السبت، 10 ديسمبر، 2016

الروائي خوان خوصّي ميّاس:نعيش زمناً يؤسس فيه التلفزيون ثقافة النفايات

الروائي خوان خوصّي ميّاس: نعيش زمناً يؤسس فيه التلفزيون ثقافة النفايات 

أحمد عبد اللطيف 
 ضفّة ثالثة

''صدرت رواية ميّاس إبان فترة فرانكو كرواية خارجة عن المألوف، منتصرة للفرد وليس للجماعة، للخيال وليس للتوثيق، للغرائبية وليس للمألوفية. وهو لا يني يؤكد أن "أفضل شيء للكاتب أن يموت... إنها الطريقة المثلى حتى لا يربط القارئ بينه وبين شخصياته"

 ظهر خوان خوسيه ميّاس (بالينثيا/ إسبانيا- 1946) في سبعينيات القرن العشرين الماضي، في وقت كانت الرواية الإسبانية تدور ما بين الواقعية والكوستومبرية (وهي رواية الريف والعادات) وكانت الرقابة الفرانكوية ترفع شعار الدولة الوطنية التي تحافظ على القيم الكاثوليكية في مواجهة أي مد شيوعي، وقيم الدولة العسكرية التي تعتبر من يخالفها خائنًا وعميلًا. في مواجهة ذلك اختار الكُتّاب الأكثر تمردًا النفي الاختياري، منهم من استراح في فرنسا ومن ارتحل إلى أميركا اللاتينية. لكن الهم الأساسي لهذه الرواية كان الالتزام، وكان الشعور بالرغبة في التوثيق يتفوق على الرغبة في صنع الفن، وإن كانت لم تفتقر للفن في تناولها لواحدة من أحلك فترات التاريخ الإسباني في القرن العشرين: الحرب الأهلية وديكتاتورية الجنرال.
Juan José Millás

 في هذا التوقيت جاءت رواية ميّاس رواية مغايرة، خارجة عن المألوف، منتصرة للفرد وليس للجماعة، للخيال وليس للتوثيق، للغرائبية وليس للمألوفية.
فانتازيا ميّاس ليست وليدة الثقافة الشعبية مثل الرواية اللاتينية السحرية، ولا ابنة التراث الإسباني أو العالمي، فلا تتناص معه ولا تحاكيه، بل ابنة خياله هو، خياله الفردي، خياله المتجدد يوميًا من الواقع، الواقع نفسه بكل ما فيه من فانتازيا وغرابة. بذلك ينتقل الروائي والقاص الإسباني من الخارج إلى الداخل بسلاسة، كأن الحدود ما بين الواقع والخيال ما هي إلا خطوط وهمية، مثل خطوط الطول والعرض الجغرافية، ومثل الحدود بين الدول، ومثل تقسيمة الزمن نفسها إلى ماض وحاضر ومستقبل.
من فرانكو إلى الديمقراطية
 رواية بهذه الخصائص، وفي فترة أفول الفرانكوية وظهور نبرات قوية تندد بهذه الفترة وتسجّلها، لم تكن لتجد لنفسها مكانًا لولا أنها قدمت فنًا فريدًا، وسارت في طريق ظل صاحبه يحفر فيه إلى الآن. طريق يبدو للوهلة الأولى أنه فرداني يتجاهل العالم، لكنه في عمقه تمثيل لهذا العالم، ومحاكمة له عبر أكثر الطرق فاعلية: التعرف عليه.
 هذا الرد الفني على مخلفات العنف، إذ عاش ميّاس طفلًا مرحلة ما بعد الحرب الأهلية، وعانى مثل أبناء جيله من الجوع والبرد، كان مقاربة لـ "العدمية السلبية" النيتشوية، إذ لا الإيمان باللاهوت والقيم العليا يؤدي إلى شيء، ولا الإيمان بالقيم الإنسانوية يؤدي إلى شيء أيضًا. ستنتقل إسبانيا من ديكتاتورية الجنرال لفترة التحول الديمقراطي ثم الديمقراطية وترسيخها. ستتحسن الأحوال الاقتصادية وتسترد الثقافة نفسها وتعلو قيم المجتمع الأوروبي وحقوق الإنسان، ثم ستمر بأزمة اقتصادية في عام 2008 ستؤدي لارتفاع نسبة البطالة وما يتبع ذلك من السخط وفقدان الشعور بالأمان. سيحدث كل ذلك فيما يواصل بطل ميّاس، رجلًا كان أو امرأة، اكتشاف ما وراء الشعارات الكبيرة، سيرصد أزمة ما وراء الديمقراطية كما يرصد مخلفات البطالة، لكنه في كل ذلك لا يعتني بتناول القضية، بل "بالفرد الذي يدفع الثمن". بذلك، تعتبر رواية مياس رواية الطبقة الوسطى بامتياز، الطبقة الوسطى الحائرة، والطبقة التي ينتقدها على الدوام، ينتقدها بسخرية تتسرب من بين السطور.
الوحدة كثيمة رئيسية
 يتميز أبطال ميّاس بوحدتهم، بفقدان نقطة التواصل بينهم وبين العالم، سواء كان البطل "محررًا أدبيًا يقرأ روايات لا تروق له ويريد كتابة روايته هو" أو كان "امرأة أربعينية تكلف مخبرًا سريًا بمراقبة زوجها فينتهي الأمر بأن تكلفه بمراقبتها هي لتتعرف على نفسها" أو كان "طفلا يراقب العالم عبر نافذة بدروم تطل على الشارع" أو كان "فتاة تعمل في محل أسماك وتظهر لها الكلمات وتحدثها كما تعيش مع أشخاص متخيلين" أو كان "رجلا يعيش في حلم يقظة ممتد يبدأ من توهمات وجوده في برنامج تليفزيوني وينتهي بالحياة في دولاب أسرة صغيرة". كلهم لا يبحثون عن هويتهم القومية ولا الدينية، بل يبحثون عن هويتهم الإنسانية، عن تعريف ما هو الإنسان أصلًا، وهو سؤال فلسفي أيضًا يقرب ميّاس من نيتشه. سؤال مختبئ بين طيات العمل، ويتسرب إلى القارئ بالتدريج، حتى يبدو ما هو أكثر فانتازية أعمق نقطة في الواقع، وحتى يبدو الواقع، في بنيته، محض فانتازيا. يقول ميّاس "هذه الشخصيات ليست قادمة من عالم آخر، ولا تعبّر إلا عن إنسان اليوم بالذات، حتى الغرابة التي تمثلها ليست إلا الغرابة التي نعيشها دون أن ننتبه، في كثير من الأحيان، لتفاصيلها".
مراقبة العالم من الظل
 يبدو خيال ميّاس طفوليا، خيال ينطلق من فكرة بسيطة ربما تخطر ببال طفل، مثل الاختباء في دولاب، وتتطور في عالم اليوم، عالم المخاوف والأرق. يقول ميّاس بهذا الصدد "في طفولتنا نتمتع بأجهزة استقبال خاصة، غالبًا ما نفقدها مع النضج، فالنضج يبعدنا عن الفانتازيا ويورطنا في الواقع". بمناسبة الدولاب، وهو أحد أماكن روايته الجديدة "من الظل"، يقول الروائي الإسباني "كان دولاب بيتنا أرضًا للفانتازيا بالنسبة لي، لذلك كتابة رواية تدور في دولاب كانت فكرة قديمة، حتى أني كنت أتصور وجود علاقة اتصال بين كل دواليب العالم".
السؤال الذي كان يشغل ميّاس عند كتابة الرواية كيف سيكون حال عائلة يتطلع إليها ويراقبها من داخل دولاب بغرفة النوم، ما الذي من الممكن أن يكتشفه عند اكتساب صفة "شبح" يرى الجميع دون أن يراه أحد. وكانت الإجابة "أن كل العائلات متشابهة، أن كل العائلات مختلفة أيضًا" يقول. لكنه كان مشغولًا أيضًا بالشكل، ما التكنيك الأنسب لروايته الجديدة، فاختار المونولوج، لكنه ليس المونولوج المعتاد بمعنى الحديث مع النفس، بل "بخلق البطل لشخصية وهمية تعمل مذيعة في برنامج له شعبية ذائعة، فيكون ضيفًا للبرنامج ويحكي مقتطفات طويلة من حياته، من ماضيه وحاضره"، يقول ويضيف "أعتقد أن اللعب في الرواية يجب أن تكون في الراوي، إنها المنطقة الأكثر بكارة".
المؤلف الشبح
 "الشبح في الرواية يتشابه أيضًا مع الكاتب"، يوضّح. ويضيف: "الكاتب محض شبح يتطلع للعالم دون أن يراه أحد، أو هكذا يجب أن يكون". هذه الحالة الشبحية هي الحالة التي يفضّلها مياس، الذي يعمل أيضًا في الراديو فلا يراه المستمعون لكنهم يسمعون صوته كشبح يأتي عبر جهاز صغير. "أفضل شيء للكاتب أن يموت"، إنها الطريقة المثلى حتى لا يربط القارئ بينه وبين شخصياته. مع ذلك لا ينكر أن الشبح في الرواية جزء من حياته، "ليست حياتي الآن، لكن حياتي وأنا طفل". بسبب الحالة الشبحية، يفضّل ميّاس ألا يجري حوارات صحافية، ألا يتكلم عن أعماله، "أقول كل شيء في العمل، لذلك لا أفهم ما معنى أن يكتب مؤلف مقدمة لعمله"، كما لا يفهم كيف يفسّر شيئًا في عمله عبر حوار صحافي. هو باختصار من أنصار أن تظهر الكتابة، وأن يختفي الكاتب.
التلفزيون كأداة للثقافة الرخيصة
  تنطلق الرواية الجديدة من حوار بين "دميان" البطل، وسيرخيو أوكان، مذيع متخيل في برنامج تلفزيوني جماهيري متخيل. من خلال هذا الحوار الأولي يشير البطل إلى فقده عمله حديثًا بعد خدمة استمرت 20 عامًا. لن يعود المؤلف مرة أخرى للإشارة لهذه النقطة، بل تتعمق الرواية في حياة دميان الشخصية لنكتشف اللازم عن طفولته في أسرة متوسطة وحياته الآن كرجل وحيد مغرم بالإنترنت ويعمل في صيانة البيوت. يحكي دميان إخفاقاته الجنسية وهلاوسه، عمله الذي يقضي فيه ساعات في غرفة لا يسمع فيها إلا صوت الضفادع وقليلًا ما يرن التليفون ليقوم بعمل صيانة، وعلاقته البعيدة بأبيه وأخته الصينية بعد وفاة أمه. هكذا تتحول الرواية إلى أماكن داخلية، كلما تقدمت زاد المكان إظلامًا.
 البطل الضد هو المذيع المتخيل، أحد تمثيلات وسائل الإعلام الرخيصة التي لا تهدف إلا إلى الربح، يقول ميّاس "التلفزيون الجيد نادر، وفي طريقه للانقراض"، ويضيف: "ما نراه اليوم هو التلفزيون الزبالة، الرخيص، التافه، التلفزيون الذي يؤسس للثقافة الزبالة. وهذه الشخصية تعكسه تمامًا، إنه مهجوس بالشهرة، الشهرة الرخيصة".
الطبيعية في الرواية
تبدو روايات ميّاس وليدة الصدفة، وبالصدفة تتطور أيضًا، فتكون في مجملها رواية طبيعية في هذا المنحى. يعترف مياس أنه لا يخطط للعمل، لكن "الطبيعية لا وجود لها في الكتابة، فالكتابة نفسها ضد الطبيعية". يفرّق ميّاس بين أن يعطيك العمل شعورًا بالطبيعية وبين أن يكون مكتوبًا بطبيعية، يقول "الأدب يحتاج إلى الاصطناع".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق