السبت، 4 مايو 2013

حكاية بلا مغزى وقصص أخرى


قصة :خوليو كورتاثر

ترجمها عن الإسبانية: أحمد يماني**


حكاية بلا مغزى

كان ثمة رجل يبيع صرخات وكلمات، وكانت تجارته رابحة، رغم التقائه أناسًا كثيرين يساومون في السعر ويطلبون تخفيضًا. كان الرجل يقبل دومًا وهكذا تمكن من بيع العديد من الصيحات إلى باعة متجولين وبعض التنهدات التي تشتريها سيدات من ذوات الأملاك وكلمات تصلح كهتافات وشعارات وعناوين وأفكار زائفة.
أخيرًا عرف الرجل أن الوقت قد حان وطلب لقاء طاغية البلاد، والذي يشبه جميع زملائه، وقد استقبله محاطًا بالجنرالات والأمناء وفناجين القهوة: قال الرجل: جئت لأبيع لك كلماتك الأخيرة، إنها بالغة الأهمية لأنها لن تخرج منك قط بشكل طيب في حينها، وفي المقابل من الملائم لك أن تقولها ساعة الاحتضار القاسي، كي تشكل بسهولة مصيرًا تاريخيًا وتذكاريًا.

- ترجم لي ما يقوله. - أمر الطاغية مترجمه-
- إنه يتحدث بالأرجنتينية، فخامتكم.
- بالأرجنتينية؟! ولماذا لا أفهم شيئا؟!
- لقد فهمت جيدًا قال الرجل - أكرر أنني جئت لأبيع لك كلماتك الأخيرة.
وقف الطاغية على قدميه كما يحدث عادة في مثل هذه الظروف، وكاظمًا رعشة أمر بإلقاء القبض على الرجل وحبسه في زنزانة خاصة دائما ما توجد في هذه الأجواء الحكومية.
- يا للأسف- قال الرجل بينما كانوا يحملونه- في الحقيقة إنك ستود أن تقول هذه الكلمات حين يأتي الأجل، وستحتاج لقولها من أجل أن تشكل بسهولة مصيرا تاريخيا وتذكاريا. ما كنت سأبيعه لك هو ما ستود أن تقوله، فلا يوجد غش إذن، ولكن بما أنك لم تقبل الاتفاق وبما أنك لن تتعلم مقدمًا تلك الكلمات فحينما تحين اللحظة التي ستود فيها الكلمات أن تنبثق للمرة الأولى وبشكل طبيعي فإنك لن تتمكن من النطق بها.
- لماذا لن أتمكن من النطق بها، إذا كانت ما يجب علي قوله؟ تساءل الطاغية وأمامه فنجان آخر من القهوة.
- لأن الخوف لن يسمح لك- قال الرجل بحزن: لأن حبلاً سيكون حول عنقك ومرتديًا قميصا ترتعش من الرعب والبرد، وسوف تصطك أسنانك ولن تستطيع أن تنطق بكلمة. الجلاد والحضور، بينهم سيكون بعض هؤلاء السادة، سينتظرون دقيقتين لياقة، لكن عندما يخرج من فمك فقط أنين متقطع جراء الشهقة وتضرع استغفارا (لأن هذا ستتمكن من نطقه من دون جهد) سيفرغ صبرهم وسيقومون بشنقك.
أحاط الحاضرون بالطاغية وهم جد غاضبين وخصوصا الجنرالات وطلبوا منه إطلاق النار على الرجل في الحال. لكن الطاغية، وكان شاحبًا كالموت، طردهم بفظاظة واختلى بالرجل كي يشتري منه كلماته الأخيرة.
في الوقت نفسه، فإن الجنرالات والأمناء، المذلّين تماما من هذه المعاملة، أعدوا العدة للانقلاب عليه وفي الصباح التالي قبضوا على الطاغية بينما كان يأكل عنبًا في استراحته المفضلة. وكي لا يتمكن من نطق كلماته الأخيرة قاموا بقتله في الحال بإطلاق رصاصة عليه. بعد ذلك شرعوا في البحث عن الرجل الذي كان قد اختفى من مقر الحكومة، وسرعان ما وجدوه، فقد كان يتمشى في السوق بائعًا إعلانات للبهلوانات. وضعوه في سيارة الشرطة وحملوه إلى القلعة وقاموا بتعذيبه كي يكشف عن الكلمات التي كانت من الممكن أن تكون الأخيرة للطاغية. وبما أنهم لم يتحصلوا على أي اعتراف منه فقد قاموا بقتله ركلاً.
الباعة الجائلون الذين كانوا قد اشتروا صرخات منه ظلوا يصرخون في الزوايا، إحدى تلك الصرخات صارت بعد ذلك كلمة سر للثورة المضادة التي أنهت حكم الجنرالات والأمناء. البعض منهم، قبل أن يموت، فكر مضطربًا أنه في الحقيقة كل ذلك كان سلسلة خرقاء من الارتباكات وأن الكلمات والصرخات كانت في الواقع شيئا يمكن أن يباع ولكن لا يشترى، وإن كان يبدو ذلك عبثيا.
طال التحلل الجميع، الطاغية والرجل والجنرالات والأمناء، لكن الصرخات ظلت تتردد بين الحين والآخر في الزوايا.


خطوط اليد

من رسالة ملقاة على الطاولة يخرج خط يمر عبر لوح الصنوبر ويهبط عبر ساق. يكفي النظر جيدًا لاكتشاف أن الخط يمضي عبر الأرضية الخشبية، يرتفع إلى السور، يدخل في صورة تستنسخ لوحة لـ «بوشيه»، يرسم ظهر امرأة مستلقية على الأريكة وأخيرا يهرب من الغرفة عبر السقف وينحدر في سلسلة مانعة الصواعق حتى الشارع. من الصعب ملاحقته هناك بسبب حركة المرور، ولكن ببعض الانتباه سيرى صاعدًا عجلة الحافلة المتوقفة في الزاوية والتي تحمل الناس إلى الميناء. هناك يهبط عبر الجورب النايلون الكريستالي للمسافرة الأكثر شقرة، يدخل في منطقة الجمارك المعادية، ينحدر ويتعرج ويزحف حتى الرصيف الكبير وهناك (لكن من الصعب رؤيته، فقط الفئران تتابعه للصعود على ظهره) يصعد إلى سفينة التوربينات الهادرة، يمضي عبر سطح الطلاء من الدرجة الأولى، يجتاز بصعوبة فتحة السفينة الأكبر المؤدية إلى الأسفل وفي إحدى المقصورات، حيث يجلس رجل حزين يستمع إلى صفارة الرحيل، يرتفع عبر خياطة البنطلون، عبر السترة المطرزة، ينزلق حتى الكوع وبجهد أخير يأوي إلى كف اليد اليمنى، والتي في تلك اللحظة تبدأ في الانغلاق على مقبض المسدس.

مسلك المرايا في جزيرة عيد الفصح

عندما يتم وضع مرآة إلى جهة الغرب في جزيرة عيد الفصح فإنها تؤخر الوقت. وعندما يتم وضع مرآة إلى جهة الشرق في جزيرة عيد الفصح فإنها تقدم الوقت. بقياسات دقيقة يمكن إيجاد النقطة التي يكون فيها الوقت منضبطًا، لكن هذه النقطة التي تصلح لهذه المرآة ليست ضمانة أنها تصلح لأخرى، فالمرايا تعاني اختلاف المواد وتنفعل كما يحلو لها. وهكذا فإن سالومون ليموس عالم الأنثروبولوجيا، الحاصل على زمالة معهد جوجنهايم رأى نفسه ميتًا بالتيفود عند نظره للمرآة وهو يحلق لحيته، كل هذا في الجانب الغربي من الجزيرة. في الوقت نفسه فإن مرآة كانت منسية في الجانب الشرقي للجزيرة تعكس للا أحد (كانت ملقاة بين الحجارة) سالومون ليموس ببنطلونه القصير وهو ذاهب إلى المدرسة، ثم بعد ذلك وهو في حوض الاستحمام وأمه وأبوه يحممانه بحماسة؛ بعد ذلك وعمته ريميديوس تناغيه متأثرة في إحدى مزارع منطقة ترينكي لاوكن.


جمل غير مرغوب فيه


قبلوا جميع طلبات العبور عبر الحدود، لكن «جوك»، يتم إعلانه بشكل غير متوقع «غير مرغوب فيه». يذهب جوك إلى مركز الشرطة حيث يقولون له إنه لا يمكن عمل شيء، عد إلى الواحة، بإعلانك غير مرغوب فيك فليس هناك من فائدة في إجراء الطلب. جوك الحزين يعود إلى ملاعب الطفولة. جمال العائلة والأصدقاء يحيطون به، يسألونه ماذا حدث، غير معقول، ولماذا أنت على وجه الخصوص؟ حينئذ قام وفد إلى وزارة النقل للاستئناف، بعدد هائل من الموظفين ذوي الشهادات: هذا لم يرَ من قبل، عودوا إلى الواحة على الفور وسوف ينظر في الأمر.يأكل جوك في الواحة عشبا.كل الجمال عبرت الحدود. جوك لا يزال ينتظر. هكذا يمر الصيف والخريف. بعد ذلك يعود جوك إلى المدينة، يتوقف في ساحة فارغة. يتم تصويره كثيرًا من قبل السياح ويجيب عن أسئلة التحقيقات الصحفية. لجوك هيبة غامضة في الساحة. يستغل الفرصة ليبحث عن مخرج، على البوابة يتغير كل شيء: يعلن غير مرغوب فيه. يحني جوك رأسه، يبحث عن الكلأ النادر في الساحة. نادوا عليه في أحد الأيام بمكبر الصوت ودخل سعيدًا إلى مركز الشرطة وهناك يعلن «غير مرغوب فيه». يعود جوك إلى الواحة وينام. يأكل قليلا من العشب وبعد ذلك يضع خطمه في الرمال. يبدأ في إغلاق العينين بينما تغرب الشمس. من منخاره تخرج فقاعة تدوم ثانية واحدة أكثر منه.
-----------------------------------
* كاتب أرجنتيني 1914 - 1984
** كاتب ومترجم من مصر
- عن موقع سين

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق