الخميس، 15 سبتمبر 2011

"حياة دون كيخوته وسانتشو".. قراءة في سيرة البطل المضاد



يندرج كتاب "حياة دون كيخوته وسانتشو" للكاتب الإسباني ميغيل دي أونامونو في إطار السيل الجارف من النصوص النقدية التي حاولت تفسير شخصية الدون كيخوته وتابعه سانتشو بانثا بطلي رواية الكاتب الإسباني سيرفانتس حيث شهدت الأربعمئة سنة الأخيرة التي تلت صدور الرواية العديد من الدراسات والمقالات والأطروحات التي سعت لتقويم هذا العمل الأدبي العظيم.

وكان كتاب وفلاسفة وأدباء كل عصر يفهمون الدون كيخوته على طريقتهم فيبرزون طبيعته الساخرة من كتب الفروسية ووظيفته التهكمية من عادات معينة وموقفه في الدفاع عن المثل العليا وتقويم الاعوجاج فضلاً عن التركيز على طبيعة العمل الروائية الواقعية‏ التي دشنت مسار الرواية العالمية بمفهومها الحديث.

وفي هذا الاتجاه يأتي كتاب أونامونو المنشور لأول مرة عام 1905 في الذكرى المئوية الثالثة لصدور رواية ثربانتس حيث سبقه في إسبانيا بتلك المرحلة كم هائل من الأدب التجديدي الإصلاحي ساهم أونامونو نفسه في إثرائه فيما بعد بصورة متوالية وحاسمة عبر أعمال ومقالات مهمة حول فيها دون كيخوته إلى مركز تأملاته حول أسباب انحدار الإسبان وسباتهم والبحث عن حلول للخروج من ذلك الوضع جاعلاً من الدون كيشوت مثلاً لفارس الإيمان بمثل نشر العدالة والمحبة.

ويقول صالح علماني مترجم الكتاب عن الإسبانية في مقدمة الكتاب الصادر حديثاً عن “دار رفوف” بدمشق انه من أجل فهم دقيق لهذا الكتاب ولطروحات أونامونو فيه فلا بد للقارئ من العودة مجدداً إلى أجواء المرحلة التي كتب فيها هذا الكتاب أي مرحلة ما بعد هزيمة إسبانيا في مواجهتها مع الولايات المتحدة عام 1898 والتي انعكست على كافة مستويات الحياة اليومية الإسبانية فكان هناك اختلال توازن هائل جرى التعبير عنه على المستوى الفكري من خلال كتاب “جيل 98” الذين عكسوا في أعمالهم احتضار الكارثة الاستعمارية والغم الوجودي لموضوع إسبانيا.


ويوضح علماني على صفحات الكتاب أن “حياة دون كيخوته وسانتشو” ليس في الواقع إلا صورة ذاتية يقدمها أونامونو لنفسه مزينة بمجموعة من القيم كالإيمان والشجاعة والجنون والعاطفة كي يعرض نفسه للقارئ كمثال حيوي خاص بأونامونو قبل أن يكون لثربانتس ويؤكد أنامونو في مقدمة الطبعة الثانية لكتابه أن إصداره “ حياة الدون كيخوته وسانتشو” توافق مصادفة وليس عمداً مع الاحتفال بالذكرى المئوية الثالثة لطباعة الكيخوته أول مرة إذ يجب عدم فهم كتابه على أنه “عمل بمناسبة الذكرى المئوية”.

ويهرب أونامونو في كتابه “حياة دون كيخوته وسانتشو” من الطريقة التقليدية في قراءة عمل ثربانتس التي سار عليها التجديديون من أبناء جيله ففي لجوئه إلى طرح أسطورة الكيخوته لم يتبع أونامونو الدروب التي خطها غيره من التجديديين الإصلاحيين إنما استفاد من شخصية الكيخوته بصورة أساسية ليحدد نفسه في دور المثقف المصمم في تلك الفترة على لعب دور البطولة.

وينطلق أونامونو في تأملاته حول شخصية الكيخوته من إنكار أي مغزى موضوعي في كتاب ثربانتس ويبقي خطابه موجهاً حصرياً إلى ذاتية القارئ فنراه ينطلق في خطابه على الدوام من تجربة واردة في الكتاب ترفع لديه إلى مقولة فلسفية ثم تحول إلى نظرية وأخيراً وفي حركة ثالثة يتحول اهتمام النص إلى الحياة. ‏

‏يذكر أن كتاب “حياة دون كيخوته وسانتشو” يقع في 324 صفحة من القطع المتوسط ورواية ثربانتس من أهم الروايات العالمية التي تلقت في القرن التاسع عشر دفعة كبيرة حولت الكيخوته إلى أسطورة من خلال ما قدمه الرومانسيون الألمان من قراءات مثالية للكتاب وسعت من انتشاره عالمياً.

ودون كيخوته هو الشخصية الرئيسية التي تمنح العنوان لرواية الكاتب الإسباني ميغيل ثربانتس الصادرة بعنوان.. “قصة النبيل العبقري دون كيخوته دي لا مانتشا” حيث كان صدورها أول مرة في جزأين الأول منهما عام 1605 بينما صدر الجزء الثاني بعد عشرة أعوام في العام 1614 وتعتبر رواية ثربانتس من أوسع الكتب قراءة في العالم فقد تحول بطلها “دون كيخوته” مع مرور الزمن إلى أسطورة ونموذج للمغامر المثالي المناضل ضد الظلم.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق