الخميس، 16 فبراير 2012

من الأدب البرازيلـــــــــي


Murilo Eugênio Rubião

                     الســـــــــــــــــاحــــــــر 
قصة الكاتب البرازيلي :موريليو يوجينيو روبياو (1916-1991)
تـرجمة: عبد الحميد الغرباوي


أنا حاليا موظف حكومي، و هذا ليس أفظع ما قدمه لي حظي العاثر.
و لكي أكون صادقا معكم أقول: " إنني لم أوجد في هذه الحياة لكي أتحمل هذا العبء الثقيل من المعاناة.
كل إنسان عندما يصل سنا معينة، يكون على استعداد تام لمواجهة جبال من الضجر و المرارة، ذلك لأنه اعتاد منذ نعومة أظافره على تقلبات الحياة فعرف كيف يتحصن ضدها بالتدريج يوما بعد يوم.
وهذا ما لم يحدث لي.
جئت إلى الحياة بلا أبوين، بلا طفولة، و دون مراهقة.
ذات يوم انتبهت، و أنا أنظر إلى وجهي في مرآة مطعم و مقصف مينهوتا، إلى أن شعري فقد كثافته و دب الشيب إليه فجأة. لم يرعبني هذا الاكتشاف بقدر ما أدهشني، لدرجة أني أدخلت يدي في جيبي فأخرجت منه صاحب المطعم.
سألني مرتبكا كيف استطعت أن أفعل ما فعلت.
و أنا في حالتي هذه، بم أجيب، أنا الذي لا يجد أي معنى لوجوده في الحياة؟
قلت له إنني متعب، إنني ولدت متعبا و ضجرا.
و دون أن يعير اهتماما لجوابي أو يوجه لي أسئلة أخرى عرض علي العمل عنده، وهكذا وفي نفس اليوم، شرعت في العمل أسلي رواد المطعم بألعابي السحرية.
لم يتجاوب صاحب المطعم مع عرض من عروضي السحرية ذلك أني أثناء العرض، كنت أقدم للحاضرين وجبات مجانية متنوعة، أخرجها من معطفي. و رغم أن هذه الطريقة كانت تجلب الكثير من الزبائن، إلا أنها لا تعود على المطعم بمزيد من الربح. فقدمني إلى مدير السرك "الأندلسي" الذي علم بقدراتي فعرض علي العمل مقررا أن يأخذ الحذر و الانتباه جيدا لما أقوم به من ألعاب. فقد أفكر في توزيع تذاكر الدخول بالمجان على الجمهور لمشاهدة عروضي، و خلافا لكل التوقعات المتشائمة، كان سلوكي مستقيما، و صارت ألعابي تبهر الجمهور وتدر على أصحاب السيرك الأموال الطائلة. كان الجمهور في البداية يستقبلني بنوع من الاستخفاف و غياب أدنى حماس، ربما لأني كنت لا أحسن اختيار البذلة المناسبة مع قبعة على رأسي. لكن ما أن أشرع في إخراج الأرانب و الأفاعي و السحالي من قبعة أحد المتفرجين، حتى يصعق الجمهور من شدة الإثارة. و في العرض الأخير، أجعل تمساحا يخرج من فروج أصابعي، ثم أضغط على التمساح من طرفيه فأحوله إلى آلة أكورديون و أختم العرض بعزف السلام الوطني للصين فينفجر الحاضرون بالتصفيق و أنا أنظر إليهم دون اكتراث.
عدم مبالاتي بتحية الجمهور، أثار سخط مدير السيرك الذي كان يراقبني من بعيد، وخاصة عدم تجاوبي مع تصفيقات الأطفال في  عروض أيام الآحاد الصباحية. لم أكن أرى في ذلك ضرورة، و خاصة مع تلك الوجوه البريئة، التي كتب عليها أن تتحمل عبء المعاناة  المقدرة لكل إنسان يأتي إلى هذه الحياة، لماذا أتأثر إذا كانت تلك الوجوه الصغيرة لا تثير الشفقة في نفسي و لا تثير غضبي، علما أنهم يملكون كل الأشياء التي كنت أتمناها و لم  تكن من نصيبي: الميلاد و ذكريات الماضي.
و مع ازدياد شهرتي، صارت حياتي لا تطاق.
أحيانا كنت أجلس في مقهى أرقب في إصرار الناس الذين يملأون  الأرصفة، و ينتهي بي الأمر إلى أن أخرج من جيبي حماما و يماما و طيور بحر، فينفجر الناس حولي ضحكا معتقدين أني أفتعل ذلك. و أخفض بصري إلى الأرض حزينا أتمتم بكلمات ألعن فيها العالم و الطيور. في كل مرة أفتح فيها يدي و أنا شارد، تنط منهما أشياء عجيبة. أحيانا أفاجئ نفسي بأن أسحب من كم معطفي أشياء من مختلف الأشكال و الألوان. و في النهاية أجدني محاطا بأشياء غريبة لا أدري ما أفعل بها.
ما الذي كان في وسعي أن أفعله؟..كنت أنظر حولي كمن يطلب المعونة من أحد، لكن دون جدوى.
حدث غير ما مرة ، أن أردت إخراج منديل كي أجفف أنفي، فخرج لي بدله ملاءة سرير كبيرة، مثيرا بذلك دهشة الجالسين إلى جواري. أما إذا لمست ياقة معطفي دون قصد يخرج منها فورا صقر كبير.
و في حالات أخرى، حين أحاول ربط خيوط حذائي، تتقافز الحيات خارجة من بنطلوني فيصرخ الأطفال و النساء، و يهرع العسس و يتجمهر الناس حولي، فضيحة. و في هذه الحالة، علي أن أدلي بتصريحاتي لرجال الأمن، و أنصت في اهتمام و صبر إلى التعليمات التي تمنعني من إخراج الزواحف في الأماكن العامة.
و لا أعترض. لكني أوضح لهم في هلع حالة السحر التي تستحوذ علي، متعهدا ألا أتسبب مستقبلا في الضيق لأي أحد.
و أعتدت أن أستيقظ فجأة في الليل على ضجيج طائر ضخم يصفق بجناحيه يخرج من أذني.
و ذات مرة، و كنت في أوج غضبي، بترت يدي كي لا أعود إلى ممارسة السحر، لكن، و بمجرد ما أن تحركت، حتى عادتا إلى موضعهما مرة أخرى.
قلت، علي أن أواجه مصيبتي بأي شكل من الأشكال. و بعد تفكير عميق في الأمر، خرجت بخلاصة و هي أن الموت وحده الكفيل بوضع نهاية لحظي العاثر.
و لتنفيذ قراري الحاسم هذا، أخرجت من جيبي اثني عشر ليثا،  و شبكت ذراعي على صدري و انتظرت اللحظة التي سينقضون علي فيها و يمزقونني إربا إربا. لكن و لا شيء من ذلك حدث، لم يمسوني بأذى، بل تحلقوا حولي و راحوا يتشممون ملابسي ثم ما لبثوا أن تسللوا خارجين و تركوني وحيدا مع يأسي.
في صباح اليوم التالي عادوا مرة أخرى و تحلقوا حولي.
ماذا تبغون مني أيتها الحيوانات الغبية؟ هكذا صرخت في وجوههم. هزوا أذنابهم في حزن و ناشدوني أن أجعلهم يختفون معلنين أن هذا العالم قرف و ممل لأقصى درجة القرف و الملل.
لم أتمالك نفسي من شدة الغضب، فقتلتهم جميعا، و جلست ألتهمهم واحدا واحدا، و كل أملي أن أموت جراء عسر في الهضم، إلا أن حظي العاثر كان لي بالمرصاد. عانيت فعلا مغصا في معدتي لكنني واصلت الحياة. فشلي الأخير هذا، ضاعف من إحساسي بالإحباط، فتركت المدينة بحثا عن مناطق جبلية. و عندما وصلت إلى أعلى قمة تطل على هاوية سحيقة مظلمة، ألقيت بنفسي.
كل ما شعرت به كان إحساسا خفيفا بدنو الموت، و سرعان ما انتبهت إلى أني معلق إلى حبال مظلة. و بصعوبة سلكت طريق العودة إلى المدينة و أنا أرتطم بالصخور إلى أن وصلت متعبا، مثقلا بالحزن، مثخنا بالجراح و كانت الخطوة القادمة، أن أجد لي مسدسا.
في البيت، تمددت على السرير، و وضعت فوهة المسدس في أذني. ضغطت على الزناد و أنا أتوقع حدوث دوي عال و شعور بألم قاتل حين تفجر الرصاصة رأسي.
لم تنطلق الرصاصة و لم يحدث الموت. كان المسدس، لحظة التنفيذ، قد تحول إلى قلم رصاص.  
رميت بنفسي على الأرض و جهشت باكيا بحرقة. أنا الذي أستحضر من عدم كائنات أخرى لا أجد وسيلة أخلص بها نفسي من الحياة.
و ذات يوم سمعت، مصادفة، رجلا حزينا يقول:" أن تعمل موظفا في الحكومة يعني أنك تنتحر ببطء" القولة أحيت لدي الأمل في التخلص من الوجود.
لم يكن يسمح لي وضعي أن أختار شكل الانتحار الذي يناسبني.. أن يكون بطيئا أم سريعا.
حصلت على وظيفة في الحكومة. عام 1930 كان عاما مرا، أطول بكثير من كل السنوات التي أعقبت أول حالة سحر ظهرت في حياتي، عندما نظرت إلى وجهي في المرآة في مطعم و بار مينهوتا.
أمنيتي في الموت لم تتحقق.و كلما زادت أحزاني زاد سوء طالعي.
أيام كنت ساحرا لم يكن لي اتصال يذكر بالناس. كان المسرح يضمن لي مسافة تبعدني عن الناس. أما الآن فأنا مضطر للاتصال المستمر بزملائي من الموظفين. و علي أن أستحملهم و ألا أظهر القرف الذي يثيرونه في نفسي.
أسوأ ما في الأمر أن العمل الذي أقوم به تافه، لذا أظل طول اليوم أتسكع مضيعا ساعات بلا فائدة ترجى منها. الكسل و عدم وجود عمل أشغل به نفسي، أعاداني إلى حالة الشعور بالامتعاض لأنني لا أملك ماضيا. لماذا أنا وحدي دون الخلق، ليس لدي شيء أتذكره؟ أيامي تمر في فوضى تمتزج بقليل من الذكريات التافهة نتيجة ثلاث سنوات من الوجود.
و جاءني الحب من زميلة موظفة، مكتبها يجاور مكتبي. حبي لها أبعدني عن همومي فترة من الزمن. و سرعان ما عادت إلي متاعبي. كنت أجاهد للتغلب على حالة عدم اليقين و حالة عدم الثقة. فكيف يمكن لي أن أتقدم لخطبتها إذا كنت لم أظهر لها أي إشارة و لم أصارحها بما أحمله لها في قلبي من حب بأي شكل من الأشكال؟ زد على هذا، أنه لم يسبق لي أن مررت بتجربة حب؟.
بدأ عام 1931  بداية حزينة. فقد شاع بين الموظفين أن هناك مخطط لطرد جماعي و فصل أعداد كبيرة من الموظفين في القسم، و وصلني من فتاتي رفض خطبتي لها.
و أمام احتمال فصلي عن العمل حاولت تدبر حالي( لم يكن العمل يهمني كثيرا، لكني كنت خائفا إذا ما فصلت عن العمل أن أبتعد عن الفتاة التي رفضتني ذلك أن وجودها بات شيئا ضروريا في حياتي).
ذهبت إلى مدير القسم الذي أعمل فيه و قلت له متحديا أن لا أحد يمكنه فصلي عن عملي، لأني و بعد عشر سنوات من الخدمة في القسم، أصبح سير العمل في يدي، و لا ضمان لهذا السير إلا بوجودي في العمل.
نظر إلي هنيهة في صمت، ثم قال لي و هو يرشقني بنظرات حادة أنه مندهش لوقاحتي و أنه لم يتوقع أبدا أن شخصا أمضى في العمل سنة واحدة لديه كل هذه  الجرأة ليدعي أنه أمضى في العمل عشر سنوات.
و حتى أثبت له أن كلامي ليس ادعاء، رحت أبحث في جيوبي عن وثائق تثبت ما أقول. وصعقت حين لم أجد في جيوبي سوى ورقة مكمشة كنت كتبت عليها  أبياتا من الشعر ألهمني إياها صدر محبوبتي الناهد، و لا شيء غير هذا.
كنت مجبرا على الإقرار بهزيمتي. رغم أني كنت واثقا تمام الثقة في قدراتي السحرية. غير أن هذه القدرة أفسدتها البيروقراطية و أبطلت مفعولها.
و ها أنا الآن، و دون موهبة السحر، أصبحت غير قادر على رفض أحقر الأعمال البشرية.
أفتقد حب فتاتي التي تعمل على الآلة الكاتبة، و أفتقد وجود أصدقاء، و كل هذا يدفع بي إلى العزلة. و كثيرا ما يلاحظ الآخرون كما لو أني أخرج أشياء لا يرونها من بين ملابسي . وأراهم يحملقون في و في عيونهم نظرة إشفاق.
يظنون أني مجنون و خاصة عندما ألقي في الهواء بهذه الأشياء وهي ضئيلة الحجم.
يخالجني إحساس أن شيئا ما على وشك الخروج من بين فروج أصابعي. أتنهد بصوت عال و لا شيء يحدث.
طبعا هذه الأوهام تسبب لي المتاعب. و تضاعف من حسرتي و ندمي لأنني لم أخلق عالما سحريا بأكمله.
و في أوقات خاصة أتخيل روعة أن أخرج من جيوبي مناديل حمراء و زرقاء و بيضاء و خضراء و أن أملأ الليل بالشهب الاصطناعية . و أن أرفع وجهي إلى السماء و أجعل قوس قزح ينساب من بين شفتي، قوس قزح يغطي الأرض من أدناها إلى أقصاها، ثم أسمع التصفيق الحاد من المسنين ذوي الشعر الأبيض، و من الأطفال الأبرياء.   

عن موقع المحلاج 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق