كانت دائماً ما تسمع ضحكاً وأنيناً يأتي من خيمة الشاب، وكان هذا صوت جسدين ملتصقين يتدحرجان)، وما أخبرنا العجوز الأكبر سناً في آل فيدال (ذات ليلة في محل الحلاقة، هناك أمامه وأمام سرفينو ....). ترى من يعرف مقدار الصدق في كل هذا القيل والقال!!
وذات يوم أن عرفنا بأن الشاب والسيدة الفرنسية قد اختفيا. أعني أن الشاب لم يعد يظهر أبداً، ولم يرَ أحدٌ السيدة الفرنسية لا في محل الحلاقة ولا في الممشى على الشاطئ حيث اعتادت المشي. كان أول ما تبادر إلى أذهاننا أنهما هربا معاً. والعجيب أن النساء أبدين استعداداً لمسامحة السيدة الفرنسية على فعلتها هذه، ربما لأن فكرة الهروب فكرة رومانسية أو لأن تلك سيدة الإغواء الخطرة لم تعد موجودة. كن يقلن بأن من الواضح أن هناك شيئاً خاطئاً في ذلك الزواج، فقد كان سرفينو أكبر منها كثيراً، كما أن الشاب كان بالغ الوسامة ... وبقهقهات مكتومة يعترفن بأنهن كن سيهربن مثلها لو كنّ مكانها.
وفي عصر أحد الأيام حينما كانت النساء يتحدثن عن هذا الموضوع قالت ارملة اسبينوزا التي تصادف وجودها في محل البقالة بصوت غامض بأنها تعتقد بأن شيئاً أخطر بكثير قد حدث، فقد كان الشاب كما نعرف جميعاً قد نصب خيمته بالقرب من بيتها، وعلى الرغم من أنها، مثلنا جميعاً، لم تره لأيام إلا أن الخيمة ما زالت في مكانها، ويبدو من الغريب جداً – كررت «من الغريب جداً» – أنهما لم يحملا الخيمة معهما. قال أحد الحاضرين بأنه ينبغي إبلاغ الشرطة، ودمدمت المرأة بأنه من الواجب على أهل البلدة أن يراقبوا سرفينو كذلك. تذكرت أنني غضبت ولكني لم أعرف كيف أستجيب لما كان يدور من حديث: كان قانوني هو ألا أدخل في جدال مع الزبائن. بدأت بالقول بهدوء بأنه لا ينبغي اتهام أي انسان دون دليل، وبأني أرى بأنه من المستحيل أن يقوم سرفينو، بأن يقوم شخص مثل سرفينو بـ... غير أن الأرملة قاطعتني قائلة بأنه من المعروف بأن الناس الخجولين والانطوائيين قد يتحولون إلى أشخاص في غاية الخطورة إن تم التمادي في شيء ضدهم.
كان حديثنا يدور في حيص بيص حين ظهر سرفينو فجأة عند باب البقالة.
حلّ بالجميع صمت عميق: لا بد أنه عرف بأننا كنا نتحدث عنه، لأن الجميع خفضوا نظرهم أو نظروا في اتجاه آخر. رأيته وقد أحمر وجهه خجلاً، وبدا لي، أكثر من أي وقت سابق، مثل طفل عاجز لم يحاول أبداً أن يكبر. وحينما أعطاني طلبه لاحظت بأن قائمة الخضار والفواكه صغيرة وبأنه لم يطلب الروب. وحينما كان يدفع الحساب سألته الأرملة فجأة عن السيدة الفرنسية. أحمر سرفينو خجلاً مرة أخرى ، ولكن بهدوء هذه المرة، وكانه قد شعر بالتقدير من هذا الاهتمام الكبير. قال بأن زوجته قد سافرت إلى المدينة لتعتني بأبيها الذي كان مريضاً جداً، وأنها سرعان ما ستعود، ربما خلال أسبوع. وحينما كان يتحدث تسلل إلى وجوه الجميع شعور غريب، وجدت صعوبة في التعبير عنه في البداية: أنه الشعور بخيبة الأمل. وما أن غادر سرفينو حتى استأنفت الأرملة هجومها. قالت بأنها لا يمكن أن تصدق هراء سرفينو وخداعه، وأننا لن نرى تلك المرأة المسكينة مرّة أخرى. وبصوت خفيض أصرت بأن هناك قاتلاً طليقاً في بونتي فيجو، وأن أي شخص منا قد يكون ضحيته القادمة.
مرّ أسبوع، ثم تلاه شهر، ولم تعد السيدة الفرنسية. ولم يعد الشاب أيضاً. وبدأ أطفال البلدة يستخدمون خيمته في لعبة رعاة البقر والهنود الحمر، وانقسمت بونتي فيجو إلى معسكرين: معكسر المقتنعين بأن سرفينو مجرم، والمعسكر الآخر المكوّن منا نحن الذين كنا نعتقد بأن المرأة الفرنسية سوف تعود، وكان عددنا يتناقص ويتناقص. كنا نسمع بأن سرفينو قد قطع حلقوم الشاب بشفرة حينما كان يحلق له شعره، ومنعت الأمهات أطفالهن من اللعب في الشارع الذي يقع فيه محل الحلاقة وطلبن من أزواجهن الحلاقة عند ملخور. إلا أن الغريب أن سرفينو لم يكن محروماً من من الزبائن: كان الشباب يجرأون الواحد بعد الآخر على الذهاب والجلوس في كرسي الحلاق المدان ويطلبون الحلاقة بالشفرة، وأصبح إحدى رموز الرجولة أن يصفف الشباب شعرهم للأعلى عند سرفينو.
وحينما سألنا عن السيدة الفرنسية كان سرفينو يكرر على مسامعنا ذات القصة عن أبيها المريض، وهي قصة لم يعد يصدقها أحد. توقف الناس عن تحيته، وسمعنا بأن أرملة اسبينوزا قد أبلغت الشرطة بضرورة إلقاء القبض على سرفينو غير أن المفتش أجابها بأن الشرطة لا تستطيع فعل شيء إلا بعد العثور على الجثتين.
بدأ سكان البلدة يحزرون حول مكان الجثث، فقال البعض أن سرفينو قد دفن الجثتين تحت فناء داره، وقال آخرون أنه قد قطع الجثث إرَباً ورماها في البحر، وهكذا استحال سرفينو شيئا بشيء في خيال سكان البلدة إلى وحش يزداد خطورة يوماً بيوم.
وفي محل البقالة وعلى إثر سماع نفس الحديث مرة بعد أخرى بدأت أشعر برهبة خُرافية، وشعرت بأن كل هذه الأحاديث غير المنتهية سوف تحبل في نهاية المطاف بأمر فظيع. في الأثناء بدا وكأن أرملة اسبينوزا خرجت عن طورها وأصابها مس من الجنون، حيث أخذت في الحفر في كل مكان، مسلحة بمجرفة أطفال تافهة، وتصيح بأعلى صوتها أنها لن تشعر بالراحة إلا بعد العثور على الجثث.
وفي يوم ما، عثرت على الجثث.
كان عصر يوم من الأيام الأولى في شهر نوفمبر. دخلت الأرملة إلى المحل وسألت إن كان لدي أي مجارف، ثم وبصوت عالٍ يسمعه الجميع، قالت بأن المفتش قد أرسلها بحثاً عن المجارف وعن متطوعين لحفر الكثبان خلف الجسر. ثم أخذت تتحدث ببطء وتخرج كلمة بعد أخرى قائلة أنها رأت هناك بأم عينها كلباً يلتهم يداً آدمية. سرت رجفة في كل جسمي، ففجأة تحول الأمر إلى حقيقة، وفيما كنت أبحث عن المجارف وفيما كنت أقفل المحل كنت أسمع، دون أن أصدق حتى الآن، الحديث المرعب: «الكلب»، «الجثة»، «يد آدمية».
قادت الأرملة المسيرة، بفخر. كنت أمشي متثاقلاً في الخلف، حاملاً المجارف. نظرت إلى الآخرين ورأيت ذات الوجوه، الناس الذين كانوا يأتون إلى المحل لشراء الباستا والشاي. نظرت حولي ولم أجد أن شيئاً قد تغير، لا شعور بالرعب ولا صمت غير متوقع. كان عصر يوم مثل بقية الآيام، في نفس الساعة العقيمة الجدوى التي يستيقظ فيها الإنسان من قيلولته. تحتنا اصطفت البيوت في خط متناقص الطول، والبحر ذاته، على مبعدة، بدا ريفياً مستكيناً. لوهلة ظننت اني قد فهمت مشاعر عدم التصديق في داخلي، بأن شيئاً من قبيل هذا لا يمكن أن يقع هنا، ليس في بونتي فيجو.
حينما وصلنا إلى الكثبان، لم يكن المفتش قد عثر على شيء حتى الآن. كان يحفر مكشوف الصدر، وكانت مجرفته ترتفع وتهوي على الأرض بكل قوة. أشار إشارة مبهمة حوله، فوزعت المجارف وغرست مجرفتي في البقعة التي بدت لعيني الأسلم. لفترة لم يكن هناك أي صوت سوى صوت ضربات معدن المجرفة الجاف وهو يهوي على الرمل. بدأت أفقد خوفي من المجرفة وأفكر بأن الأرملة ربما تكون قد أخطأت، وبأن القصة التي أتت بها لم تكن حقيقية، حينما سمعنا صوت نباح هائج. أنه الكلب الذي رأته الأرملة. مخلوق مسكين هزيل الجسم يدور راكضاً هائجاً حولنا. حاول المفتش طرده برميه بقطع الطوب لكن الكلب كان يعود مرة وثانية وثالثة، بل كاد في لحظة من اللحظات أن يقفز ويمسك بخناق المفتش.
عندها أدركنا بأن هذا هو المكان بالفعل. عاد المفتش للحفر مرة ثانية، أسرع فأسرع. كانت حماسته مُعدِيَة، إذ تحركت المجارف في حركة منسجمة، وفجأة صرخ المفتش قائلاً بأنه قد هوى بمجرفته على شيء ما. حفر أكثر وظهرت للعيان الجثة الأولى.
لم ينظر الآخرون إلى الجثة إلا قليلاً، بل عادوا إلى مجارفهم، بحماسة، باحثين عن السيدة الفرنسية، غير أني ذهبت إلى الجثة وأجبرت نفسي على التدقيق فيها. بين عيني الجثة المليئتين بالرمال كان هناك ثقبٌ أسود. انها ليست جثة الشاب.
استدرت كي أنبه المفتش إلى هذا. كان الأمر مثل القفز إلى عمق عالم الكوابيس، فقد كان الجميع يخرجون جثثاً، وكأن الأرض تنبت جثثاً. ومع كل ضربة مجرفة كان هناك رأس يتدحرج من الحفرة أو جذع إنسان مُمَثَّل به. وأينما ذهبت ببصرك كانت هناك جثث ومزيد من الجثث، ورؤوس ومزيد من الرؤوس.
جعلني الرعب أركض من مكان لآخر، ولم أكن قادراً على التفكير، ولا على الفهم حتى رأيت إنساناً مخرماً بطلقات نارية، وبعيداً رأيت رأساً معصوب العينين. عندها أدركت الأمر. نظرت إلى المفتش فوجدته قد أدرك الأمر كذلك، وأمر الجميع بالبقاء في أماكنهم، وألا يتحركوا، وذهب إلى البلدة لأخذ أوامر رؤسائه.
في الوقت الذي ذهب فيه حتى رجع لم أتذكر إلا نباح الكلب المتواصل، ورائحة الموت، ومشهد الأرملة التي تحفر بمجرفة الأطفال بين الجثث، طالبة منا الاستمرار لأنا لم نعثر بعد على السيدة الفرنسية. حينما عاد المفتش كان منتصب القامة مهيباً مثل شخص على أهبة الاستعداد لتقديم الأوامر.
وقف أمامنا وأخبرنا بأن ندفع الجثث ثانية، مثلما وجدناها. عدنا جميعاً إلى مجارفنا، دون أن يجرؤ أحد على النطق ببنت شفة.
وعندما غطى الرمل الجثث تملكني شك في أن يكون الشاب من بين هذه الجثث. كان الكلب ينبح ويقفز ويهوي إلى الأرض كالمجنون. ثم رأينا المفتش، بركبة على الأرض، ومسدسه في يده. أطلق رصاصة واحدة. سقط الكلب ميتاً. ثم تقدم خطوتين، والمسدس في يده، ودفع جثة الكلب، كي ندفنها أيضاً. وقبل أن نعود للبلدة، أمرنا ألا نحدِّث أحداً عمّا رأينا، وكتب أسماء كل من كان هناك، واحداً واحداً.
عادت السيدة الفرنسية بعد عدة أيام، بعد أن شفي أبوها تماماً. ولم نذكر الشاب أبداً مرة ثانية، أما خيمته فقد سُرِقَت ما أن حلّ موسم العطل.

(نشرت الترجمة الانجليزية في مجلة «ذ نيو يوركر» عدد 27 ابريل 2009) 


*كاتب وأكاديمي من عُمان

الأحد، 8 أغسطس 2010

قصص قصيرة جدا

إدواردو غاليانو*
ترجمة: أسامة أسبر


العالم
صعد رجل من بلدة نيغوا، الواقعة على الساحل الكولومبي، إلى السماء. حين عاد وصف رحلته، وروى كيف تأمل الحياة البشرية من مكان مرتفع. قال: نحن بحرٌ من ألسنةِ اللهب الصغيرة.
أضاف: العالم كومةُ من البشر، بحر من ألسنة اللهب الصغيرة.
كل شخص يشع بضوئه الخاص وليس هناك لسانا لهب متشابهان. ثمة ألسنة لهب كبيرة وأخرى صغيرة من جميع الألوان. ألسنة لهب بعض البشر هادئة بحيث لا تتأجج حين تهب الريح، بينما يمتلك آخرون ألسنة لهب وحشية تملأ الجو بالشرار. بعض ألسنة اللهب الغبية لا تحرق ولا تضيء، لكن ثمة أخرى تفيض بلهب الحياة بحيث أنك لا تستطيع أن تنظر إليها دون أن ترف عيناك، وإذا اقتربت منها تضيئك.
 العنب والخمر
على فراش الموت، تحدث رجل يعمل في الكروم في أذن مرسليا. قبل أن يموت كشف السر هامساً:
"إن العنب مصنوع من الخمر."
هذا ما روته لي مارسيلا بيريث-سيلبا، وبعدها فكرتُ: إذا كان العنب مصنوعاً من الخمر، فربما نكون الكلمات التي تروي من نحن.
فن للأطفال
كانت تجلس على كرسي مرتفع أمام صحن من الحساء على مستوى العين. أنفها مجعد، أسنانها محكمة الإغلاق، وذراعاها متصالبتان، توسلت الأم من أجل المساعدة:
قالت متوسلة: "احك لها حكاية يا أونيليو، أنت الكاتب، اروِ لها حكاية."
ملوِّحاً بملعقة الحساء بدأ أونيليو خورخي كاردوسو قصته:
"مرة كان هناك طائر لم يرد أن يتناول عشاءه، أحكم الطائر إغلاق منقاره، وقالت له أمه: ستكون دائما طائراً صغيرا إن لم تأكل النني. لكن الطائر لم ينتبه إلى أمه ولم يفتح منقاره..."
عندئذ انفجرت الطفلة:
يا له من طائر حقير!"
 
عن موقع :

  آكاديمية القصة القصيرة جدا 

  *
إدواردو غاليانو(ولد في 3شتنبر 1940بمنوتفيديو).كاتب و صحفي من الأوروغواي.

السبت، 7 أغسطس 2010

"إيناس و الفرحة" جديد الكاتبة المودينا غراندس


صدرت عن دار نشر توسكيتس ببرشلونة رواية جديدة  للكاتبة الإسبانية المودينا غراندس(مدريد 1960) بعنوان إيناس و الفرحة 'Inés y la alegría' وتقع في 736 صفحة؛ و تحكي الرواية حدث اجتياح وادي أران في أكتوبر عام  1944 من طرف جيش من المحاربين.وهي المعركة شارك فيها رجال ونساء بقناعة كاملة في سبيل تحرير بلدهم، وقد عاشوا في ما بعد في المنفى و لم يعودوا إلى إسبانيا إلا بعد وفاة فرانكو، وقد وجدوها في حالة من العزلة والتهميش. 
 
و يأتي هذا المشروع الروائي الضخم لتكريم وإعادة الاعتبار إلى الأجيال السابقة التي تناولت نفس الموضوع كبينيتو بريس غالدوس الذي تعشقه غراندس رغم كل شيء. إلا أن الأمر مع المودينا يختلف شيئا ما لأن الهدف من وراء روايتها ليس سرد أحداث المعارك الكبرى بل يتعداه إلى إعادة تشكيل قصص حقيقية وبطولية تمتزج بالخيال ، لتلك اللحظات الصادقة لمقاومة الحركة الفرنكاوية. و بهذا الصدد تقول الكاتبة في حديث للموقع الالكتروني لجريدة نورتي كاستيا: "هذه هي المرة الأولى التي أكتب فيها دون أن تطأ قدمي أرض الحاضر، لكنني عندما أصل بتلك الشخصيات إلى سنة 1977 و في حال آخر، عام 1978 ، أجد أنها تعيش في إسبانيا نفسها التي عشت فيها رغم مرور 30 سنة على ذلك". 

ترجمات