السبت، 18 أبريل، 2015

حينما تعلَّم "غابو" الكتابة



بقلم: غدير أبو سنينة

ليس صعباً اقتحام عالم غابرييل غارسيّا ماركيز (1927 - 2014) الذي مرّت أمس ذكرى رحيله الأولى، ومعرفة أنَّ انخراطه في الأدب وكتابة الروايات كان نتيجةً حتميَّةً لطفولةٍ عاشها في منطقة الكاريبي في كنف جدَّيْه لأمِّهِ: ترانكيلينا إغواران كورتيس ونيكولاس ريكارذو ماركيز ميخيّا، حين احتواه كلاهما بقصصٍ من تاريخهما.

يذكر الكاتب في صحيفة "الباييس" الإسبانية، وينستون مانريكي سابوغال، أنَّ الجدّة وسَّعت خياله بقصص الأموات والأشباح وأسرار الحياة الأخرى. والجدّ، الكولونيل المتقاعد، حدَّثه عن حرب المائة يوم ومعارك الحياة اليومية من منظورين براغماتي ومنطقي. وفي ذلك البيت، وجد أيضاً كتاباً ساهم في تشكيل مستقبله ككاتب، وكان قاموساً أهداه له جدُّه وقرأه الطفل على أنَّهُ رواية، "بالترتيب الأبجدي، ومن دون حتّى أن يفهمه".

في ذلك المنزل الكولومبي، عاش ثمانية أعوام، وكانت آخر ذكرياته اللهب الذي اشتعل بملابس جدِّه المتوفى، ومن بينها الليكي ليكي (القميص التقليدي الكولومبي) الذي كان يرتديه في الحرب، وهو نفسه الذي ارتداه ماركيز حين تسلَّم جائزة نوبل عام 1982.

شكَّل موت جدّه الذي ربّاه حزناً دفيناً في بيت امتلأ بالنساء. وقد قال عن موته: "اليوم أرى ذلك جليّاً، لقد مات بي شيءٌ ما معه".
في الجزء الأول من مذكراته "عشت لأروي"، يحكي ماركيز كيف أتعبه تعلُّم الكتابة، إلّا أنَّ طفولته وعائلته ومدينة أراكاتاكا استطعن بناء نواة تجارب حاسمة في حياته، وكانت مصدر إلهامه، أمّا في مرحلة المراهقة والشباب فقد تأثَّرَ بكافكا، وولف، وشهررزاد، والإنجيل.

الكتابة بالنسبة لماركيز هي حالة عشق، لذلك لم يكن يستوعب من يُردِّد أنَّ الأدب هو معاناة، لكنَّه عشقٌ صادق..."أن أصل إلى درجة أن يصدِّقني القارئ. وهذا، صعب، لكن ما أن تتحمَّس الذراع حتّى يخرج كلَّ شيءٍ ويمتزج، ويبدأ في النهاية، باتخاذ شكل معيَّنٍ، لكن على القارئ أن يصدِّق دوماً، وإلَّا فسيفشل كلّ شيء".

بدأ ماركيز بمحاولات الكتابة منذ أن كان طالباً في إحدى مدراس جبال الإنديز الكولومبية، وأصبح له قرّاء كثيرون، وخصوصاً حينما نشر أولى قصصه في صحيفة إلإسبيكتاذور الكولومبية، وكانت بعنوان "الاستقالة الثالثة"، في يوم أحدٍ من شهر سبتمبر عام 1947، ثم كتب في كلِّ مجالات الصحافة، وفي أوقات الفراغ كان يكتب الأدب.


يذكر ماركيز أنَّ أكثر ما يهمُّه في حرفته ككاتب هو مفهوم القصة، وما يجعله يشعر بالملل هو كتابتها. لكن ما إن يمسك الورقة حتى يتملّكها. أمّا مراحل تطوُّر العمل الأدبي فتعتمد على الحفر داخل النفس البشرية ليرى أين ستأخذه، ثمَّ يجد ذلك الزر الذي يبحث عنه وهو متعلِّقٌ بسر الموت؛ فسرُّ الحياة معروف "ولن تفك شيفرته أبداً".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق