التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

اِلتزامات قصة قصيرة لأندريس ريفيرا

اِلتزامات أندريس ريفيرا (1928-2016)   ترجمة: توفيق البوركي (المغرب) ما زلت إلى الآن أتذكّر ذلك المساء، حين لمحتُ وأنا مارّ على رصيف الميناء شيئًا يلمع داخل سلّة مهملات صغيرة. وبفضول مبرّر في طبعي بوصفي هاوي التقاط الأشياء، انحنيت لأخذه ومن ثمّ فركته بطرف حقيبتي. وهكذا استطعت أن أتبيّن أنّ الأمر يتعلّق بشِعار صغير من الفضّة تتخلّله رموز بدت لي غامضة لحظتئذ. وضعته في جيبي وعدت إلى المنزل دون أن أولي الأمر اهتمامًا كبيرًا. لم أستطع أن أحدّد بدقّة كم مرّ عليه من الوقت محفوظًا داخل جيب تلك السّترة، التي لم أكن أستعملها إلاّ فيما ندر. ما أتذكّره فقط، أنّني أرسلتها في إحدى المناسبات للتّنظيف. ويا للمفاجأة الكبيرة حين أعادها إليّ المستخدم نظيفة ومعها علبة صغيرة، وهو يقول: "من المفترض أنها لك، فقد وجدتها في جيب سترتك". وقد كان ما بداخلها، طبعًا، هو ذلك الشّعار. هذه الاستعادة غير المتوقّعة، حمّستني إلى

في النقد الترجمي: فضيحة الخضار والفواكه

زيد الرفاعي هذه  المقالة القصيرة هدفها التعرض سريعا لبعض الإشكاليات في الترجمة من اللغات الأُخرى إلى العربية، وعلى وجه الخصوص أهلية المترجمين لنقل النصوص الأجنبية ومدى قدرتهم على التعبير باللغة الأم، التي هي العربية. بمعنى آخر، تسعى هذه المقالة وبعجالة لتبيان ضعف الموارد اللغوية التي في متناول المترجمين مع سعتها في لغتهم. ومثل هذه الممارسات تُولد انطباعا، عند غير الواعين لغوياً، أن العربية تتقاصر في أداء عملية الترجمة التي تعني، بأبسط صورها، "التعبير بدقة وبصورة كاملة، عبر وسائل لغةٍ ما، عما عبرتْ عنه لغةٌ أُخرى بوسائلها اللغوية في إطار وحدة المضمون والشكل" 1 .  وتأسيساً على ذلكَ، لن نتطرق للجوانب النظرية للترجمة، وما أكثرها، ولا عن أهميتها كذلك. غير أننا نجد من المفيد التأكيد على أن الترجمة ببساطة هي دائما وفي المقام الأول عملية لغوية وإن علم اللغة هو القاسم المشترك والأساس لكل العمليات الترجمية؛ فضلا عن كونها عملية إبداعية: فن ذي أُصول علمية 2 . كانت الترجمة سبباً في دخول كثير من التراكيب الغريبة والأجنبية للعربية 3 . وبشكل عام، عبر الترجمة تمر سلع مهربة ...

ثلاث قصص قصيرة

تأليف: خوليو كورتاثار *     خطوط اليد من رسالة ملقاة على الطاولة يخرج خط يمرّ عبر لوح الصنوبر ويهبط عبر ساق. يكفي النظر جيداً لاكتشاف أن الخط يمضي عبر الأرضية الخشبية، يرتفع إلى السور، يدخل في صورة تستنسخ لوحة لـ «بوشيه»، يرسم ظهر امرأة مستلقية على الأريكة، وأخيراً يهرب من الغرفة عبر السقف، وينحدر في سلسلة مانعة الصواعق حتى الشارع. من الصعب ملاحقته هناك بسبب حركة المرور، ولكن ببعض الانتباه سيُرى صاعداً عجلة الحافلة المتوقفة في الزاوية والتي تحمل الناس إلى الميناء. هناك يهبط عبر الجورب النايلون الكريستالي للمسافرة الأكثر شقرة، يدخل في منطقة الجمارك المعادية، ينحدر ويتعرج ويزحف حتى الرصيف الكبير، وهناك -لكن من الصعب رؤيته، فقط الفئران تتابعه للصعود على ظهره- يصعد إلى سفينة التوربينات الهادرة، يمضي عبر سطح الطلاء من الدرجة الأولى، يجتاز بصعوبة فتحة السفينة الأكبر المؤدية إلى الأسفل وفي إحدى المقصورات، حيث يجلس رجل حزين يستمع إلى صفارة الرحيل، يرتفع عبر خياطة البنطلون، عبر السترة المطرزة، ينزلق حتى الكوع وبجهد أخير يأوي إلى كف اليد اليمنى، والتي في تلك اللحظة تبدأ في...

مفكرة المترجم: مع أماني فوزي حبشي

أماني فوزي حبشي: مترجمة مصرية من مواليد القاهرة عام 1968، وتقيم حالياً في المملكة المتحدة. من ترجماتها: "بندول فوكو" لأومبرتو إيكو، وثلاثية "الفسكونت المشطور" و"البارون ساكن الأشجار" و"فارس بلا وجود" لـ إيتالو كالفينو، و"العبودية في العصر الحديث" لـ باتريسيا ديلبيانو، و"سبارتاكوس" لـ آلدو سكافونه، و"القبعة ذات الأجراس" للوجي بيرانديللو، و"صوت منفرد" لسوزانا تامارو.

هل حالتي مستعصية يا دكتور؟

هل حالتي مستعصية يا دكتور؟ *   ¿Es muy grave, doctor? قصّة: خوان خوسيه مِيّاس (إسبانيا) ترجمة: أحمد عبد اللطيف (مصر) في شبابي، شاركتُ فتاة في شقّة، وأوّل ما قالته لي إنّ غسل الأواني يُنهكها، وبالتّالي باتتْ هذه مهمّتي. بدا لي ذلك في البداية ثقيلاً، أعتقد لأنّي كنتُ أصِرّ على الانتهاء سريعًا، لكن بعد ذلك بات يروق لي، فكنت أغسل في السّاعة نفس عدد الأطباق التي يغسلها فرد عادي في نصف ساعة. أكثر ما كان يروق لي في هذا النّشاط أنّه كان يحفّزني ذهنيًّا في تلك الأثناء. وخلال عشر دقائق من تنظيف طاسة من الألومنيوم، كانت الخلايا العصبيّة تتصالح فيما بينها، وكنت أحلّ مشكلات كانت تستغرق على منضدة العمل أيّامًا. كان الدّعك يساعدني على الدّخول في حالة تركيز نادرة كنت أستفيد منها فوائد لا تصدّق. مع ذلك، كان يسيء رفيقتي أنْ تراني مستمتعًا بهذه الطّريقة، ثمّ بدأتْ تُفكّر أنْ تقتسم الشّقة مع شخص منحرف.

مغامرة ترجمة الشعر.. بين الاستحالة والإمكان

مغامرة ترجمة الشعر.. بين الاستحالة والإمكان محمد آيت ميهوب* مجمل المواقف الملتقية في رفض ترجمة الشعر تنطلق من مسلّمة أساسيّة مفادها أنّ المترجم لا بدّ أن يكون أمينا للنص الذي يترجم ولا تكون الأمانة إلاّ بمطابقة ترجمة النصّ الأصليّ في مبناه ومعناه. تمثّل قضيّة ترجمة الشعر أبرز القضايا المتعلّقة بالترجمة وأكثرها إثارة للنقاش بين أطراف متعدّدين من شعراء ونقّاد ومترجمين وقرّاء. وهي تكاد تستقطب كلّ جدل حول الترجمة الأدبيّة وتُتخذ عنوانا للموقف الذي يتبنّاه شخص ما من إمكان الترجمة أو استحالتها، ناقشها قديما هوراس والجاحظ، وناقشها حديثا ياكوبسون وميشونيك، وحولها تحوم مجموعة من المصادرات والأحكام المسبقة التي جعلت المواقف حيالها تتسم بطابع ثنائيّ: ففريق، وهو الأغلبيّة المطلقة، يميل أصحابه إلى رفض ترجمة الشعر لاعتقادهم أنّ نقل الشعر من لغة إلى أخرى أشبه بالسراب الخلّب، ويمثّل هذا الفريقَ النقّادُ وعلماء اللغة وعامّةُ القرّاء. أمّا الفريق الثاني، وهو قلّة، فيقرّ أصحابه بصعوبة ترجمة الشعر ولكنّهم لا يرون استحالتها.

مكالمة من وراء القبر

* مكالمة من وراء القبر Llamada de ultratumba قصّة: خوان خوسيه مِيّاس ترجمة: أحمد عبد اللطيف كان خطأ بالطّبع أنْ نُداري على ابننا موت جدّته، لكنّنا قرّرنا ذلك أنا وزوجتي عندما جاءنا خبر الكارثة. كلّ شيء كان سريعًا جدًّا، وكان مفاجئًا جدًّا كذلك، ولم يُتَح لنا الوقت لنتصرّف برصانة. حتّى بدأت المدرسة. كُنّا نتركه في بيت أمّي في وقت عملنا، وبالتّالي كان يحبّها جدًّا، مثلنا وربما أكثر منّا. فلم يكن سهلاً بالتّالي أنْ نشرح له اختفاءها. -هل نقول له الخبر أم لا؟ سألت زوجتي وهي تُهندم نفسها لتصحبني إلى محلّ تغسيل الموتى. -سننتظر لعدّة أيّام –قلت أنا-كلّ شيء لم يكن متوقّعًا. الجارة التي كانت تتكفّل به في الظّروف الطّارئة كانت خارج البيت، وبالتّالي قرّرنا أن نتركه وحيدًا. بيتنا على بُعد عشر دقائق من مغسل الموتى، بل ويمكن رؤيته من الشّرفة. سنتّصل به من آن لآخر وفي حالة حدوث شيء سيكون أحدنا أمامه في الحال.