الأربعاء، 12 أغسطس 2009

أحوال المرضى -1-

النص للكاتب الأرجنتيني خوليو كورتاثر
ترجمة: توفيق البوركي


عندما اعتلت صحة الخالة كليليا بشكل غير متوقع، أصيبت العائلة بالارتباك، ولم يتمكن أحد لعدة ساعات من اخذ المبادرة و مناقشة خطة للتعامل مع الموقف، نفس الشيء ينطبق على الخال روكي الذي غالبا ما كان يجد الحل الصائب. اتصلوا بكارلوس في المكتب، في حين ودعت كل من روسا وبيبا تلاميذ البيانو والسولفيج،أما الخالة كليليا فانشغلت بأمي أكثر من انشغالها بنفسها؛ كانت متأكدة أن ما تشعر به ليس خطيرا، لكن ليس بإمكانهم أن يخبروا أمي انباءا سيئة بسبب مع ما تعانيه من سكري وضغط دم غير مستقر، زد على ذلك أنهم و بلا استثناء يعلمون بأن الدكتور بونيفاث كان أول من تفهم وأيد فكرة إخفاء ما حدث لاليخاندرو عن أمي.أما لو أجبرت الخالة كليليا على ملازمة الفراش، فمن الضروري إيجاد طريقة لا تشك معها أن الخالة مريضة، لكن مشكل أليخاندرو أضحى عويصا، والآن قد إنضاف هذا الأمر أيضا،فلو حدث أدنى خطأ سينتهي بها الأمر إلى معرفة الحقيقة.
رغم أن المنزل كان كبيرا،فقد وجب الأخذ بعين الاعتبار سمع أمي المرهف وقدرتها المقلقة ، علي تخمين مكان كل واحد منا.كانت بيبا قد اتصلت بالدكتور بونيفاث،و أنبأت أشقائها بأن الطبيب سيأتي في أقرب وقت ممكن، وطلبت منهم أن يبقوا الباب مواربا كي يدخل دون نداء.
بينما كان كل من الخال روكي و روسا يعتنيان بالخالة كليليا التي أغمي عليها مرتين وتشكو من صداع رهيب، بقي كارلوس مع أمي ليحكي لها مستجدات الأزمة الدبلوماسية مع البرازيل ويقرأ لها آخر الأخبار. كان مزاج أمي رائقا طيلة تلك الظهيرة، ولم يؤلمها خصرها كما يحدث دائما وقت القيلولة، ومضت تسأل الجميع عما يجعلهم عصبيين لهذا الحد، كل من بالبيت صار يتحدث عن انخفاض الضغط و عن التأثيرات السيئة للمحسنات التي لحقت الخبز. جاء الخال روكي عند وقت الشاي لتبادل الحديث مع أمي،مما مكن كارلوس من الاستحمام و البقاء في انتظار قدوم الطبيب. تحسنت حالة الخالة كليليا ، لكن الحركة في الفراش تكلفها الكثير، كما أنها لم تعد تهتم تقريبا مثلما كان الحال عند خروجها من أول غيبوبة. كانت كل من بيبا وروسا تتناوبان رعايتها، وتقدمان لها الشاي والماء دون أن تجيبهما. هدأ المنزل عند آخر النهار وارتأى الأخوة إلى أن ما حصل للخالة كليليا ربما ليس بالأمر الخطير وأنها في مساء اليوم القادم ستعاود دخول مخدع أمي كأن شيئا لم يكن.
بخصوص أليخاندرو كانت الأمور قد ازدادت سوءا، لأنه لقي مصرعه في حادث سير قبيل وصوله إلي مدينة 'مونتيفيديو' حيث كانوا ينتظرونه في منزل مهندس من أصدقائه. لقد مر علي ذلك حوالي العام، لكنه بالنسبة لأشقائه و أخواله كما لو انه حدث البارحة.. بالنسبة لهم جميعا باستثناء أمي، فهو في تصورها يوجد في البرازيل، حيث يشتغل لصالح شركة في مدينة رثيفي التي كلفته بإنشاء مصنع للإسمنت .لم تخطر ببالهم فكرة تهيئ أمي نفسيا و التلميح لها بأن أليخاندرو تعرض لحادث وأنه قد أصيب إصابة طفيفة، خاصة بعد تحذيرات الدكتور بونيفاث. ماريا لاورا، التي كانت في الساعات الأولي في حالة لا تسمح لها باستيعاب أي شيء، ارتأت إلى انه ليس بالإمكان إبلاغ أمي بالخبر. سافر كارلوس رفقة والد ماريا لاورا إلي لأوروجواي لاستلام الجثة، فيما واصلت العائلة رعايتها المعتادة لامي التي كانت في ذلك اليوم متألمة وحادة المزاج .
قبل نادي المهندسين أن يكون المأتم في مقره، وهكذا لم تتمكن بيبا، الأكثر انشغالا بأمي، من رؤية نعش أليخاندرو، بينما تناوب الآخرون بمرافقة ماريا لاورا المسكينة الغارقة في رعب بلا دموع. وكما يحدث دائما، وقعت علي عائق الخال روكي مهمة التفكير. تحدث فجرا مع كارلوس الذي كان يبكي أخاه بصمت مسندا رأسه علي المفرش الأخضر لطاولة الطعام حيث لعبا مرارا لعبة الورق ، فيما بعد انضمت إليهما الخالة كليليا لأن أمي تنام طوال الليل فلا تتوجب العناية بها؛ بعد موافقة ضمنية من روسا وََبيبا، قرروا بدء الإجراءات الأولية، بدءا بحجز جريدة لاناثيون، فأحيانا تروق لامي مطالعة الجريدة لبعض الوقت. ووافقوا جميعا علي ما توصل إليه الخال روكي: حدث أن تعاقدت إحدى الشركات البرازيلية مع أليخاندرو كي يمضي عاما برثيفي، مما اضطره بعد مرور بضع ساعات إلي إلغاء عطلته القصيرة بمنزل صديقه المهندس فحزم حقيبته واستقل أول طائرة كانت متوجهة إلى البرازيل. كان علي أمي أن تفهم أن الزمن قد تغير، وأن الرأسماليين لا يأبهون بالمشاعر. لكن أليخاندرو حتما سيجد وسيلة للحصول علي عطلة في منتصف العام، والنزول إلي بوينس أيرس. بدا كل ذلك لأمي جيدا للغاية رغم أنها بكت قليلا واضطروا لجعلها تستنشق النشادر. وقال لها كارلوس الذي يعرف كيف يجعلها تضحك أنه من المخجل أن تبكي لأول نجاح يحققه فتى العائلة الصغير؛ كما أن الأمر لن يروق لاليخاندرو، إذا علم بأنهم استقبلوا الخبر على هذا النحو.
حينئذ هدأت أمي وقالت إنها ستشرب نخب صحة أليخاندرو،فخرج كارلوس فجأة لجلب النبيذ، لكن روسا هي التي أحضرته وشربت النخب مع أمي.
كانت حياة أمي صعبة للغاية، رغم أنها نادرا ما تشكو إلا أن من الضروري فعل المستحيل لتسليتها والترويح عنها. في اليوم التالي لجنازة أليخاندرو تعجبت لكون ماريا لاورا لم تأتي لزيارتها كما دأبت على ذلك كل خميس.عندها ذهبت بيبا إلي منزل آل نوبايي للتحدث مع ماريا لاورا. في تلك اللحظة كان الخال روكي، في مكتب احد أصدقائه المحامين يشرح له الموقف، فتعهد المحامي، على الفور، بالكتابة إلى أخيه الذي يعمل برثيفي، لترتيب ما يتعلق بالمراسلات.
كان الدكتور بونيفاث قد زار أمي بالصدفة،كعادته، و بعد أن فحصها، وجد أن نظرها قد تحسن بشكل جيد لكنه طلب منها الكف عن قراءة الجريدة لبضعة أيام، فتكلفت الخالة كليليا بأن تقرأ لها أهم الأنباء، ولحسن الحظ فإن أمي لم تكن تحب نشرات الأخبار الإذاعية لأنها مبتذلة ويوجد بها من حين لآخر إعلانات عن عقاقير غير آمنة بالمرة يتعاطاها الناس لطرد نزلات البرد و الدوار.
جاءت ماريا لاورا يوم الجمعة وقت الظهيرة وتحدثت عن كثرة ما يتوجب عليها مراجعته من أجل اختبارات الهندسة المعمارية.
ـ نعم يابنيتي، قالت أمي ناظرة لها بحنان، عيناك محمرتان من كثرة القراءة وهذا سيء، عليك بكمادات منقوع أوراق الهماميليس، فهي أفضل علاج يوجد حاليا.
ََبيبا وروسا كانتا هناك للتدخل في الحوار في كل حين، واستطاعت ماريا لاورا أن تتمالك نفسها، حتى أنها تبسمت عندما بدأت أمي في الحديث عن خطيبها الشقي هذا الذي سافر بعيدا هكذا دون أن يعلمهم بذلك. هكذا هم شباب اليوم، لقد جن العالم والجميع في عجلة من آمرهم ولا وقت لديهم لأي شيء. بعد ذلك غرقت أمي في حكايات الآباء والأجداد المعروفة سلفا، إلى أن جاءت صينية القهوة، ودخل كارلوس بنكات وحكايات، وفي إحدى اللحظات توقف الخال روكي عند باب الغرفة ونظر إليهم بدماثته المعهودة، ومر كل شيء كما ينبغي حتى حان وقت راحة أمي.

يتبع.........

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق