الأربعاء، 1 سبتمبر 2010

قراءة في رواية بيدرو بارامو للكاتب المكسيكي خوان رولفو

زمن الرواية الصعب.. شبكة السرد المعقد

من طواف الباصرة النقدية / القرائية؛ خلل ماتبثّه دور النشر المتوزعة أصقاعاً متناثرة تتجلّى المقدرة على الفرز وجس ما هو رسيخ وآيل إلى التموضع في منعطفات الذاكرة - تلك المقدرة الحسيّة المكينة على خرق حُجب الخطاب وتأجيج دواخل قطبي الإنتاج (المبدع / المتلقي) من حيث أنَّ الرواية تحفر بأصابع ذاكرتها متوناً لتاريخ وتفاصيل لمتابعين أدهشهم الكلم الإبداعي، وصار القارىء المتابع الدَّهِش يتطلّع بعين الرغبة، ويتلمَّس بأنامل المكتشفين رُقم التأجج الإبداعي والاحتراق اللحظوي / الدائمي العذب. وظنّي أنَّ مطالعة التجارب الروائية التي عُمتُ في خضيب غمارها هي ما رستني عند مرفأ هذا الاستنتاج.

تسوقني هذه الرؤية وأنا أتنقل شغيفاً من مرفأ نثري إرهاصي لمرفأ آخر قادم أو ماضٍ تحتشد ما وراء سوره بوادرُ وبواكيرُ نهوضٍ رؤيوي يؤرِّخ هموماً إنسانية تقدّم جزئياتها مشهداً بانورامياً مؤثثةً له هدفاً، وحافرةً تاريخاً على صفحات المسار الصاعد لتخوم اللاإنتهاء الإنساني.
بيدرو بارامو: هذا المُنتَج الروائي الذي أشعل ضوءا وهّاجاً في عتمةِ وهدة الأدب المكسيكي، وسلَّط الأنظار على حياة مُهملة لشريحة اجتماعية منسيَة.
خوان رولفو: الكاتب المغمور، القابع خلف منضدة دائرة (مكاتب شؤون الهجرة) المكسيكية يرمي على قارعة ذوق وتذوّق الإنسانية هذا الإصبع من الديناميت الإبداعي الذي نظر إليه المتابعون للحركة الأدبية ببرودٍ أول الأمر، ما لبث أن فجّر في دواخلهم فضول التتبّع والملاحقة وسبر الغور؛ ثم الخروج باعتبارٍ يُقر أنَّ بيدرو بارامو اشتغالٌ روائي يُعَد من أهم روايات أدب أمريكا اللاتينية حتى اليوم (صدرت الرواية عام 1955).
تتوخى بيدرو بارامو كخطاب روائي تنشيط الذاكرةِ السرديةِ عبر تهشيم البُنى التقليدية: بداية / وسط / نهاية، وخلق توتر يستدعي التتبّع الحذِر والمعالجة الآنية تمتزج فيها ذاتُ القارىء وتُستَفزُّ مجسّاتُ فضوله والنزوع، وصولاً لجمع الشَّتات وإدراك اكتمالية الوحدة الموضوعية حيث التهشيم الماثل في الخطاب المقروء يجسّد قصدية صانع الخطاب في إظهار تشرذم الواقع المعيش لا واقع الشخوص الروائية فحسب… إنها قصدية كشف كاملِ العفن الآيل إلى الرفض والعُري المستور بشدة العسَف والتجنّي وقسوة الاضطهاد.
إنَّ التفكيك السردي والصوري الغريب وغير المألوف للعمل آنذاك(زمن كتابة الرواية ونشرها) والبنائية الأسلوبية الصادمة عبر البرازخ الزمنية التي تنقلنا من حدثٍ لآخر ومن صوتٍ لأصوات خروجاً من عالم الأحياء، ولوجاً إلى عالم الأموات وبالعكس هو ما أعطى سحراً مدهشاً وأضفى نوعاً من التحفّز والتحرك والدخول في عوالم زمكانية وسلوكيات شخوص ثم حوارتهم الموشاة بالغرابة والغيمية وبالتصدق تارة وعدم التصديق تارات.
والحساسيّة المكثفة / الضاجّة لدى الروائي منحته دفعاً قدرةَ عرضٍ سردي لحقبةٍ من تاريخٍ شكّلت تخلخلاً جاء بمثابة إرهاص لحركة تمرّد أو ثورة تحمل بذرةَ وأدِها. ثورةٌ لا يرقى مستوى وعي رجالاتها لاستشراف نجاحِها الناجز. وحقَّ للروائي أن يذكرها لأنَّ نتاجَ وطأتِها كان مأساوياً على البناء التركيبي القادم لحياته. فمن رَحِم مقاطعة (خاليسكو) المكسيكية ومنعطفاتها المعبّأة بالحرارة الفائرة قُدِّر لخوان رولفو - في ساعاته الأولى - أن يسمع تأوهات الصدور لجموعِ الفلاحين القاطنين قرى متناثرة وهم يرزحون تحت وطأة احتلال أسباني متعجرف عملَ على إبادة السكان الأصليين، وأحلَّ مكانهم آخرين نظروا لأنفسهم على أنهم أسياد المكان. واستلَّ رولفو شخصية بيدرو بارامو نموذجاً في عمله الروائي هذا من هاتيك الشريحة المتجبّرة. ولا بدَّ لوضعٍ كهذا أنْ يشهد عدم الاستقرار. ولا بدَّ للإنسان المظلوم أن يصرخ يوماً في وجه مضطهديه مهما طال زمنُ العسف وشسعِت مقدرة التحمّل (وهذا ما شهده رولفو في طفولته، يوم تمرّد الفلاحون عندما أجبروا على إيقاف شعائرهم الدينية عام 1926. وقد ولدت حساسية مكثَّفة ضاجّة لديه منحته قدرة عرض سردي سنراه يُنتج قصصاً تتحدّث عن كل هذا؛ يصاحبه وفاء وحنين لماضيه أرضاً وبشراً رغم قسوة الماضي وتراجيديته). وبسبب ذلك فقدَ رولفو والده وجدّه ثم لحقتهما الأم، ما دفعته إلى العزلة ودخول ملجأ الأيتام حتى عمر الخامسة عشرة عندما قرر السفر إلى العاصمة لإكمال دراسته الجامعية التي لم يقدر على بلوغها فصارت العاصمة سكنه الدائم بينما تراكمت صور وأحداث أيامه السالفة في خانة متأججة من الذاكرة.
ومن هذا التعقيد المُربك لحياة الكاتب ولدت روايته المُربكة التي لا تُفهم بسهولة ولا تمنح متعة قراءتها من أول مطالعة. إنها شبكة معقدة ومتشظية من الصور والتراكيب والأصوات. ويشير مترجمها إلى أنّه واجه صعوبات جمّة في مضمار ترجمتها بعدما ظنَّ بادئ الأمر أنها رواية يمكن أن ينال حظوة تقديمها بجهدٍ يسير الحق أني وقعتُ في ما يشبه المصيدة؛ إذ إنَّ المقاطع الأولى من الرواية أغرتني بترجمة الكتاب، وكنتُ أتوقَّع أن تسير المقاطع الأخرى على المنوال نفسه من ذلك الأسلوب السهل الممتنع للمقاطع الأولى. إلا أني وجدتُ نفسي قد دخلتُ في رمال الرواية المتحركة التي كانت تشدني إلى الأسفل، وتضعني أمام سلسلة لا تنتهي من المفردات والأسماء والمصطلحات. ومن يلج استهلال الرواية ويدخل في غمار سيرها يعذر المترجم ويمجِّد حذقه وجهده الاستثنائي في ترجمتها. فهي اشتغال صعب وعسير ما أن تدخل مع سردٍ وتوصيف لموقعٍ وحركة شخوص وحوار لمّا ترتسم ملامحهم وتلتم في الذاكرة حتى يصدمك سردٌ وشخوص وأماكن أخرى تهشّم لديك ما جمعت. وهي صفّة تدوينية كانت غير مألوفة زمن كتابتها واطّلاع قرائها. ولولا جهد المترجم ومثابرته لكنّا نحن القراء العرب فقدنا متعة قراءة رواية هائلة كـ بيدرو بارامو إذ يشير في مقدمة كتابه المترجم أنّ مشروع الترجمة كاد يقف عند هذا الحد لأني لم أكن مقتنعاً بما ترجمته، ولأنَّ هناك ثغرات في النص المترجم لم استسغها؛ إلا أنني استطعت الحصول على نسخة أخرى من الرواية نفسها صادرة عن دار نشر أسبانية فكَّت رموز هذه الرواية وجاءت حافلة بالملاحظات والشروح وقدّمت تفصيلاً شاملاً لكل المفردات الغريبة والمحلية التي وردت في الرواية. وهنا وجدتُ نفسي أقوم بترجمة الكتاب مرّةً أخرى في ضوء المعلومات الجديدة. بل اضطررتُ إلى ترجمة مقدمة الكتاب الطويلة ليستطيع القارىء فك رموز الرواية.
تبدو عنونة الرواية بهذا الاسم إشارة مقصودة من الكاتب حيث:
*
بيدرو بارامو الإقطاعي المهيمن على (كومالا). له أتباعه ورجالاته. وهنا يُقر الروائي قصدياً بسطوة القوى المُضطهِدة وتقهقر ذوي المطالب الحقّة.
*
بيدرو بارامو: العاشق غير السوي؛ الذي أحبّ سوزانا نصف المعتوهة التي قرّر بعد موتها أن يحيل (كومالا) القرية التي تحت سطوته خراباً أبدياً، ومدفناً جماعياً لذاكرةِ ساكنيها الذين تبعثروا فتركوا القرية جغرافية أشباح، وصفيراً دائماً.



تتداخل الأصوات عبر السرد وتعود الذاكرة تقهقراً، تُبرز صوراً وحوارات ثم تتخللها تداعيات. ففي الوقت الذي يبتدئ فيه الراوية بصوت المتكلّم خوان بريثيادو نرى بعد عدَّة صفحات الصوت الغائب يمسك زمام السرد ليحدثنا عن بيدرو بارامو، حيث يتداخل أيضاً الحديث عنه. فمرةً يكون صبيّاً تعنفه أمّه لعدم مساعدته جدّته بحوار تبدو عليه لمسات الغباء. يخترق الحوار تداعٍ يتكلم فيه بيدرو وهو رجل مسن عبر تذكره لسوزانا، الفتاة التي أحبَّها بعمقٍ لكنَّها ماتت.. ثم يعود السرد بلسان الصوت الثالث يواصل الإخبار عن بيدرو الصبي. ومن داخل السرد يتعالى التداعي بسوزانا كنت أنظر إلى القطرات التي التمعت في ضوء البرق وهي تسقط وأتنهّد كلما تنفستُ وكنتُ كلّما أفكِّر، أفكر فيكِ أنتِ يا سوزانا ص74
ويعود خوان بريثيادو الذي استهل الدخول إلى الرواية عبر زيارة قرية (كومالا) بناءً على وصية أمّه التي ماتت قبل أيام لأخذ حقّه من أبيه بيدرو بارامو والتي يصلها فيلتقي بـ دولوريس التي تخبره أنها صديقة أمّه، وأنهما عاشا سويةً لكنَّ أمّه تزوجت بيدرو ولم ينصفها.. يعود بريثيادو يتحدث عن دونيا ايدوفكس التي تحدثه عن أمه وكيف أنَّ عرّاب بيدرو نصحها أن لا تضاجع بيدرو تلك الليلة. فطلبت من دونيا ايدوفكس أن تذهب بدلها؛ وفعلت المرأة. ونعرف أنَّ بريثيادو جاء ولداً لـدولوريس. لكن هذا التعرَّف سرعان ما يُبطل فعله فنكتشف أن دونيا ايدوفيكس كانت تهذي بهذا الكلام وأنها ساعة التحدث كانت من عداد الأموات وما هذا الكلام الذي سمعه سوى محض وهم انبثق في خيال بريثيادو نفسه على لسان دونيا. وحتى الشخوص الذين التقاهم بريثيادو منذ بدء الرواية هم أموات ابتداءً من الحوذي الذي ظنّه حيّاً واكتشف في ما بعد أنه ميت من خلال أخبار دونيا ايدوفيكس.
إن ميزة هذه الرواية المثيرة أنها تجعلك تعيش المتخيَّل كما لو كان واقعاً رغم صبغته السريالية الي تطلي حركية الشخوص وتمثلهم حيث تتمظهر المرأة التي يقابلها نساءً عديدات. ففي المرّة الأولى التي منها سمع الكلام ودخل في حوارٍ معها كانت دونيا أيدوفيكس. ودونيا هذه سرعان ما استحالت داميانا تلك المرأة التي لا تقطن قرية كومالا بل قرية ميديا لونا المجاورة التي عرفها بريثيادو على أنها التي اعتنت به وربّته في صغره. ولم تعترض داميانا على الكلام بل وافقته وهو يخبرها أنَّ حديثاً طويلاً جرى بينه وبين دونيا. والغريب أن كل من التقاها وحدثته عمّن جاءت في سياق الكلام كانت حياتها غميرة المأساة ومليئة بالخطايا. الخطايا التي لا نجد لها وجوداً كبيراً. فقط ما أوحى به صانع الخطاب؛ لأنَّ خطايا يرتكبها أناس بسطاء لا يمكن أن تكون مهولة إلى درجة تؤدي إلى الفناء، وليس العذاب الذي تلاقيه هذه النفوس في مضمار موتها يقارن بكبار الخطايا. إنَّ صانع الخطاب يقسو بثقلٍ مريع على شخوص روايته حتى وإن رأيناهم أناساً عاديّين:
-
ألا ترى الخطيئة فيَّ ألا ترى هذه البقع الداكنة كأنها طفح ينتشر فيَّ من قمّة رأسي إلى أخمص قدمي. هذا هو الجزء الظاهر فقط، أما داخلي فهو بحر من وحل
-
ومن براك إذا كان لا يوجد أحد هنا؟ لقد طفتُ أرجاء المدينة ولم أشاهد أحداً؟
-
هذا ما تعتقده أنت، ولكن ما زال بعضهم موجوداً. قل لي إذا ما كان فيلومينو أو دوروتيا أو بردمثيو العجوز أو سوستينس ليسوا أحياء؟ ولكن ما يحدث أنهم يقضون وقتهم سجناء. لست أدري ما الذي يفعلونه في أثناء النهار؛ أما الليل فيقضونه في حبسهم. إن هذه الساعات مليئة بالرعب. ليتك ترى زحمة الأرواح التي تمرح طليقة في الشارع. فحالما يبدأ الظلام تأخذ بالخروج. لا أحد يرغب في رؤيتها أنها كثيرة ونحن قلة. ولا تفيد معها حتى صلواتنا لأنها تخرج بسبب آلامها ص119. هذا التصوير المهول الذي يصوره خوان رولفو لسكان كومالا يمثل مرتبة عالية من القسوة. وحتى خوان بريثيادو الراوي لم يفعِّله بل تركه يتعذب وهو يخطو على أديم طرقات القرية ويدخل بيوتاتها الذاوية ثم يُدخِلهُ حلبة الهذيان والموت. ويظل رولفو ينشر قسوته حتى على الثورة التي تندلع على الأوضاع المتردية في الجنبات المكسيكية ويأتي لهب الثورة إلى كومالا فيعدها من الحركات التي تحمل بذرة وأدها. ومن هنا لا يعطي أي منفذ لخلاص كومالا من عزلتها، ولا يمنح أيّة بادرة أمل لحياة جديدة ما يدفعها إلى الموت المحتَّم فيحكم عليها بالفناء.
إن الخطاب الروائي الذي يتعالق وذهنية المتلقي ويتفاعل معه بدافع الوصول إلى مرحلة الإدراك هو الخطاب الذي يمتلك الجرأة في الطرح والإيهام في التأويل. والشخصية التي يُرسَم لها على أن تكون مؤثرة ينبغي وجودها فاعلة لها قدرة التغيير وتحويل المسار المألوف؛ و(كومالا) التي كانت قرية خضراء يانعة استحالت بقدرة بيدرو إلى يباب يغمرها الهجر ويدميها الفقد. فقد استحوذ بيدرو على كل المقدرات؛ وكان مصير القرية بيده، فهو الذي يتحكم في جهد الفلاحين ومستقبلهم، وهو الذي يؤثِّر على القس الأب رونتيريا ويدفعه إلى قبول آرائه حتى وإن كان فيها تجديف، حتى وإن كانت تتعارض وتعاليم المسيح؛ وهو الذي كانت استباحة نساء القرية تتم لديه بمقدرة لا تستدعي الجهد، اعتماداً على وسائل الترغيب بالخديعة تارة والترهيب بالتهديد تارات ينفذها فولغور سيدانو ذراعه اليمنى الذي يستخدمه لتحقيق المآرب والوصول إلى المآل. فمرة حدث أن رغب بيدرو في مضاجعة دولوريس فتم له إقناعها عن طريق سيدانو بقبولها زوجةً له وتحقيق مراسيم عرس سريعة وبوقت لا يتعدى امتداد التهيئة له لا يزيد على اليومين. وأمام هذه الخديعة تسقط دولوريس في شباك الغواية:
-
اعذر خجلي يا دون فولغور. لم أكن أعتقد أن دون بيدرو معجب بي.
-
إنّه لا ينام من كثرة التفكير فيكِ.
-
لكنه يستطيع أن يختار أي واحدة، فالجميلات مثيرات في كومالا. ماذا سيقلنَ عندما يعرفنَ؟
-
إنّه يفكر فيك وحسب، يا دولوريس. لن يفكر بعد الآن في غيرك ص103
وكانت دولوريس صاغرة.. وكان الجميع أمام بيدرو صاغرين، منفذين.
ولم يتعلق الأمر بقسوة بيدرو بارامو وامتهانه للناس بل تعدّت هذه القسوة والامتهان إلى سلوكية ولده ميغيل بارامو فسامَ هذا الابن الناس سوء العذاب والقتل واعتدى على الشرف؛ إذ قتل شقيق الأب رينتيريا واغتصب ابنة القتيل كواحدة من ممارسات الاستحواذ والتعبير عن الهيمنة. ويوم قُتل هو رفض الأب رينتيريا قراءة الصلاة عليه وطلب الغفران له. ولأن لبيدرو بارامو سطوة قوية فقد أجبر الأب القس على أداء الصلاة بعدما تبرع للكنيسة كدلالة على اعترافه بها بمال وفير في محاولة لإرضائه. ولكن هل أعلن القس رضاءه عن قاتل أخيه ومغتصب ابنة أخيه بالعفو: جمع القس رينتيريا قطع النقود الواحدة بعد الأخرى واقترب من مذبح الكنيسة، وقال: - إنها لكَ فهو يستطيع أن يشتري الخلاص. أنت وحدك تعرف إذا كان هذا هو الثمن. أما أنا يا ربّي فسأجلس عند قدميك لألتمس منك كل ما هو عادل أو غير عادلٍ. وهو كل ما ينبغي أن نطلبه.. عاقبه من أجلي يا رب ص88
ولقد قسم النقاد الرواية إلى قسمين وجعلوها ذات مستويين حيث القسم الأول يضم حضور خوان بريثيادو إلى كومالا واستحالته شبحاً عبر الرعب ثم الموت في أجواء من الفنتازيا والخيالات والتنصل عن الواقع، في حين جعلوا القسم الثاني قسم الواقع المعيش عودةً إلى الماضي، وقت كانت كومالا تعيش التفاصيل اليومية تحت سطوة بيدرو وأمام أنظار الفقر والخطايا والثورات الفاشلة.. وفي هذا القسم نشهد أحداث الثورات الفاشلة. وفي هذا القسم أيضاً نتعرف على بيدرو مسيطراً وقد امتلك كل شيء مثلما نتعرف على سوزانا وقد غدت امرأة تعيش تحت طائلة مرضٍ يجعلها لا تعير وزنا لأيامها ولا تلتفت توجهاً إلى الرب ليسعفها؛ وإذ ماتت كان موتها بغيبوبة لا تعرف من حولها ولم تطلب غفراناً كما نشهد موت بيدرو وهو يرى نعش سوزانا ينقل إلى المقبرة فتتفاعل التداعيات داخله: نظر إلى ذلك الموكب.
إنَّ خوان رولفو صنع لنا رواية خالية من الفرح، ولا يوجد ثمّة منبت للضياء. زرع في فضاء مخيلتنا عالم الأموات والأحياء أو الأحياء الأموات لا فرق، ودعانا إلى اقتفاء خطى قرية هي ذاتها قبل الفناء وبعده. ففي الوجود الذي يجسد جغرافيتها يعرض تضاريس بؤس وشقاء واستحواذ وقتل ودماء واغتصاب وغواية وأشباح وأحلام موؤدة، وأمانٍ منتهكة، ووجوه فاقدة الملامح، وصدور خاوية القلوب، وذاكرات منخورة كالغرابيل.
إنّ قراءتنا لهكذا خطاب روائي هائل تظل محفورة على صوان الذاكرة. ودائماً تنهض لتكون تدويناً يساجل التدوينات اللاحقة بصيغة مقارنة أو بأسلوب استقراء. وإذا كان غوستاف باشلار اعتبرَ متعةَ القراءةِ انعكاساً لمتعة الكتابة فقد رافق الصواب. وما استمتاعنا كقرّاء مطالعين وقراء ناقدين إلاّ صدى لجمالية الرواية المبثوثة على نواصي الصفحات والمنثورة صوراً في فضاء المخيلة.
وتبقى بيدرو بارامو رواية عصيةً على الملل، مناهضة للإشباع، مثيرة للَّذاذات الرغوية، ساعية للتأجج والانشطار.

هامش:
(*) بيدرو بارامو : لـ خوان رولفو .. ترجمة مروان إبراهيم.. دار المأمون للترجمة والنشر - بغداد 1990 .


زيد الشهيد / كاتب عراقي


عن مجلة افق الثقافية
تنويه:
المدونة تتيح تحميل الرواية لمن أراد الإطلاع عليها
(كتب وروايات مترجمة للتحميل).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق