الخميس، 8 أكتوبر 2009

طبيب قرويّ

قصة: فرانز كافكا  **
ترجمة: توفيق البوركي

كنت في حيرة كبيرة من أمري، إذ عليّ أن أباشر سفراً مستعجلاً إلى إحدى القرى التي تبعد عنّي عشرة أميال حيث ينتظرني مريض يعاني داءً خطيراً. وقد جمّدت عاصفة ثلجيّة الطّريق الذي يفصل بيننا. أمتلك عربة، أقصد عربة صغيرة وخفيفة، ذات عجلات كبيرة، مناسبة تماماً لتقطع مثل طرقاتنا. التحفت معطفي الجلديّ، وأخذت حقيبتي وخرجت للفناء أنتظر وأنا على أتمّ الاستعداد للذّهاب، لكن ينقصني الحصان، فحصاني مات اللّيلة الماضيّة بعد أن أنهكه التّعب خلال ذلك الشّتاء الجليديّ. في أثناء ذلك، ذهبت الخادمة لتبحث عن حصان عند أهالي القرية، لكنّ مهمّتها باءت بالفشل، كنت أعرف النّتيجة مسبقاً، لكن رغم ذلك فقد تابعتِ المهمّة دون طائل، في حين بَقيتُ بلا حراك تحت الثّلج الذي يغطّيني بدثاره الثّقيل.

الخميس، 20 أغسطس 2009

أحوال المرضى-2-


صارت العائلة تتعود على الوضع ، أما ماريا لاورا فقد كلفها ذلك كثيرا لكن في المقابل كان عليها فقط أن تأتي لزيارة أمي كل خميس.
في أحد الأيام وصلت أولى رسائل من أليخاندرو.وقد قرأها لها كارلوس وهو جالس عند آخر السرير. أعجب أليخاندرو برثيفي كثيرا، و تحدث عن الميناء ،و عن بائعي الببغاوات وعن مذاق المرطبات، وعن فاكهة الأناناس و أثمانها البخسة، التي سال لذكرها لعاب العائلة، كما تحدث عن وجود قهوة حقيقية وذات رائحة. طلبت أمي أن ترى الظرف وقالت أن عليهم إعطاء الطابع لابن آل مارولدا هاو جمع الطوابع، رغم أنها شخصيا لا تحب أن يتعامل الأولاد مع الطوابع لأنهم بعد ذلك لا يغسلون أيديهم والطوابع قد لفت العالم كله.
­ـ يلعقونها بألسنتهم للصقها فتعلق بها الميكروبات وتتكاثر، وذلك شيء معروف. هكذا كانت أمي تقول دائما ­، لكن أعطوه له على كل حال، فهو يملك الكثير، واحد إضافي لن يصنع فرقا...
في اليوم الموالي، نادت أمي على روسا وأملت عليها رسالة لاليخاندرو،تسأله فيها متى سيستطيع أخذ عطلة وما إذا كان السفر لا يكلفه كثيرا. كما وصفت له حالتها، وحدثته عن الترقية التي نالها كارلوس، وعن الجائزة التي حصل عليها أحد التلاميذ الذين تدرسهم بيبا البيانو، تحدثت أيضا عن زيارة ماريا لاورا التي لم تنقطع ولو لخميس واحد ، لكنها تفرط في المذاكرة وذلك سيء للنظر.عندما انتهت الرسالة وقعت أمي أسفلها بقلم الرصاص وقبلت الورقة برقة؛ فنهضت بيبا بحجة البحث عن ظرف، وجاءت الخالة كليليا بدواء الساعة الخامسة وبضع زهرات لمزهرية الصوان.
لا شيء كان سهلا، لأن ضغط دم أمي كان قد زاد في الارتفاع خلال تلك الفترة، مما ترك العائلة تتساءل عما إذا كانت هناك تأثيرات لاشعورية، شيء يطغى على سلوكهم جميعا، قلق وإحباط سببا ضررا لامي علي الرغم من الاحتياطات والبهجة المصطنعة، لكن لا يمكن أن يحدث ذلك، لأنهم من فرط ما ادعوا الضحك انتهي بهم جميعا الأمر إلي ضحك حقيقي مع أمي، وصاروا أحيانا يتبادلون النكات والضربات رغم أنهم ليسوا برفقتها، وفيما بعد ينظرون إلي بعضهم كما لو أنهم استفاقوا فجأة، فتحمر بيبا خجلا، أما كارلوس فيشعل سيجارة و هو مطأطأ الرأس. المهم في الأمر كله هو أن يمر الوقت دون أن تنتبه أمي لأي شيء.
تحدث الخال روكي مع الدكتور بونيفاث واتفق الجميع على ضرورة مواصلة المسرحية الورعة ­ كما كانت تصفها الخالة كليليا. كانت المشكلة الوحيدة هي زيارات ماريا لاورا لأن أمي تصر،وبشكل طبيعي، على التحدث عن أليخاندرو، تريد أن تعرف إن كانا سيتزوجان بعيد عودته من رثيفي أم المجنون سيقبل تعاقدا آخر في مكان بعيد ولفترة طويلة. الوسيلة الوحيدة المتبقية هي الدخول في كل لحظة، لإلهاء أمي وانتزاع ماريا لاورا التي كانت تظل هادئة علي كرسيها، وتضم يديها إلي حد الألم.ذات يوم، سألت أمي الخالة كليليا عن سبب توافدهم بهذا الشكل كلما جاءت ماريا لاورا لزيارتها، كما لو أنها الفرصة الوحيدة لرؤيتها ؛ضحكت الخالة كليليا وقالت بأنهم يرون فيها شيئا من أليخاندرو ولهذا يحبون الجلوس معها حين تأتي.

ـ معك حق، ماريا لاورا فتاة جيدة، ­ قالت أمي ،صدقيني، إن ابني الغبي لا يستحقها.
­ـ انظروا من تتكلم، قالت الخالة، أنت نفسك يسيل لعابك عندما تنطقين اسمه.


ضحكت أمي أيضا، وتذكرت أن رسالة من أليخاندرو ستصل فيما يستقبل من الأيام.
وصلت الرسالة وأحضرها الخال روكي مع شاي الساعة الخامسة. فطلبت أمي نظارتها الطبية، هذه المرة أرادت أن تقرأ بنفسها. قرأت بتمعن كأن كل جملة عبارة عن لقمة يجب مضغها مرارا وتكرارا.
­ـ شباب اليوم ينقصهم الاحترام ،قالت أمي ذلك دون أن توليه أهمية، في زماننا لم تكن تستخدم مثل هذه الآلات ، لكنني لم أكن لأجرؤ أبدا علي الكتابة لأبي بهذا الشكل، ولا أنتم كنتم كذلك.
ـ بالطبع لا ­ قال الخال روكي ­ خاصة أن الشيخ كان ذا طبع سيئ للغاية.
­ ـ أنت لا تكف عن ترديد كلمة الشيخ هذه أبدا يا روكي تعلم أنه لا يروقني سماعها . تذكر وقع هذه الكلمة علي أمي.
­ـ حسنا، إنها طريقة للتعبير ليس إلا، ولا تمت للاحترام بصلة.
­ـ إنه لشيء غريب للغاية، ­ قالت أمي، وهي تخلع نظارتها وتنظر إلى أشكال السحب في السماء الصافية­،ها قد وصلت خمس أو ست رسائل من أليخاندرو ولم يناديني في أي منها ب .. آه، لكن هذا سر بيننا نحن الاثنين.هل تعلم لم َلم يناديني بهذا الاسم ولو لمرة واحدة؟
­ـ من الأفضل أن كتابتها بدت له مبتذلة، فمناداتك ب.. كيف كان يناديك؟
­ـ إنه سر، قالت أمي، ­ سر بيني وبين صغيري.


لا روسا و لا بيبا تعلمان شيئا عن هذا الاسم، بينما هز كارلوس كتفيه عندما سألوه .
­ ـ ماذا تريد يا خالي، إن أقصى ما أستطيع عمله هو تزوير إمضاءه، وأعتقد أن أمي ستنسي هذا الأمر، فلا تهتم لذلك كثيرا.
بعد مرور أربعة أو خمسة أشهر على إحدى رسائل أليخاندرو،حيث يوضح فيها كثرة العمل الذي يتوجب عليه القيام به (رغم انه سعيد لأنها فرصة ممتازة بالنسبة لمهندس شاب مثله).
أصرت أمي بأن الوقت قد حان ليأخذ عطلة ويأتي إلي بوينس أيرس، بخصوص روسا التي كانت تكتب جواب أمي، فقد بدا لها أنها كانت تمليها بطء شديد، كما لو كانت تفكر طويلا بكل جملة.
­ـ من يدري، إن كان المسكين سيتمكن من المجيء ­، علقت روسا، من المؤسف أن يسبب له ذلك خلافا مع الشركة خاصة و أن الأمور تسير بشكل جيد و هو نفسه مسرور بذلك.

تابعت أمي إملائها غير آبهة بما قيل، تدهورت صحتها كثيرا،لذا تود أن تري أليخاندرو ولو لبضعة أيام. كما أن عليه أن يفكر أيضا بماريا لاورا، ليس اعتقادا منها بأنه يهمل خطيبته، لكن الحب لا يعيش فقط بالكلمات المعسولة و الآمال الموعودة. وأخيرا تمنت من أليخاندرو أن يزف لها ،سريعا، أخبارا مفرحة.
لحظت روسا أن أمي لم تقبل الورقة بعد التوقيع، لكن في المقابل نظرت إليها بتركيز كما لو أنها تود حفرها في ذاكرتها.
'مسكين أليخاندرو'،فكرت روسا، ثم رسمت علامة الصليب بسرعة دون أن تراها أمي.

­ـ اسمع، ­ قال الخال روكي محدثا كارلوس عندما بقيا بمفردهما للعب الدومينو،أعتقد أن الأمور ستأخذ منحى سيئا.
ـ­ و ما أدراني أنا،من ألأفضل أن يجيب أليخاندرو بشكل يجعلها تشعر بالسعادة لفترة أطول، المسكينة في وضع حرج،و لا تستطيع حتي التفكير ب....

­ـ لا أحد تحدث عن ذلك يا فتى، لكني أقول بأن أمك ليست من اللواتي يتراجعن انه طبع عائلي.
قرأت أمي ،دون تعليق، جواب أليخاندرو المليء بالمراوغات، قال انه سيبحث إمكانية الحصول على عطلة بعد أن يتم بناء الشطر الأول من المعمل. و عندما قدمت ماريا لاورا، تلك الظهيرة، طلبت منها أمي أن تتدخل كي يأتي أليخاندرو إلي بوينس أيرس ولو لمدة أسبوع واحد.
فيما بعد أخبرت ماريا لاورا روسا أن أمي طلبت منها ذلك في الوقت الذي لم يعد احد يستطيع الاستماع إليها. كان الخال روكي أول من فطن إلى ما يفكرون به، دون أن يجرءوا على الإفصاح عنه، وعندما أملت أمي رسالة أخرى لاليخاندرو تحثه فيها على المجيء، قرروا انه لم يعد هناك بد من المحاولة و التأكد من أن أمي توجد في ظرف يسمح لها بتلقي أول خبر مزعج؛ فاتصل كارلوس الدكتور بونيفاث الذي نصحه بتوخي الحذر وببضع نقط من الدواء.
تركوا لذلك وقتا كافيا،و في إحدى المساءات الخال روكي وجلس عند آخر فراش أمي بينما كانت روسا تعد منقوع الماتيي وتنظر عبر زجاج الشرفة، بالقرب من صوان الأدوية.

­ـ الآن بدأت أفهم لماذا لم يقرر الشقي أليخاندرو المجيء لرؤيتنا، قال الخال روكي، ­ كل ما في الأمر انه لم يرد أن يقلق راحتك، فهو يعلم أنك لم تتعافي بعد.
نظرت إليه أمي كمن لا يفهم.
­ـ لقد اتصل آل نوبايي اليوم، ويبدو أن ماريا لاورا تلقت أخبارا من أليخاندرو،انه بخير، لكن ليس بمقدوره السفر لعدة أشهر.
­ـ لماذا لن يستطيع السفر؟ ­ سألت أمي.
­- لأنه قد أصيب بشيء في قدمه، في كاحله علي ما أعتقد يجب أن نسأل ماريا لاورا كي تخبرنا بما حصل. الشيخ نوبايي يتحدث عن كسر أو شيء من هذا القبيل.
­- كسر في الكاحل؟ ­ قالت أمي.
قبل أن يتمكن الخال روكي من الإجابة كانت روسا قد أحضرت قارورة النشادر، ثم جاء الدكتور بونيفاث وتم تجاوز الموقف في ساعات معدودة، لكنها كانت طويلة.أما الدكتور بونيفاث فلم يغادر منزل العائلة إلا بعد أن جن الليل.
بعد يومين،شعرت أمي بشبه تحسن فطلبت من بيبا أن تكاتب أليخاندرو، لم تفهم بيبا قصدها بادئ الأمر، فجاءت، كما العادة، برزمة الأوراق والقلم؛لكن أمي أغمضت عينيها وهزت رأسها نفيا.
­ـ اكتبي له أنت و قولي له أن يهتم بنفسه.

أطاعت بيبا الأمر، دون أن تفهم ما الذي يجعلها تكتب جملة تلو أخرى، إذا كانت أمي لن تقرأ الرسالة.
في ذلك المساء أخبرت كارلوس بأنها طوال الوقت،الذي كانت تكتب فيه الرسالة، تملكها إحساس صادق بأن أمي لن تقرأ أو توقع تلك الرسالة. بقيت مغمضة العينين و لم تفتحهما إلا عندما حان وقت تناولها لمنقوع الأعشاب، يبدو وكأنها نسيت نفسها و هي تفكر بأشياء أخري.
رد أليخاندرو بنبرة عادية للغاية، وقال أنه لم يرغب بإخبارها أمر الكسر كي لا يقلق راحتها؛ كان قد اختلط عليهم الأمر في البداية ووضعوا له جبسا فتوجب تغييره، لكنه الآن بخير وسيعاود المشي بعد أسابيع قليلة ، لكن أسوأ ما في الأمر هو التأخير الفادح الذي يعانيه عمله، و الذي حل في ظرف سيء ، و...
أما كارلوس الذي كان يقرأ الرسالة، فقد فطن إلى أن أمي لا تنصت كما في المرات السابقة،فهي تنظر إلى الساعة من حين لآخر وهذا دليل على نفاذ صبرها. يتعين على روسا أن تحضر الحساء و الدواء في السابعة وكانت قد تعدت الموعد بخمس دقائق.
- ­ حسنا، ­ قال كارلوس وهو يطوي الرسالة،ها أنت ­ ترين أن كل شيء علي ما يرام، وأن لا شيء قد حدث لفتاك المدلل.
- يبدو ذلك جليا، قالت أمي، اسمع، قل لروسا أن تسرع من فضلك.
استمعت أمي، باهتمام، لتوضيحات ماريا لاورا بخصوص الكسر الذي تعرض له أليخاندرو، كما أخبرتها أنها أوصته بتدليكات كانت قد جربتها مع والدها بعد حادثة ماتانثاس. ثم سألت بعد ذلك مباشرة، وكأنها تكمل نفس الجملة، أن يعطوها شيئا من ماء الورد الذي يساعدها دائما علي الاحتفاظ بصفاء ذهنها.
كانت ماريا لاورا أول من تكلم تلك الظهيرة، عندما أنبأت روسا بذلك، قبل رحيلها، وهما في البهو؛ و بقيت روسا واقفة تنظر إليها غير مصدقة لما سمعته.
- من فضلك، قالت روسا، كيف أمكنك أن تتخيلي شيئا كهذا ؟
- لم أتخيل شيئا، إنها الحقيقة، ردت ماريا لاورا، وأنا لن أعود مجددا يا روسا اطلبوا ما بدا لكم ، لكنني لن أعاود دخول هذه الغرفة ما حييت.
حقيقة لم يبد لأي منهم أن تخيلات ماريا لاورا عبثية بشكل مبالغ فيه، لكن كليليا لخصت شعورهم جميعا عندما قالت أن الواجب هو الواجب في بيت كبيتهم.
تحملت روسا عبء الذهاب إلى منزل آل نوبايي ، لثني روسا عن عزمها، لكن هذه الأخيرة أصيبت بنوبة بكاء هستيرية، لم يبق معه إلا احترام قرارها.مما حدا بروسا و بيبا إلى التلويح بتعليقات حول ماريا لاورا و ما يتوجب عليها استذكاره، و التعب الذي تعانيه. لم تقل أمي شيئا، وعندما حل يوم الخميس لم تسأل عن ماريا لاورا. ذاك الخميس كانت قد مرت عشرة أشهر على رحيل اليخاندرو إلى البرازيل، و الشركة راضية عن خدماته إلي الحد الذي جعلها تقترح عليه تجديد عقده لعام إضافي، يرحل بموجبه إلى مدينة بلين لإنشاء مصنع جديد.
بدا الأمر رائعا للخال روكي ، فهذا نجاح عظيم لشاب في مثل عمره.
- أليخاندرو كان الأذكى دائمان قالت أمي، مثلما أن كارلوس هو الأكثر مثابرة.
- معك حق، رد الخال روكي متسائلا ماذا حدث لكي تقول ماريا لاورا ما قالته، في الحقيقة يا أختاه فأبناءك يعدون مفخرة بحق.
- آه، ­ نعم، ليس لدي ما أشكو منه، كان أبوهم سيسر بمرآهم بعدما كبروا، البنات بجمالهن و طيبتهن، و كارلوس المسكين، رهبن شؤون المنزل.
- و أليخاندرو بمستقبله الباهر؟
- آه، نعم، ردت أمي.
- فلتنظري، إذن، إلى العقد الجديد الذي قدموه إليه.لذا فعندما تستعيدين صفاء ذهنك ردي على ابنك.
قد يبقى منشغل البال إذا علم أن أمر تجديد العقد لم يرق لك.
- آه، نعم، كررت أمي وهي تنظر إلى السماء الصافية، قل لبيبا أن تكتب إليه فهي تعلم ما يجب قوله.
قامت ََبيبا بكتابة الرد، دون أن تكون متيقنة مما يجب قوله لاليخاندرو لكنها كانت مقتنعة بضرورة كتابة نص متكامل متفادية بذلك التناقض عند الرد. فرح أليخاندرو،لان أمي تفهمت أخيرا مدى أهمية الفرصة التي أتيحت له. بالنسبة لإصابة كاحله فقد تحسنت كثيرا، وعما قريب سيطلب عطلة و بأتي لتمضيتها معهم.
أمنت أمي بإيماءة خفيفة، وسألت إن كانت جريدة لاراثون قد وصلت ليقرأ لها كارلوس ما تحمله من برقيات.
في المنزل يبدو كل شيء منظم، دون أدنى مجهود، بعد أن انتهت مرحلة الأزمات، واستقرت صحة أمي نسبيا. يتناوب الأبناء على رفقتها؛ فكل من الخال روكي و الخالة كليليا يدخلان عليها و يخرجان في أي وقت،كان كارلوس يقرأ لها الجريدة مساءا، بينما تتكفل بيبا بذلك في الصباح.أما الأدوية و الاستحمام فذلك من اختصاص روسا و الخالة كليليا. في حين يقوم الخال روكي باحتساء منقوع الماتيي في غرفتها مرتين إلى ثلاثة في اليوم. لم تكن أمي قط لوحدها ، ولم تسأل مطلقا عن ماريا لاورا، تصلها أخبار أليخاندرو مرة كل ثلاثة أسابيع، دون أن تعلق على ذلك، وتطلب من بيبا أن تتولى الرد، وتغير الموضوع،فهي دائما ذكية وحذرة وغامضة.
في تلك الفترة، بدا الخال روكي يقرا لها أخبارا عن التوتر الذي حصل مع البرازيل، أولى هذه الأنباء كانت مكتوبة في حاشية الجريدة، لكن أمي لم تكن تهتم بحسن القراءة وبعد بضعة أيام تعود الخال روكي على اختلاق الأخبار في الوقت المناسب. في البداية، كان يردف البرقيات المقلقة، بتعليق حول المشاكل التي سيجلبها هذا التوثر على أليخاندرو وباقي الأرجنتينيين في البرازيل، لكن لم يبدو على أمي أدنى اهتمام بالموضوع رغم أنه استمر في إضفاء بعض الخطورة عل الموقف كل يوم. يشير أليخاندرو في خطاباته إلى احتمال قطع العلاقات بين البلدين، رغم أن الفتى كان دائما متفائلا ومقتنعا بان المسئولين سيسوون الوضع.
لم تكن أمي تقدم تعليقات، ربما لأنه في نظرها لا زال هناك متسع من الوقت ليتمكن أليخاندرو من طلب عطلة. لكنها ذات ليلة، فاجأت الدكتور بونيفاث بسؤالها عن الأوضاع في البرازيل، إن كانت بمنتهى الخطورة كما تقول بذلك الجرائد.
- مع البرازيل؟ حسنا، نعم، فالأمور ليست على ما يرام، قال الدكتور، نتمنى أن يتفهم القادة...
نظرت إليه أمي باندهاش، لكونه أجابها بلا أدنى تردد، أطلقت تنهيدة خفيفة، وغيرت دفة الحديث. في تلك الليلة كانت أكثر حيوية منها في مرات سابقة، وغادر الدكتور بونيفاث وهو مرتاح. في اليوم الموالي مرضت الخالة كليليا، بدت الإغماءات شيئا عابرا و عاديا، لكن الدكتور بونيفاث تحدث مع الخال روكي ونصحه بضرورة إدخالها إلى إحدى المصحات.
بخصوص أمي التي كانت تستمع إلى أخبار البرازيل التي يقرأها كارلوس في جريدة المساء، فقد اخبروها بان الخالة كليليا أصيبت بصداع نصفي ألزمها الفراش.
كان أمامهم الليل بكامله ليفكروا بما سيقومون به، لكن الخال روكي كان يبدو منهمكا بعد حديثه مع الدكتور بونيفاث ، فوقعت المهمة على عاتق كارلوس وشقيقتيه. خطر على بال روسا فكرة ضيعة مانوليثا بايي والهواء النقي.
وفي اليوم الثاني لمرض الخالة، أدار كارلوس دفة الحديث بمهارة عالية، تبين معها كما لو أن أمي هي من أوصته بأخذ الخالة كليليا إلى ضيعة مانوليثا، فتكفل احد زملاء كارلوس في العمل بإيصالها إلى هناك بسيارته، لان السفر بالقطار شاق مع ما تعانيه من صداع.
رغبت الخالة كليليا أن تكون أول من يودع أمي وقد توسطت كارلوس والخال روكي وهي تمشي الهوينى، لتنصحها أمي بأخذ حذرها من البرد وأن لا تنسى تناول مسهل الفواكه قبل أن تنام.
- كانت كليليا اشد احتقانا، وقد خلفت لدي انطباعا سيئا.قالت أمي.
- آه، أياما قليلة في الضيعة وتسترد عافيتها سريعا، كانت متعبة في الأشهر الماضية، أتذكر بان مانوليثا عرضت مرافقتها إلى الضيعة.
- نعم؟ هذا غريب، لم تخبرني بذلك مطلقا.
- أعتقد أنها لم تشأ تكدر صفوك.
- كم من الوقت ستمضي هناك؟
بيبا لا تدري بالضبط، لكن سيسألون الدكتور بونيفاث فهو من نصحها بتغيير الأجواء.
لم تعد ماما للحديث عن الموضوع أياما عدة (في المصحة أصيبت الخالة كليليا بإغماء، فتناوبت روسا مع الخال روكي على الاعتناء بها).
قالت أمي: أتساءل متى ستعود كليليا؟
- ما هذا، لأول مرة تقرر المسكينة تركك لتغير الأجواء...
- نعم، لكن ما تعانيه ليس بالخطير حسب ما تقولون.
- بالتأكيد، فهي الآن بقيت بمحض إرادتها أو لمرافقة مانوليثا، فأنت تعلمين حجم الصداقة التي تربطهما.
- اتصلي بهم في الضيعة وتحري متى ستعود. قالت أمي.
هاتفت روسا الضيعة، واخبروها بان الخالة تحسنت، لكنها لا زالت تحس بعض الوهن. لذا تستغل وضعها للبقاء، فالجو رائع في أوليباريا.
- لا يعجبني ذلك مطلقا- قالت أمي- على كليليا أن تكون قد عادت.
- أرجوك يا أمي لا تنشغلي بذلك كثيرا. لماذا لا تتحسني سريعا وتذهبي مع كليليا مانوليثا لتصطافا بالضيعة؟
- أنا؟ قالت أمي وهي تنظر إلى كارلوس بشيء من الدهشة، أو الفضيحة أو الاهانة. تظاهر كارلوس بالضحك ليخفي إحساسه (الخالة في وضع خطير حسب ما أوردته بيبا) وقبلها على خذها مثل طفلة شقية.
- يا لك من ساذجة يا أماه، قال دون أن يحاول التفكير في أي شيء.
تلك الليلة نامت أمي بشكل سيء، ومنذ الصباح سألت عن كليليا، كأنما هو الوقت الذي بإمكانهم الحصول فيه على أخبار من الضيعة (الخالة كليليا على وشك الموت وقد قرروا إقامة مراسيم الدفن عن طريق جمعية الموتى). على الساعة الثامنة اتصلوا بالضيعة من هاتف البهو، حتى تتمكن أمي من سماع المحادثة، ولحسن الحظ كانت الخالة قد أمضت ليلتها بشكل جيد رغم أن طبيب مانوليثا نصحها بالبقاء مادام الجو جميلا وصحيا.
كان كارلوس سعيدا اليوم لان المكتب مغلق بسب الموازنة المالية وجاء بقميص النوم ليتناول النقيع ويتحدث مع أمي.
- اسمع – قالت أمي- عليك أن تكاتب أليخاندرو كي يحضر لرؤية خالته، كان دائما المفضل لدى كليليا ومن واجبه الحضور.
- لكن الخالة كليليا لا تعاني شيئا ذا بال، أليخاندرو لم يحضر حتى لرؤيتك أنت...
- اكتب له وقل له بان خالته مريضة وأن عليه الحضور لعيادتها.
-لكن كم مرة سنكرر لك بان ما أصاب الخالة كليليا ليس بالخطير.
- إن لم يكن خطيرا، هذا أحسن. لكن لن تخسر شيئا إن كاتبته.
كتبوا له في نفس تلك الظهيرة وقرؤوا الرسالة على أمي. في الأيام التي يحتمل أن يصل فيها رد من أليخاندرو ( واصلت الخالة تحسنها، لكن طبيب مانوليثا أصر على بقائها وأن تغتنم جو الضيعة الجميل)، تأزمت العلاقة مع البرازيل بشكل حاد. فأخبر كارلوس أمي بان التأخير الذي سيطال رسائل أليخاندرو ليس غريبا.
- يبدو مقصودا – قالت أمي- وسوف ترى انه هو كذلك لن يكون بمقدوره الحضور.
لم يجرؤ احد منهم أن يقرأ لها رسالة أليخاندرو. اجتمعوا في صالة الأكل،نظروا إلى مكان كليليا الفارغ و تبادلوا النظرات فيما بينهم و التردد يلفهم.
- محال، قال كارلوس، لقد تعودنا على هذه المسرحية إلى حد أن كل مشهد.............
- إذن خذها لها أنت، قالت بيبا و امتلأت عيناها بالدموع و جففتهما بالمنديل.
- ماذا تريدون، هناك حتما شيء ما، فكلما دخلت مخدعها انتظر مفاجأة، أو فخا تقريبا.
- الذنب ذنب ماريا لاورا،قالت روسا، هي من أوحى بالفكرة و ها قد أصبحنا عاجزين عن التصرف بتلقائية.
- الآن و قد قلتها، فقد خطر لي انه من الضروري الحديث مع ماريا لاورا، قال روكي، من الصواب أن تأتي بعد فترة الامتحانات و تخبر أمي بأن أليخاندرو لن يكون بقدوره السفر.
- لكن ألا يبدو لك أن أمي لم تعد تسأل عن ماريا لاورا رغم أن أليخاندرو يذكرها في رسائله؟
- دعك من ذلك، قال روكي، الأمور إما أن تنجز أو لا تنجز و انتهى الأمر.
تطلب الأمر من روسا ساعتين لإقناع ماريا لاورا، إنها افصل صديقاتها، كما أن ماريا لاورا كانت تحبهم كثيرا، حتى أمي علي الرغم من أنها تسبب لها الخوف.
كان من الضروري كتابة رسالة جيدة، تأتي بها ماريا لاورا مع باقة ورد و أقراص الماندرين التي تعجب أمي.لحسن الحظ انتهت الامتحانات المتعبة و قد اذهب إلى سانت فيسنت لارتاح قليلا.

- هواء القرية سيساعدك كثيرا، قالت أمي،بخصوص كليليا........بيبا هل اتصلت اليوم بالضيعة؟آه، نعم لقد تذكرت، فقد أخبرتني بذلك...ها قد مرت ثلاثة أسابيع على رحيل كليليا و ها أنت ترين...
مضت كل من ماريا لاورا وروسا تعلقان علي الموضوع، إلى أن جاءت صينية الشاي، قرأت ماريا لاورا لامي فقرات من رسالة أليخاندرو،و نبأ احتجازه المؤقت رفقة باقي التقنيين الأجانب في احد الفنادق الفخمة على نفقة الحكومة في انتظار أن يسوى النزاع.
لم تبد أمي أي رد فعل و اكتفت بشرب كأس من منقوع الزيزفون و استسلمت للنوم؛ بينما واصلت الفتاتان حديثهما خارجا.
كانت ماريا لاورا علي وشك الذهاب عندما خطرت لها فكرة الهاتف فأسرتها لروسا، لقد سبق لكارلوس و فكر بذلك. و فيما بعد تحدثت مع الخال روكي الذي هز كتفيه حائرا. في مواجهة هذه المواقف،لم يبق حل سوى القيام بتحرك و متابعة قراءة الجريدة.أخبرت بيبا و روسا كارلوس بالأمر، الذي لم يستطع تقديم أي تفسير سوى قبول ما يرفض الآخرون قبوله.
- سوف نرى، قال كارلوس،لا زال بالإمكان أن يخطر ببالها الأمر وتطلب ذلك منا وفي هذه الحالة....
لم يحدث قط أن طلبت أمي الهاتف لتتحدث مباشرة مع الخالة كليليا، بل كانت تسأل،في كل صباح،إذا كان هناك مستجدات من الضيعة، ثم تعود إلى صمتها حيث الزمن يقاس بجرعات الدواء و أكواب النقيع. لم يكن يزعجها مجيء الخال روكي بجريدة لاراثون ليقرأ لها مستجدات الأزمة مع البرازيل، كما لا يبدو عليها الاهتمام إذا تأخرت الجريدة في الوصول ، أو إذا استغرق الخال روكي في تسليته المعتادة في حل مسائل الشطرنج.
اقتنعت بيبا و روسا بأن أمي لم تعد تولي اهتماما لأخبار الجريدة، أو الضيعة و لا حتى رسائل أليخاندرو.لكن لم يتسنى التأكد من ذلك، لأنها في بعض الأحيان ترفع رأسها وتنظر إليهم بنظرتها العميقة التي لا توحي بأي تغيير أو استسلام.
سيطر الروتين على الجميع بلا استثناء، فقد اعتادت روسا الاتصال بالضيعة و أضحى ذلك شأنا يوميا وجب القيام به؛ كما هو الحال مع الخال روكي الذي يتابع قراءة البرقيات الكاذبة على الخلفية الخاصة بالإعلانات، أو بالنسبة لكارلوس الذي يدخل بحكاياته المستوحاة من زيارته للضيعة، و أكياس الفاكهة التي أرسلتها مانوليثا و الخالة كليليا؛ ولم يغيروا من عاداتهم حتى في شهور أمي الأخيرة، علي الرغم من أن الأمر لم تعد له أهمية تقريبا.لحسن الحظ، فقد أخبرهم الدكتور بونيفاث أن أمي لن تعاني شيئا و أنها ستفارق الحياة دون معاناة.
لكن أمي حافظت على صفاء ذهنها حتى النهاية، حين أحاط بها الأبناء دون أن يتمكنوا من اصطناع مشاعر بديلة كما كانوا يفعلون من قبل.
- كم كنتم طيبين معي، قالت أمي، تحملتم كل هذا من اجلي، حتى لا أتألم.
كان الخال روكي جالسا بجانبها يداعب يدها بوداعة،بينما تظاهرت كل من بيبا و روسا بالبحث عن شيء في الصوان،و هما تعلمان بأن ماريا لاورا كانت على حق،أدركتا ما كانتا تدركانه منذ البداية.
- اعتنيتم بي كثيرا، قالت أمي،في حين ضغطت بيبا يد شقيقتها، لان ما قالته رتب كل شيء، وأنهى فصول المسرحية الطويلة، لكن كارلوس كان ينظر إلى أمي كأنما يعلم أنها ستبوح بشيء آخر.
- الآن يمكنكم أن ترتاحوا، قالت أمي، و لن أسبب لكم مزيدا من التعب. أراد لخال روكي أن يحتج، لكن كارلوس اقترب منه و ضغط بقوة على كتفه،غفت أمي شيئا فشيئا، وكان من الأفضل عدم إزعاجها.
بعد الجنازة بثلاثة أيام، وصلت آخر رسالة من أليخاندرو،حيث كان يسأل كالمعتاد عن صحة أمي و الخالة كليليا،روسا هي من توصل بالرسالة، فتحتها و بدأت تقرأ بلا تفكير و الدموع تغالبها، وعندما رفعت بصرها انتبهت إلى أنها كانت تفكر بطريقة تنعي بها خبر وفاة أمي إلى أليخاندرو.

انتهى بحمد الله

نشرت الترجمة في موقع الورشة الثقافي
http://alwarsha.com/modules.php?name=News&file=article&sid=4320
يوم
الأربعاء 26 مارس 2008

الأربعاء، 12 أغسطس 2009

أحوال المرضى -1-

النص للكاتب الأرجنتيني خوليو كورتاثر
ترجمة: توفيق البوركي


عندما اعتلت صحة الخالة كليليا بشكل غير متوقع، أصيبت العائلة بالارتباك، ولم يتمكن أحد لعدة ساعات من اخذ المبادرة و مناقشة خطة للتعامل مع الموقف، نفس الشيء ينطبق على الخال روكي الذي غالبا ما كان يجد الحل الصائب. اتصلوا بكارلوس في المكتب، في حين ودعت كل من روسا وبيبا تلاميذ البيانو والسولفيج،أما الخالة كليليا فانشغلت بأمي أكثر من انشغالها بنفسها؛ كانت متأكدة أن ما تشعر به ليس خطيرا، لكن ليس بإمكانهم أن يخبروا أمي انباءا سيئة بسبب مع ما تعانيه من سكري وضغط دم غير مستقر، زد على ذلك أنهم و بلا استثناء يعلمون بأن الدكتور بونيفاث كان أول من تفهم وأيد فكرة إخفاء ما حدث لاليخاندرو عن أمي.أما لو أجبرت الخالة كليليا على ملازمة الفراش، فمن الضروري إيجاد طريقة لا تشك معها أن الخالة مريضة، لكن مشكل أليخاندرو أضحى عويصا، والآن قد إنضاف هذا الأمر أيضا،فلو حدث أدنى خطأ سينتهي بها الأمر إلى معرفة الحقيقة.
رغم أن المنزل كان كبيرا،فقد وجب الأخذ بعين الاعتبار سمع أمي المرهف وقدرتها المقلقة ، علي تخمين مكان كل واحد منا.كانت بيبا قد اتصلت بالدكتور بونيفاث،و أنبأت أشقائها بأن الطبيب سيأتي في أقرب وقت ممكن، وطلبت منهم أن يبقوا الباب مواربا كي يدخل دون نداء.
بينما كان كل من الخال روكي و روسا يعتنيان بالخالة كليليا التي أغمي عليها مرتين وتشكو من صداع رهيب، بقي كارلوس مع أمي ليحكي لها مستجدات الأزمة الدبلوماسية مع البرازيل ويقرأ لها آخر الأخبار. كان مزاج أمي رائقا طيلة تلك الظهيرة، ولم يؤلمها خصرها كما يحدث دائما وقت القيلولة، ومضت تسأل الجميع عما يجعلهم عصبيين لهذا الحد، كل من بالبيت صار يتحدث عن انخفاض الضغط و عن التأثيرات السيئة للمحسنات التي لحقت الخبز. جاء الخال روكي عند وقت الشاي لتبادل الحديث مع أمي،مما مكن كارلوس من الاستحمام و البقاء في انتظار قدوم الطبيب. تحسنت حالة الخالة كليليا ، لكن الحركة في الفراش تكلفها الكثير، كما أنها لم تعد تهتم تقريبا مثلما كان الحال عند خروجها من أول غيبوبة. كانت كل من بيبا وروسا تتناوبان رعايتها، وتقدمان لها الشاي والماء دون أن تجيبهما. هدأ المنزل عند آخر النهار وارتأى الأخوة إلى أن ما حصل للخالة كليليا ربما ليس بالأمر الخطير وأنها في مساء اليوم القادم ستعاود دخول مخدع أمي كأن شيئا لم يكن.
بخصوص أليخاندرو كانت الأمور قد ازدادت سوءا، لأنه لقي مصرعه في حادث سير قبيل وصوله إلي مدينة 'مونتيفيديو' حيث كانوا ينتظرونه في منزل مهندس من أصدقائه. لقد مر علي ذلك حوالي العام، لكنه بالنسبة لأشقائه و أخواله كما لو انه حدث البارحة.. بالنسبة لهم جميعا باستثناء أمي، فهو في تصورها يوجد في البرازيل، حيث يشتغل لصالح شركة في مدينة رثيفي التي كلفته بإنشاء مصنع للإسمنت .لم تخطر ببالهم فكرة تهيئ أمي نفسيا و التلميح لها بأن أليخاندرو تعرض لحادث وأنه قد أصيب إصابة طفيفة، خاصة بعد تحذيرات الدكتور بونيفاث. ماريا لاورا، التي كانت في الساعات الأولي في حالة لا تسمح لها باستيعاب أي شيء، ارتأت إلى انه ليس بالإمكان إبلاغ أمي بالخبر. سافر كارلوس رفقة والد ماريا لاورا إلي لأوروجواي لاستلام الجثة، فيما واصلت العائلة رعايتها المعتادة لامي التي كانت في ذلك اليوم متألمة وحادة المزاج .
قبل نادي المهندسين أن يكون المأتم في مقره، وهكذا لم تتمكن بيبا، الأكثر انشغالا بأمي، من رؤية نعش أليخاندرو، بينما تناوب الآخرون بمرافقة ماريا لاورا المسكينة الغارقة في رعب بلا دموع. وكما يحدث دائما، وقعت علي عائق الخال روكي مهمة التفكير. تحدث فجرا مع كارلوس الذي كان يبكي أخاه بصمت مسندا رأسه علي المفرش الأخضر لطاولة الطعام حيث لعبا مرارا لعبة الورق ، فيما بعد انضمت إليهما الخالة كليليا لأن أمي تنام طوال الليل فلا تتوجب العناية بها؛ بعد موافقة ضمنية من روسا وََبيبا، قرروا بدء الإجراءات الأولية، بدءا بحجز جريدة لاناثيون، فأحيانا تروق لامي مطالعة الجريدة لبعض الوقت. ووافقوا جميعا علي ما توصل إليه الخال روكي: حدث أن تعاقدت إحدى الشركات البرازيلية مع أليخاندرو كي يمضي عاما برثيفي، مما اضطره بعد مرور بضع ساعات إلي إلغاء عطلته القصيرة بمنزل صديقه المهندس فحزم حقيبته واستقل أول طائرة كانت متوجهة إلى البرازيل. كان علي أمي أن تفهم أن الزمن قد تغير، وأن الرأسماليين لا يأبهون بالمشاعر. لكن أليخاندرو حتما سيجد وسيلة للحصول علي عطلة في منتصف العام، والنزول إلي بوينس أيرس. بدا كل ذلك لأمي جيدا للغاية رغم أنها بكت قليلا واضطروا لجعلها تستنشق النشادر. وقال لها كارلوس الذي يعرف كيف يجعلها تضحك أنه من المخجل أن تبكي لأول نجاح يحققه فتى العائلة الصغير؛ كما أن الأمر لن يروق لاليخاندرو، إذا علم بأنهم استقبلوا الخبر على هذا النحو.
حينئذ هدأت أمي وقالت إنها ستشرب نخب صحة أليخاندرو،فخرج كارلوس فجأة لجلب النبيذ، لكن روسا هي التي أحضرته وشربت النخب مع أمي.
كانت حياة أمي صعبة للغاية، رغم أنها نادرا ما تشكو إلا أن من الضروري فعل المستحيل لتسليتها والترويح عنها. في اليوم التالي لجنازة أليخاندرو تعجبت لكون ماريا لاورا لم تأتي لزيارتها كما دأبت على ذلك كل خميس.عندها ذهبت بيبا إلي منزل آل نوبايي للتحدث مع ماريا لاورا. في تلك اللحظة كان الخال روكي، في مكتب احد أصدقائه المحامين يشرح له الموقف، فتعهد المحامي، على الفور، بالكتابة إلى أخيه الذي يعمل برثيفي، لترتيب ما يتعلق بالمراسلات.
كان الدكتور بونيفاث قد زار أمي بالصدفة،كعادته، و بعد أن فحصها، وجد أن نظرها قد تحسن بشكل جيد لكنه طلب منها الكف عن قراءة الجريدة لبضعة أيام، فتكلفت الخالة كليليا بأن تقرأ لها أهم الأنباء، ولحسن الحظ فإن أمي لم تكن تحب نشرات الأخبار الإذاعية لأنها مبتذلة ويوجد بها من حين لآخر إعلانات عن عقاقير غير آمنة بالمرة يتعاطاها الناس لطرد نزلات البرد و الدوار.
جاءت ماريا لاورا يوم الجمعة وقت الظهيرة وتحدثت عن كثرة ما يتوجب عليها مراجعته من أجل اختبارات الهندسة المعمارية.
ـ نعم يابنيتي، قالت أمي ناظرة لها بحنان، عيناك محمرتان من كثرة القراءة وهذا سيء، عليك بكمادات منقوع أوراق الهماميليس، فهي أفضل علاج يوجد حاليا.
ََبيبا وروسا كانتا هناك للتدخل في الحوار في كل حين، واستطاعت ماريا لاورا أن تتمالك نفسها، حتى أنها تبسمت عندما بدأت أمي في الحديث عن خطيبها الشقي هذا الذي سافر بعيدا هكذا دون أن يعلمهم بذلك. هكذا هم شباب اليوم، لقد جن العالم والجميع في عجلة من آمرهم ولا وقت لديهم لأي شيء. بعد ذلك غرقت أمي في حكايات الآباء والأجداد المعروفة سلفا، إلى أن جاءت صينية القهوة، ودخل كارلوس بنكات وحكايات، وفي إحدى اللحظات توقف الخال روكي عند باب الغرفة ونظر إليهم بدماثته المعهودة، ومر كل شيء كما ينبغي حتى حان وقت راحة أمي.

يتبع.........

الأحد، 5 يوليو 2009

سلة المهملات



إهداء:
إلى الصديق محمد أنديش


لويس ماتيو ديث
ترجمة: توفيق البوركي


كنت قد رأيت، على اقل تقدير، سبعة أو ثمانية أشخاص، لا يوحي مظهر أحد منهم بأنه شحاذ، يُدخلون أيديهم في سلة مهملات كانت متبثة إلى عمود إنارة قريب من موقف السيارات حيث اترك سيارتي كل صباح.

كان حدثا تافها، خلف عندي نوعا من البغض، لأنه من الصعب أن تطرد عنك صورة تلك العادة القبيحة خصوصا إذا فكرنا فيما يمكن أن تحويه سلة مهملات من مفاجآت قذرة.

الأربعاء، 1 يوليو 2009

إلى روح أمي


قصة: ماريو بنيدتي
ترجمة: توفيق البوركي


نعم يا سيدي، أنا أدعى إدواردو، سألتني لتفتح معي باب الحديث، و أنا أستطيع أن أفهم ذلك، لكنك منذ وقت طويل و أنت تعرفني، ولو عن بعد، كما أعرفك أنا أيضا، منذ الفترة التي بدأت تلتقي فيها أمي بمقهى لارانياغا وريفيرا، لا تعتقد بأنني كنت أتجسس عليكما، لا شيء من ذلك البتة، ربما تفكر بذلك، هذا لأنك لا تعرف كل القصة أو ربما لم تحكها لك أمي؟ منذ مدة و أنا أريد الحديث معك، لكنني لم أتجرأ، لذا فأنا أشكرك لأنك بادرت بذلك. هل تعلم لِم أتوق للحدث معك؟ لأن لدي انطباع بأنك رجل طيب، و أمي كذلك كانت إنسانة طيبة. في البيت، لم نكن نتكلم كثيرا فيما بينا، إما أن يسود الصّمت، وإلا فإنّ أبي هو من يأخذ زمام الكلام، لكنه ما أن يعود ثملاً، تقريبا في كل الليالي، حتى ينفرد بالكلام وحينئذ يبدأ بالصراخ.

الأحد، 28 يونيو 2009

شيء خطير جدا سيحدث في هذه القرية.


قصة: غابرييل غارثيا ماركيث
تعريب: توفيق البوركي


تخيل يا سيدي قرية صغيرة، حيث تقطن سيدة عجوز مع ولديها؛ ابن في السابعة عشرة من عمره وابنة في الرابعة عشرة. ذات صباح، كانت تقدم لهما وجبة الإفطار وعلى محياها تبدو سيماء القلق والانزعاج. تساءل الابنان عما بها، فأجابتهما:
- لا أدري، لكنني استيقظت وعندي هاجس بأن أمرا جللا سوف يحدث في هذه القرية. ضحك الابنان من أمهما، وقللا من أهمية ما قالت واعتبرا الأمر هواجس عجوز ليس إلا. ذهب الفتى ليلعب البليارد، وفي اللحظة التي كان يستعد فيها لبدء اللعبة، قال له لاعب آخر:
- لن تربح اللعبة، لذا أراهنك على بيزو.

الجمعة، 26 يونيو 2009

الحدائق الموصولة


قصة: خوليو كورتاثر
ترجمة: توفيق البوركي ومحمد أنديش

كان قد بدأ قراءة الرواية قبل بضعة أيام، إلا أن أشغالا مستعجلة أجبرته على تركها؛ ثم عاد لتصفحها، في القطار، أثناء رجوعه إلى الضيعة. كان مستسلما لاهتمامه المتنامي بالحبكة وبرسم الشخصيات.
ذاك المساء، وبعد أن أتم كتابة رسالة إلى وكيله وناقش مع رئيس الخدم مسألة تتعلّق العمل، عاد إلى قراءة الكتاب في هدوء مكتبه المطل على حديقة البلوط. استلقى على كرسيه الأثير، موليا ظهره إلى الباب، الذي يرى فيه مسببا محتملا للإزعاج؛ تاركا يده اليسرى تداعب بين الفينة والأخرى، القطيفة الخضراء، وانهمك في قراءة الفصول الأخيرة.