الخميس، 27 يونيو 2013

العطش


قصة: الكاتب ادموندو أراغونيس (المكسيك)
ترجمة: محمد الخطابي 
قطرة ماء تنحدر على جبهتي، قطرة واحدة، لم أتذوّق طعمها لأنّها لم تصل إلى شفتي، القطرة صفيقة وثقيلة، الحاجب الأيسر يقف حائلا دون انحدارها ونزولها نحو الفم، هناك تستقرّ برهة لتزيد من عذابي، القطرة بدأت تفقد حجمها الأصلي،عند الصّباح أجدها فوق مدمعي ناحية خدّي الأيسر، قريبة من قوس أنفي، ثمّ تزداد انحدارا نحو الشّارب الذي نما بشكل طبيعي.
عند هذا الحاجز الآخر تستقرّ، ثمّ سرعان ما تنزلق نحو الشفتين، أتذوّق طعمها القلوي، إنّه طعم لا يصعب على المرء استذكاره واستحضاره.
أشعر بظمأ شديد سرعان ما يتحوّل إلى عطش أو صدى أو أوهام، القطرة لا تحلّ المشكلة، إنّها تذكّرني فقط بجرعة تملأ الفم والشدقين، هناك في هذه الصّحراء القاحلة ذات الرّمال النّاعمة والدقيقة التي تتكاثر وتتحرّك والتي تكوّن هذا العالم اللاّمحدود الذي يحيط بي
أشتاق إلى تدفّق فوّار من حنفيّة مفتوحة على مداها لأرتوي وأشفي غليلي من هذا القاتل.
الماء يثير فينا ردود فعل متباينة، له تأثير بليغ على تفكيرنا، ونظرنا، الفم يصبح شبيها بقطراته، وليس هناك سوى فكرة واحدة مستقرّة وثابتة وملحّة تتركّز أساسا في هذا السّراب الممتدّ أمام ناظري، وهذه الفكرة تحاول إقناعي عبثا أنّ هذا السّراب إنّما هو واحة حقيقية.
أتجرجر، وأجترّ عبر الرّمال، أعرف مسبّقا أنّ هذه البحيرة سوف تبدأ في الابتعاد عنّي كلّما دنوت منها، أعضّ الرّمال لعلّي أتذوّق البلل الذي بها، فتزيد حدّة عطشي، أشعر بنوع من الهذيان.
القطرة التي شعرت بها على جبهتي، هل كانت إعلانا أو إيذانا بمطر..؟ هكذا خيّل لي. الآن تراني أتساءل:هل كان ذلك الشّعور حقيقيّا أم وهميّا..؟ إذن ما هذه الخثرات المتلألئة التي تشبه الأحجار الكريمة اللاّمعة..؟ إنّني أتحسّسها، أشعر بها، أتذوّقها..إنّها مائيّة، زلاليّة، سائلة، إنّه الماء إذن، إنّه الإنقاذ، قطرة واحدة تنحدر على جبهتي، إنّها ما فتئت تنزل وتنزل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق