الأحد، 28 يونيو 2009

شيء خطير جدا سيحدث في هذه القرية.


قصة: غابرييل غارثيا ماركيث
تعريب: توفيق البوركي


تخيل يا سيدي قرية صغيرة، حيث تقطن سيدة عجوز مع ولديها؛ ابن في السابعة عشرة من عمره وابنة في الرابعة عشرة. ذات صباح، كانت تقدم لهما وجبة الإفطار وعلى محياها تبدو سيماء القلق والانزعاج. تساءل الابنان عما بها، فأجابتهما:
- لا أدري، لكنني استيقظت وعندي هاجس بأن أمرا جللا سوف يحدث في هذه القرية. ضحك الابنان من أمهما، وقللا من أهمية ما قالت واعتبرا الأمر هواجس عجوز ليس إلا. ذهب الفتى ليلعب البليارد، وفي اللحظة التي كان يستعد فيها لبدء اللعبة، قال له لاعب آخر:
- لن تربح اللعبة، لذا أراهنك على بيزو. ضحك الجميع بمن فيهم هو، فسدد الكرة وأخطأ الهدف، فانسحب وأدى البيزو لصاحبه. فتساءل الباقون عن سبب إخفاقه رغم سهولة اللعبة؛ فرد قائلا:
- هذا صحيح، لكني منزعج بما حدثتني به أمي هذا الصباح، قالت بأن شيئا خطيرا جدا سيحصل في القرية.
سخروا منه جميعا، بينما عاد الذي ربح البيزو إلى منزله مزهوا بغنيمته، حيث
حيث سيجد أمه أو حفيدته أو أية قريبة أخرى.
قال:
-لقد ربحت هذا البيزو من داماسو دون عناء يذكر، لأنه أبله.
- و لم هو كذلك؟ ردت الأم.
- لم يستطع أن يلعب أسهل لعبة على الإطلاق، فقد ظل منشغلا بما تكهنت به أمه عن مصيبة ستحل بالقرية.
ردت الأم:
- لا تستهزئ بتكهنات العجائز، فأحيانا تصدق تخميناتهن.
سمعت قريبته ما دار بينه و بين الأم من حديث و خرجت لتشتري اللحم. قالت مخاطبة الجزار:
- أريد رطلا من اللحم، وفي تلك اللحظة التي كان الجزار يقطع شرائح اللحم، أضافت:
-
اجعلهما
رطلين، فهناك إشاعة يتداولونها عن شيء خطير جدا سيحدث في القرية، ومن الأفضل أن نستعد من الآن.
عرض الجزار بضاعته، وعندما قدمت سيدة أخرى لتشتري رطلا من اللحم، نصحها قائلا:
- فلتأخذي رطلين، فالناس يتداولون أن شيئا خطيرا سيحدث، وهم يستعدون لذلك ويقتنون ما يكفيهم من مؤن.
حينئذ ردت المرأة:
- اسمع من الأفضل أخذ أربعة أرطال، فلي العديد من الأولاد.
هكذا بيعت الأرطال الأربعة، وحتى لا نطيل الحكاية، أقول نفد كل اللحم في نصف ساعة، فذبح الجزار بقرة أخرى، بيعت بكاملها، ومع ذلك استمرت الإشاعة في التناسل.
حانت لحظة الحسم، فاحتشد كل سكان القرية ينتظرون حدوث شيء مريب.وقد شلت الحركة كليا، وبشكل مفاجئ، ارتفعت درجة الحرارة بشكل اعتيادي، على الساعة الثانية زوالا.
قال أحدهم:
- هل انتبهتم إلى ما يجري، جو قائظ على غير العادة؟
- نعم، لكن طقس هذه القرية حار بشكل دائم.
( حر شديد، ففي هذه القرية لا يعزف موسيقيوها إلا في الظل، ولو فعلوا ذلك تحت أشعة الشمس لتهشمت آلاتهم المصنوعة من القار).
- مع ذلك – قال احدهم- في مثل هذه الساعة لم نشهد حرا كهذا.
- لكنها الساعة الثانية، و فيها يصل الحر ذروته.
- نعم، لكن ليس بالصورة التي عليها الآن.
في تلك القرية المقفرة، وفي ساحتها الخالية حط طائر صغير، فتعالى صوت:
- هناك طائر صغير حط في الساحة.
فتقدم الكل ليروا الطائر وأمارات الذعر بادية عليهم.
- لكن يا سادة، ليس أمر الطائر بغريب، فعادة ما تهبط الطيور في الساحة.
- نعم، لكن ليس في مثل هذا الوقت.
للحظة ساد توتر شديد بين سكان القرية، يئسوا جميعهم، فخامرتهم فكرة الرحيل، لكن لا أحد منهم امتلك ما يكفي من الشجاعة ليرحل.
صاح أحدهم:
- أما أنا، فمغامر و سأرحل.
حمل أثاثه وأبناءه ودوابه؛ حشر الكل في عربة وعبر الشارع تاركا الكل ينظر إليه. إلى أن قال احدهم:
- ما دام هذا قد تجرأ على الرحيل، فسنرحل نحن أيضا.
و بدؤوا في إخلاء القرية نهائيا، فحملوا أغراضهم و دوابهم و لم يدعوا فيها شيئا.
آخر أولئك الذين غادروا القرية، أضرم النار في منزله وهو يصيح:
- حتى لا تحل المصيبة على آخر ما تبقى من داري.
فحذا حذوه الآخرون و أحرقوا منازلهم.
فروا في رعب حقيقي، كمن فر من حرب ضروس، و بين ظهرانيهم تسير العجوز صاحبة النبوءة وهي تقول:
- ألم أقل إن شيئا خطيرا جدا سيحدث في هذه القرية، واتهموني بالحمق.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النص الأصلي يوجد على هذا الرابط:
http://www.ciudadseva.com/textos/cuentos/esp/ggm/algomuy.htm
تمت ترجمتها في 01/08/2008

نشرت على موقع الورشة الثقافي بتاريخ 25 يونيو 2009

هناك تعليقان (2):

  1. أزال المؤلف هذا التعليق.

    ردحذف
  2. نشر هذا النص ضمن كتاب غابرييل غارثيا ماركيث الذي صدر مؤخراعن دار النشر موندادوري ببرشلونة 2010 باللغة الاسبانية بعنوان :Yo no vengo a decir un discurso "لم آت لإلقاء خطبة‮" ‬والذي يضم‮ ‬22‮ ‬خطبة كتبها علي طول حياته ليقرأها على الجمهور ويقع الكتاب في 160 صفحة‮.

    ردحذف