السبت، 21 يناير 2017

موهبة الشقاء (قصص)

موهبة الشقاء (قصص)
خوان خوصّي ميّاس
ترجمةالقاص السعودي عبد الله ناصر



1
كانت مجنونة

كم يبدو غريباً كل شيء. أعرف صديقةً تشغل منصباً هاماً في مختبرات الصيدلة. كانت صغيرة وذات بشرةٍ داكنة، وقد تمكنتْ -لا أدري بأي حيلة -من المحافظة على تلك البُنية المراهِقة التي تغمر جسدها بالكامل. كانت تعابيرها باردةً نوعاً ما، ولكن دقيقة جداً كما لو أنها تعلمت القراءة من تلك المنشورات الطبية القديمة التي ترتكز إلى المصطلحات الجميلة والغامضة مثل الانتفلوجستيك. كانت تنعم بحياةٍ زوجيةٍ هانئة، إذ كان زوجها لا يميل إلى حفلات العمل ويفضّل عليها بهجة البيت البسيطة. وقد تكشفت علامات نبوغ ابنهما المراهق الذي لا يشرب البيرة في الشارع. كانوا إذن سعداء حقاً. كنا نلتقي بالعادة صباح كل أحد بالقرب من متجرٍ للطوابع البريدية في ساحة مايور. كانت تقتنص أفضل الطوابع بأفضل الأسعار، غير أن مجموعتي أكثر قيمةً منها، ولا أفكر في التخلي عنها أبداً إذا كان هذا ما تبحث عنه. كنا نحتسي النبيذ بينما نتحدث في شؤون الحياة.

كانت تمتلك قدرةً استثنائية على تشريح السلوكيات والمشاعر، فقد كانت السلوكيات بالنسبة إليها تنطوي على المشاعر. أما المشاعر فتنطوي بدورها على المخاوف. لم تقل شيئاً حول المخاوف كما لو كانت أعضاءً يمكن رؤيتها كالآذان مثلاً. كانت لقاءاتنا الغريبة - لم ألتقِ بعائلتها كما لم تلتقِ بعائلتي أيضاً - تتطلب بعض الطقوس النوعية التي ما كنا نتنازل عنها. كانت تلك اللقاءات في حيواتنا أشبه ما تكون بالجُزر. كنت أحاورها وأكذبُ أحياناً بطريقةٍ ما كنت لأجرؤ عليها مع الآخرين. أعتقد أن ذلك يعود لكونها غريبةً في نهاية الأمر. ربما تتوقف عن الحضور في أحد الصباحات، فأذعن لغيابها كما يذعن المرء لسقوط المطر أو الثلج الذي يفسد عليه مخططاته. كانت تميل بشكلٍ أكبر للحديث عن عملها، وهكذا أدركت بأن الانتفلوجستيك ليست كما تبدو عليه. كان منصبها الحالي يصلها ببعض القطاعات التجارية، وكنت غالباً أهمل الاستماع إلى ذلك الجانب من حديثها لأني لم ألتحق بالجامعة، ومن الصعب أن أفهم ماهية المختبرات الطبية التي يصعب عليّ نطقها أيضاً. كنت أحسدها على الطمأنينة وصفو البال (نادراً ما كانت تشكو من تشنجاتٍ عصبية) وعلى شجاعتها، فقد كانت تنجح في تحقيق كل ما تطمح إليه دون أن ينجح شيء في عرقلتها أو إغوائها. وبعدما شاهدنا العديد من الطوابع المبتكرة، قصدنا أحد المقاهي. كان يوماً رائعاً، إذا كنت ممن ينتشي بأيام الربيع الأولى. قالت: «أود البوح بسرّ». فرجوتها أن تفكر قليلاً حتى لا تندم لاحقاً. ثم أخبرتني بأنها مجنونة! يستحيل ذلك، ربما كنتِ حساسة، لو كنتِ كما تقولين لأدركت ذلك على الفور. ولكنها أوضحت بأن لا أحد يعرف شيئاً عن جنونها، وبأنني أول من تعترف له، حاججتها بأن المجانين يجهلون كونهم كذلك. فقالت بأن العقلاء فقط هم من لا يدركون جنونهم. بدا حديثها منطقياً، فأكدتُ بأن هذه إشارة على عدم جنونها، فقالت بالعكس وغرقت في الصمت. تحدثتْ أخيراً لتخبرني بأنها مجنونة تماماً ولكنها تقضي يومها بالكامل لإخفاء ذلك الجنون، وهذا ما دعاها تنجح في عملها وحياتها الزوجية، وتقوم بجمع الطوابع وملاعق الفضة، وبهذه الطريقة لن يساور الشك أحدهم. كل ما أنجزته في الحياة كان فقط لمواراة هذا الجنون. ثم قالت بأنها قد تقدم على القتل، فيما لو فضح أحدهم يوماً ما أمرها، حتى ولو كان زوجها. تطلعتْ نحوي وابتسمت لمنظري الشاحب، فتذكرت حبكة إحدى روايات التحرّي عندما قامت خادمةٌ أمية بقتل عائلةٍ لأنهم اكتشفوا عجزها عن القراءة. « لا تقلقي، أنتِ لا تدركين ذلك!». أخذتُ بعين الاعتبار احتمالية جنونها. فانتابني القلق لأن علاقتنا قد تتضرر، فاستدركتُ قائلةً بأن هذا لا يعنيني طالما ستحتفظ بالسر. قالت بأن علي ألا أقلق لأنها لن تقتلني أبداً فهي تُجلنّي وتقدرني كثيراً. ثم اعتذرتْ لكونها أغرقتني في تلك الأشياء الحميمية. خشيتُ أن يكون لديها المزيد من الاعترافات. قالت: «أنا متعبة جداً، لا يمكنكِ أن تتصوري كيف يتظاهر المرء في كل دقيقةٍ من حياته ليبدو عكس ما هو في الحقيقة. كما أني مصابة بأرقٍ دائم خوفاً من أن يفتضح أمري أثناء النوم. بالإضافة إلى أن أمراً فظيعاً قد حدث مؤخراً». أمسكتُ بكأس النبيذ فتجرعته، عبر ظلٌ، ونبح كلبٌ في مكانٍ ما، وشاهدتُ مديري الذي يهوى جمع الطوابع البريدية أيضاً، تمنيتُ له حظاً سيئاً. مجموعتي أيضاً أفضل من طوابعه. ثم سألتها: «ما الذي حدث؟» أخبرتني بأنها بدأت تتلصص على ابنها، وتوصلت إلى أنه مجنونٌ هو الآخر. وبأنه يبذل جهداً ليتستر على ذلك. كان هذا أسوأ ما تخشاه، أن تنقل المرض لابنها. قاطعتُها قائلةً بأنها سبق وأخبرتني بأنه طالبٌ متفوق. فأجابتني بأنه فعلاً كذلك، وبأنه لا يعود متأخراً إلى البيت، ويحب أن يقضي وقته في مشاهدة التلفاز معنا، لكنه يفعل كل هذا حتى لا نشكك في صحة عقله. «يا لطفلي المسكين كم يعاني». لم أتفوه بشيء، وثبتُّ بصري نحو شرائح البطاطس. ثم مرّ المدير مرةً أخرى، يبدو في حالٍ رثّة مذ بدأت أدس مسحوق المليّن في قهوته. لم يرني لأنني كنت قد سرقت نظارته في الأمس ولم يحصل على نظارةٍ جديدة حتى الآن. يبدو أنها تظن بأن هناك الكثير -بعضهم يحتلون مواقع حساسة وخطيرة -يشكون من هذا المرض، ولكنهم بطبيعة الحال يتكتمون، ولا توجد طريقة لتمييزهم. بالطبع قمت بتأييدها بكل أسى. واصلتْ حديثها قائلةً بأن المصيبة لو اكتشف أحدهم ما حدث لها -أو ما حدث لابنها -قد يؤذي كثيراً زوجها الذي كذبت علي بخصوص وظيفته، فهو يشغل منصباً هاماً ومسؤوليةً عظيمة. سألتها عن مهنته، فأجابت بأنه رئيس الحكومة. قمت ببيع طوابعي البريدية في يوم الثلاثاء الماضي، وقد مضت ثلاثة أسابيع منذ آخر زيارة لتلك الساحة. أفتقد أحياناً تلك الصباحات التي كانت تملأ حياتي، وأود لو ألتقي بزوجة الرئيس مرةً أخرى. يا لها من حياة.
2
كانت تختلق القصص

عندما قررتُ الذهاب إلى الطبيب، كنت قد شارفت على الجنون. ولم أتوقف عن اختلاق القصص لثلاث سنوات. بدا الطبيب لطيفاً حين سألني كيف يمكنه مساعدتي، فأجبته بأني لا أفعل شيئاً طوال اليوم خلال الثلاث أو الأربع سنوات الماضية باستثناء ابتكار القصص. وقد كان مزاجي مضطرباً مذ كنت طفلة، وعندما بلغت الثلاثين كنت أتعالج وإن لم أشكُ من شيءٍ حقيقي. ولكن هذه القصص بدأت تقلقني. «وما الذي تعنين بذلك؟». «حسناً، تلك القصص التي اختلقها غير حقيقية. على سبيل المثال، عندما كنت قبل قليل في غرفة الانتظار تظاهرت بأني في مكتب الموارد البشرية لإحدى الشركات أتقدم لطلب وظيفة». «وماهي مؤهلاتك؟». «يبدو أنك دخلت قصتي! من السهل أن ينجرف الناس مع القصص... خذ مثالاً آخر، يطرق الباب زوجي عائداً من العمل، فأتخيلهُ والدي - في سنٍ مختلفة بطبيعة الحال - وأتخيل أني ما زلت طفلةً تنجذب إليه - كما اعتدت في صباي - عندما يدلف إلى البيت دون أن يدرك بأني ابنته، أجلس بجانبه ثم أمسك يده وأسأله كيف أمضى يومه. السيئ في الأمر أنه ليس بوسعي التوقف عن هذه التخيلات. عندما أنتهي من قصةٍ ما، يخالجني ذلك الشعور بأنه لا يمكنني اختراع قصةٍ أخرى، ثم أشعر بغصةٍ خوفاً من حدوث أمرٍ مريع - ربما لوالدتي - في حال توقفي عن اختلاق المزيد من القصص، وعندما تكبر مخاوفي بشكلٍ لا يطاق والقصة توشك على الانتهاء تنبعث حبكةً جديدة ترجئ ذلك الحدث المريع» .«أخشى أنني لا أستطيع مساعدتك». أجابني الطبيب وتعبيرٌ غامض يعلو وجهه. «لماذا؟» سألته وأنا أبتسم بتلك الطريقة الماكرة التي لطالما مكنتني من الحصول على ما أريد. «لأني طبيب نساء، ينبغي أن تذهبي لطبيب نفساني». «ولكن لماذا لا تتظاهر بأنك طبيب نفساني وبأني مريضة جديدة أشار عليك أحد الأطباء النفسانيين المشاهير برعايتها؟». تنحنح قابضاً يديه المتوترتين وبدا أنه سيرتجف. ومع ذلك أردت معرفة السبب الذي يجعله كذلك. أملتُ رأسي، فانسدل شعري وقطّع تلك الابتسامة الماكرة إلى شظايا. ثم بدا أن الطبيب يعاني من نوبة خوف من ذلك النوع الذي يغشينا عندما نتخذ قراراً مصيرياً ربما يغير حياتنا بالكامل. رأيته يتهرب ويرجو منّي المغادرة ثم أوعز للممرضة أن تسلمني بطاقة الطبيب قوتييرز. «إنه من خيرة الأطباء النفسانيين». وأضاف «أخبريه أنني من أحالكِ عليه». خرجتُ إلى الشارع وتخيلت بأني شابةٌ تعيسة فُصلت للتو من عملها وبأني وحيدة في هذه المدينة الصلبة والمتطرفة. لدي من المال ما يكفي لدفع أجرة المسكن وإرسال القليل منه لعلاج أسنان والدتي. مشيتُ بجانب الطريق وأنا أمتنع عن الخيالات في انتظار أن تعود آلية السعادة إلى الحركة. ومررت بمتجرٍ للعطورات والمجوهرات، فدلفت إليه وما زلت أفكر في قصة الفتاة التعيسة وعندما وقعت عيناي على قلادة بشعة لا تبدو ملائمة لمظهري الأنيق اقتنيتها وعلقتها لتناسب تلك الشخصية التي تمشي في طريقها اليائس. كما قمت أيضاً بشراء سوار بلاستيكي بألوانٍ مؤذيةٍ للعين ومضيت لأرى ما يحدث في الخارج. شاهدتُ رجلاً نحيلاً ينحني ليربط حذائه. كانت ربطة عنقه بنية اللون، تبدو كما لو تركزت فيها دماثة الكون بأسره. وتناهى إلى سمعي صوت والدي الذي مات قبل خمس سنوات وهو يقول: «ذلك الرجل الذي يربط حذاءه جزء من قدرك». مشيت خلف ذلك الرجل الذي يفتقر إلى نظرة البؤساء، تلك النظرة التي تشيع عند أولئك الباحثين بضراوة عن كسب معيشتهم - ولو كانت جيدة - كما هو الحال بالنسبة إلى زوجي. تخيلت ذلك الرجل مجرماً مشهوراً يرأس اتحاداً دولياً لبيع الأسلحة التي تلقى رواجاً شديداً في العالم الغربي. سرعان ما أدرك ذلك الرجل أني أطارده، وبدأ يقف قبالة النوافذ الزجاجية ليتمكن من مراقبتي، فابتسمت له بتلك الطريقة اللبقة التي تُحدث ذلك الأثر الذي ذكرته مسبقاً بمساعدة شعري الطويل. فيما لو كسبت ثقته ربما سأكتشف أين يختبئ الآن. كان متردداً للوهلة الأولى، وعندما أوشك أن يحدثني، اعتراه الخوف وعاود المشي فلم أتوقف عن اللحاق به حتى أدركت بأني صرت على مقربةٍ من عيادة الطبيب قوتييرز، ذلك الطبيب النفساني الذي أوصاني طبيب النساء بمراجعته. وتخيلت صوت والدي مرةً أخرى وهو يقول: « ذلك الرجل الذي كان يربط حذاءه قد أنهى جزءه الخاص من قدرك الذي أوكِل إليه بإرشادك إلى عيادة الدكتور قوتييرز». صعدت إلى العيادة بدون موعد، فسألني كيف يمكنه مساعدتي. «أشكو من ألمٍ في المبايض والتهابٍ في الثدي منذ أيام». «عليكِ الذهاب إذن إلى طبيب نساء». وأضاف أنه «طبيب نفساني». «لقد كنت في عيادته وهو من أرسلني إليك. الحقيقة أن المبايض لا تؤلمني، ولكن لماذا لا تتظاهر بأنك طبيب نساء وبأن حالتي الصحية تثير اهتمامك؟». «ولكن مبايضك لا تؤلمك؟». «وأنت أيضاً لست طبيب نساء، ولكن بوسعنا معاً تأليف قصة. عندما كنت في غرفة الانتظار على سبيل المثال، تظاهرت بأنك رجل أعمالٍ بارز وبأني جئتك من أجل التقدم لوظيفة». «وما هي مؤهلاتك؟». «ها قد انخرطت قسراً معي أيها الطبيب في التظاهر. الطبيب النفساني وطبيب النساء. لا أدري لماذا انطلت عليكما الحيلة». «هل تهزأين بي؟». قالها غاضباً دون أن يخفض نظره عن قلادتي البشعة وسواري البلاستيكي. «لقد سمحت لك بالدخول ظناً مني بأنكِ حالة طارئة ولكن هذا الشكل من الإزعاج غير مرحبٍ به في عيادتي». «كل ما في الأمر أنني متوترة جداً». «حسناً، سأصرف لك بعض الأقراص، ثم أقوم بتحويلك إلى طبيب نساء، وهو بالمناسبة أحد الأصدقاء المقربين». «لا أريد الأقراص، أريد فقط أن أتخيل بعض الأشياء كما أن مبايضي لا تؤلمني». «أنتِ مجنونة» قالها وهو يشتعل من الغضب. «تخيل ذلك». ثم خرجت لأختلق قصصاً في مكانٍ آخر.
3
كانت تعيسة

عندما كنت صغيرة، في سنوات طفولتي المبكرة تحديداً، أدركت بأن البشر يمتلكون موهبة الشقاء أكثر من امتلاكهم موهبة السعادة. لذا كان يروق لي منظر الرجال والنساء وهم يكافحون في شبابهم لبناء مستقبلٍ سعيد. وعندما يأتي المستقبل بكل عفوية، يكون خالياً من البهجة وغنياً بالبؤس، مما يجعلهم يسقطون في كآبةٍ عميقة، وبما أنهم قد هيّئوا أنفسهم للسعادة لم يعد بوسعهم التعامل مع الشقاء. كان والداي تعيسين جداً، لا يتبادلان أي عاطفة على الإطلاق، ويتجادلان طوال الوقت حول الأمور التافهة. لا زالت بعض مشاجراتهما محفورةً في ذاكرتي. «يوماً ما سأقتل نفسي». كانت والدتي تقولها مسحوقةً تحت وطأة المشاكل العائلية وبكاء أخويّ الصغيرين. «حسناً، أخبريني في أي يوم؟». وتابع بكل ازدراء «في الأسبوع القادم، عندي رحلة عمل وسأكون بعيداً عن المنزل ابتداءً من يوم الاثنين حتى الخميس». «لقد أنهكَتني تلبية حاجاتك، سوف أختار اليوم الذي يلائمني ولا يمكنك التكهن به». «لماذا لا يكون الجمعة؟ عندما تزورنا والدتك فتعتني بالأطفال». «أكره أن تسدي لي والدتي معروفاً». «لا بد أن تعقدّي الأمور». ثم استدار بانتباه ليواصل قراءة الجريدة. لم تنتحر والدتي أبداً بطبيعة الحال، ولكن تهديدها الدائم سمم وجودنا العائلي وجعلنا تعساء، أنا وإخوتي. ونتيجةً لذلك، كنت مراهقةً باردة تنأى عن شغف الصديقات اللواتي يتجولن باستثارة طوال اليوم وهنّ يفكرن بالمستقبل. يسعين خلف رجل أحلامهن بينما يخططن لإنجاب الأطفال الشقر، والتمتع بالإجازات الطويلة. كنت أفكر في بناء مستقبلٍ مظلم ومليء بالشر وسوء الطالع. إذا كان من البديهي أن للبشر قدرات أكبر تقودهم نحو الإخفاق بدلاً من العظمة، فمن المنطق أن يطور المرء تلك الموهبة عوضاً عن معاندة الفطرة. في صباي، عانيتُ من زواجٍ مروّع، مليءٍ بالتشتت والمرارة وسوء الفهم. كان زوجي مسؤولاً عن حسابات المخبز وسرعان ما تم طرده بعد زواجنا بقليل، فاضطررت لقبول عملٍ يتعلق بتنظيف البنايات. لم يحضر الزواج أحد بالمناسبة، لأن عائلته وعائلتي كانتا تعارضان الزواج. ولكنه كان يؤيدني في عدم الحاجة إلى أن نكون سعداء. كان يفسر أفكاري بدقة عندما يقول إن السعادة ليست أكثر من وهم، مجرد مبدأ أو فكرة. ولكن الشقاء عبارة عن تجربة حقيقية، يمكنها أن تحدث ومن الممكن أيضاً تحسسها باليد. لم نشعر بالرضى بعد إنجاب الطفلين، لقد نغّصا في الحقيقة حياتنا. فرّ الابن الأصغر من البيت عند بلوغه الخامسة عشر، ولم نعرف عنه شيئاً حتى الكريسمس الماضي عندما راسلنا من سجنٍ في البرتغال طلباً للنقود. قال إنه عاش أسوأ سنوات حياته منذ هروبه قبل عشرين سنة، وبالطبع لم نرسل له بنساً واحداً. أما الابن الأكبر فيعمل في الضمان الاجتماعي ويتنفس بصعوبة. يبدو أن لديه مشاكل في الرئة. هجرته زوجته العام الماضي تاركةً أطفاله الأربعة يلتقطون الأمراض المنتشرة.
لقد أحرزنا إذن درجةً معقولة من الضجر والبؤس تقينا من إحباطات الحياة، وتهبنا شعوراً بالأمان لا يمكن الوصول إليه كما أوضحت مسبقاً إلا في العمق القاتم للجزع. زوجي كان هشاً بطبيعته، وقد أنفق نصف حياته عند الأطباء، حتى جعلهم أخيراً يستأصلون إحدى كليتيه. كانوا قد استأصلوا مبايضي قبل سبع سنوات، ومن المحتمل أن يستأصلوا المرارة أيضاً. بالطبع ما كنا لنفعل هذا لولا مساعدة ابننا الأكبر الذي يعمل في الضمان الاجتماعي، ويعلم جيداً ما الذي يجب قوله للأطباء، فهو حتى الآن قد جعلهم ينتزعون اثنين من أعضائه، ويحاول أن يقنعهم لكي يبتروا أصابع قدمه اليمنى. وإذا ما نجح في ذلك، سيتم تصنيفه كمعاق خصوصاً إذا ما تذكرنا أنه لا يتنفس جيداً. كبرنا بهذه الطريقة بينما كانت الحياة - حادثة العدم - تحافظ على اتفاقها معنا. تقاعدنا الآن ونعيش في شقةٍ مظلمة مع قطةٍ لا نحبها. نصحو متأخراً وأقوم بترتيب السرير بينما يذهب زوجي للسوق لأنه أفضل مني أو هكذا اعتاد أن يقول. ننام على الأريكة قليلاً بعد الغداء دون أن نطفئ التلفاز، ونتنزه في منتصف النهار أو نقوم بزيارة أحفادنا المساكين الذين تزداد أحوالهم سوءاً يوماً بعد الآخر. وعندما نعود إلى الشقة، نتناول بعض الخضروات ونصف قنينة من النبيذ ونجلس قبالة التلفاز حتى نغفو أو ينتهي البث. غالباً ما كنا ننام. في اليوم التالي كانوا سيعرضون فيلماً من زمننا القديم، أعددنا كل شيء للجلوس أمام الشاشة في الموعد المحدد. وفي أثناء الاستراحة، أحضرت وجبةً خفيفة ثم تنشطنا وشربنا القليل من الكونياك الذي نحتفظ به للإجازات. وعندما انتهى الفيلم، ذهبنا للنوم. كان زوجي يتناول أقراصاً منومة، لذا نام على الفور ولكني بقيت مستيقظةً وشرعت أفكر بأني سعيدة بالفعل. قد تكون حياتنا بسيطة ولكننا لا نطلب المزيد. على سبيل المثال، أعجبني فيلم السهرة كما أني أحب تلك اللحظة التي نستلقي بها على السرير متعانقين بتلك الحكمة التي دفعنا ثمنها بتقدمنا في العمر. أحب رؤية زوجي وهو يعود من السوق معلقاً على أسعار الفواكه.
كما أعتقد أنني بدأت أحب العناية بأحفادي عندما يعمل والدهم في النوبة المسائية. لقد نعمنا إذن بحياةٍ هادئة. لقد فاجأني هذا التجلي وحررني بطريقةٍ ما. لم أقل شيئاً لزوجي بالطبع ولكني أخذت أراقبه لأرى ما إذا كان قد حدث له ما حدث لي حتى تأكدت من ذلك. لقد كان ملائماً بالنسبة إلى وضعه، ويخلو من التناقضات الكبيرة. وبعد أيامٍ ونحن على السرير أخبرته بما كنت أشعر، كما أخبرته بأني لاحظت فيه أيضاً بعض علامات السعادة. واختصرت كلامي باعتقادي أننا سعداء. «ما الذي تقولين؟ هل تعتقدين بأن السعادة هي أن نناضل لسد رمقنا حتى نهاية الشهر؟ ماذا عن عدم وجود مصعد في العمارة؟ ولكنك لستِ من يقوم بالتسوق». «ولكن نحن في راحة، ودائماً ما نفعل الأشياء التي نحبها». «وما تلك الأشياء؟»، «حسناً، التنزه ومشاهدة التلفاز وتخيّل الأشياء». «أي نوعٍ من الأشياء؟». «النكات والتعاسة». ثم أخبرته بنكات الأطباء الذين اخترعتهم ذلك المساء، فضحك كثيراً ولكني لم أجعله يعترف بسعادتنا. يبدو أن الرجال أقل منّا قدرةً على تمييز هذه الأشياء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كلمات
العدد ٣٠٨٥ السبت ٢١ كانون الثاني ٢٠١٧



هناك تعليقان (2):

  1. السلام عليكم،

    كاتب اسباني يبحث عن مترجم لترجمة روايته من اللغة الإسبانية إلى اللغة العربية.

    للاتصال:
    sihamgml@gmail.com

    و شكرا

    ردحذف
  2. وعليكم السلام
    حبذا لو تزودنني بتفاصيل إضافية عن الموضوع

    شكرا لك

    ردحذف