الأحد، 19 فبراير 2012

لوركا دُفن مرتين

تبدأ هذه القصة بتأريخ ومكان: سالتو (أورغواي)، عام 1953. رجل حزين يقرأ خطاباً في ذكرى فيدريكو غارسيّا لوركا، الذي قتل في أغسطس / آب من عام 1936 ودفن، كما يقال، في مقبرة جماعية في بلدة بيثنار في غرناطة. ينهي الرجل الحزين المراسيم بدفن نعشٍ مقاسه 2× 3 متر، وبكلمات تقول: "هنا، على أرضٍ متواضعة ومتموجة والتي ستأخذني اسيراً للأبد، يرقد فيديريكو".


لم يبق من ذلك التأبين ما هومكتوب. ولم تنقل أية صحيفة ما قيل في مراسيم الدفن تلك. وبقيت في المذكرات غير المنشورة فقط، ومراسلات الأورغواني إنريكه أموريم، الرجل الذي كان يبكي من أجل لوركا. مفكر وشيوعي، على الرغم من المناخات الثقافية التي كانت تحيط به، وبوهيميته خلال أعوام العشرينات والثلاثينات في بوينس آيريس، فقد كان منسياً في الخمسينات من القرن الماضي.

أموريم يُبعث اليوم من جديد، عبر كتاب سانتياغو رونكاغليولو الذي يحمل عنوان (العاشق الأورغواني. قصة واقعية)، والصادر عن دار (الكالا) الإسبانية للنشر. بيد أن الشكوك التي تحوم حول ذلك لا تزال كثيرة. ومن دون أن تتوفر مصادر رسمية، أو أن يتوفر ما يمكن أن يمثل ردود فعلٍ من لدن عائلة غارسيّا لوركا. يبقى السؤال التالي قائماً: ما مدى صحة مراسيم الدفن تلك؟ وهل هي مجرد تكهنات؟

يشير المؤلف رونكاغليولو في كتابه الى أن "هنالك دلائل على أن هذا الرجل قد دفن جثة لوركا، ولكن من المؤكد أيضاً، رغم أن أموريم ترك العديد من المؤشرات فيما يتعلق بذلك الحدث، لكنه ترك، في ذات الوقت أيضاً، العديد من الألغاز والروايات الكاذبة. وأن القصة الأروع في كل ذلك ليس في القبر، بل ما يتعلق بشخصيته". وبالنسبة لمؤلف (مذكرات سيدة)، تكمن الحقيقة في أموريم الذي "كان أول من أدرك أهمية جثة لوركا، وما حدث أن كل ذلك قد جرى في أعوام الخمسينات، ولم تكن صورة ما سيحدث لاحقاً جلية تماماً".


يتناول رونكاغليولو في كتابه، وبإسلوب روائي رشيق، شخصية الرجل الذي تعرّف بالشاعر لوركا، وإستطاع أن يمد جسور علاقة حميمة معه، يعود تأريخها الى الأيام التي جمعتهما معاً، في بوينوس آيريس، ومونتيفيديو، خلال عام 1934، عندما كان يتمتع الشاعر بشهرة واسعة، بسبب من النجاح الكبير الذي لاقته مسرحيته (عرس الدم)، بينما كان أموريم، الدائم البحث عن الشهرة، يحاول صعود سُلّم المجد. ويؤكد مؤلف الكتاب قائلاً: "توجد رسالة محفوظة في مؤسسة غارسيّا لوركا حول هذه العلاقة الشديدة الوضوح. أعتقد أن أموريم كان يحب لوركا. والجزء الأكبر من قصة أموريم تدور حول محاولته التسلل الى حياة لوركا".


وتتطرق السيرة الذاتية هذه الى حالتين مؤثرتين أيضاً في سير الأحداث التي تناولها الكتاب، حسب رأي رونكاغليولو: حياة مثليي الجنس في أعوام الثلاثينات في أميريكا اللاتينية، وتسييس العديد من الكتّاب، كما هو شأن بابلو نيرودا، بعد وفاة الشاعر لوركا. يكتب المؤلف "لم يكن موضوع المثلية الجنسية من الموضوعات التي يمكن تداولها في الأرجنتين. وكان لوركا يتعامل معها بسرية تامة. وفي واقع الأمر، أن الفتيات غالباً ما كن يتوجهن الى غرفته في الفندق. وأما أصدقائه، فقد نفوا بدورهم أن يكون لوركا مثلي الجنس" وقد تستر أموريم أيضاً على ميوله الجنسية، بالزواج من إستر، إبنة عم خورخي لويس بورخيس. حيث يضيف الكاتب "لم يكن أمراً غريباً زواج مثليي الجنس من النساء اللاتي لا يرغبن في تكوين أسرة، بل الإستقلالية".


ومن الناحية السياسية، يشير رونكاغليولو، الى أن مقتل لوركا قد أثّر على حياة العديد من الكتّاب: "كان لنيرودا موقفاً ضد السياسة، وفجأةً، يُقتل صديقه. وذات الشئ حدث لأموريم. وكان أن تبنى كل منهما الفكر الشيوعي. الأمر الملفت للنظر أن يكون جميع كتّاب أمريكا اللاتينية، الذين نالوا جائزة نوبل، قد دافعوا عن أيديولوجيات سياسية معينة. وكان نيرودا أول من إنخرط في السياسة. وكذا الحال بالنسبة لأموريم، بعد أن قُتل عشيقه".
عن موقع ايلاف

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق