الأحد، 18 سبتمبر 2016

مع بورخيص كانت لي أيّام

مع بورخيص كانت لي أيّام
ألبرتو مانغيل**

في عصر أحد الأيّام جاء إلى المكتبة(1) خورخي لويس بورخيص بصحبة والدته البالغة من العمر ستّاً وثمانين عاماً. وعلى الرّغم من أنّه كان مشهوراً، إلاّ أنّني لم أكن قد قرأت له إلا القليل من أشعاره وقصصه التي لم تنل إعجابي بصورة خاصّة. وعلى الرّغم من أنّه قد فقد نظره تماماً، فإنّه كان يرفض استخدام عصا يرتكز عليها، بل إنّه كان يتلمس ظهر الكتب الموجودة على الرّفوف كما لو أنّه يستطيع قراءة العناوين بأنامله. كان بورخيص يبحث عن كتب تُعينه على تعلّم اللغة الأنغلوسكسونيّة، آخر ما كان يتشوّق لتعلّمه. وكنّا قد طلبنا له "قاموس أصل الكلمات" لمؤلّفه سكيت ونسخة مزوّدة بشروح وتعليقات من كتاب "معركة مالدون". فجأة نفد صبر والدته وقالت له: "خورخي، لا أفهم لماذا تُهدر وقتك بتعلّم اللّغة الإنجليزية القديمة، بدل تعلّم ما يُفِيدك مثل اللاتينيّة أو اليونانيّة".
خورخي لويس بورخيص

في نهاية الجولة توجّه إليّ يسألني عن مختلف الكتب التي يريدها. وكان أن عثرت على بعضها وسجّلت الكتب الأخرى التي كان يُريدها. وعندما كان يهمّ بالمغادرة سألني إن كنت مشغولاً في المساء، لأنّه كان يبحث عمن يقرأ عليه (قال ذلك بشعور كبير بالذّنب) نظراً لأنّ والدته كانت في الآونة الأخيرة تُصاب من جرّاء القراءة بالإعياء بسرعة. وعدته بتلبية رغبته.
خلال العامين التاليّين لتلك الزيارة كنت أقرأ على بورخيص، مثل العديد من معارفه الذين لازمهم الحظّ أو نالوا بالصدفة هذه الحظوة. كنت أقرأ عليه، غالباً، في المساء، عندما كان الدّوام المدرسي يسمح لي بذلك، وأحياناً في الصباح أيضاً. كان كلّ شيء يجري وفق طقوس وعادات: كنت أبغض المصعد الكهربائي فأرتقي السلم صعوداً إلى الشّقة (السلم نفسه الذي ارتقاه بورخيص في إحدى المرات وبيده نسخة من كتاب ألف ليلة وليلة، كان قد اشتراها لتوه، فغفل عن إحدى النوافذ المفتوحة وأصيب بجرح بالغ، سرعان ما التهب وتلاه هذيان الحمّى، فظنّ أنه سيصاب بالجنون). وبمجرد وصولي إلى الشّقة كنت أقرع الجرس، فتفتح لي الخادمة وترافقني عبر ستارة إلى داخل غرفة الجلوس. كان بورخيص يُطل علي ويحيّيني وهو يناولني يده النّاعمة. ودون أية مقدمات كان يجلس منتظراً على الأريكة، أما أنا فكنت أجلس على الكرسي ذي المسندين، حيث كان يقترح عليّ بصوت متهدّج، دليل إصابته بالرّبو، مادّة القراءة لذلك المساء. "هل نختار كيبلينغ هذا المساء؟". بالطبع لم يكن ينتظر منّي أي جواب.
في غرفة الجلوس تلك، تحت لوحة للفنان بيرانيسي تُصوّر أطلال مدرج روماني قديم، كنت أقرأ عليه كيبلينغ، وستيفنسون، وهنري جيمس وبعض مقالات "موسوعة بروكهاوس" الكبيرة، وقصائد لشعراء أمثال: ماريتو وإنريكا بانشس وهاينريش هاينه. كان بورخيص يحفظ أشعار هاينه عن ظهر قلب. إذ ما كنت أباشر قراءة إحدى هذه القصائد، حتى كان يتدخل بصوته المتهدّج مكملاً أبيات القصيدة التي كانت ذاكرته تختزنها دون الوقوع في أيّة أخطاء؛ لكنه كان يُصاب بنوع من الارتباك فيما يتعلق بالإيقاع لا بالنّصوص. قبل ذلك ما كنت قد قرأت لأيّ من هؤلاء الكُتّاب، مما جعل الطقوس المذكورة شيّقة بالنّسبة إليّ. اكتشفت نصوصاً كانت تتطلّب القراءة بصوت مرتفع، وكان بورخيص يصنع بأذنيه ما كان الآخرون يصنعونه بأعينهم: كان يًسجّل الصّفحة المقروءة عليه في داخله من أجل البحث عن كلمة أو جملة، أو مقاطع كانت قد خلّفت أثراً في ذاكرته. وغالباً ما كان يُقاطعني ويُعلّق على النصّ، من أجل، كما أظنّ، أن يتشبّع به ويُوغِلَهُ في أعماقه أكثر
"وكان بورخيص يصنع بأذنيه ما كان الآخرون يصنعونه بأعينهم: كان يًسجّل الصّفحة المقروءة عليه في داخله من أجل البحث عن كلمة أو جملة، أو مقاطع كانت قد خلّفت أثراً في ذاكرته. وغالباً ما كان يُقاطعني ويُعلّق على النصّ، من أجل، كما أظنّ، أن يتشبّع به ويُوغِلَهُ في أعماقه أكثر فأكثر."
فأكثر.
في إحدى الأمسيات قاطعني بعد قراءة سطر من كتاب قصص جديدة من ألف ليلة وليلة للكاتب ستيفنسون، رأى فيه ما يبعث على الضّحك والسّخرية قليلاً: ("مرتدياً أجمل ملابسه كالشّخص الذي له علاقة بالصحافة بين الحين والآخر". كيف يبدو الإنسان الذي على هذه الهيئة؟ ماذا خطر على بال ستيفنسون حينما كتب هذه الجملة؟ هل أراد أن يكون دقيقاً أكثر من اللازم؟). ثمّ واصل حديثه محلّلاً أدوات الأسلوب الأدبي للتعريف بأحد الأشخاص أو بأحد الأصناف من الأمور. كان هو وصديقه أدولف بيو كاساريس قد استخدما هذا الأسلوب المقتضب في صياغة قصّة قصيرة كانت تتألف من أحد عشر حرفاً فقط: "صعد الغريب درجات السلّم في عز الظلام الدامس: كليك-كلاك، كليك-كلاك".
وعندما هممت بقراءة قصّة "وراء المشبك" لكليبينغ قاطعني بعد أحد المشاهد الذي تبعث فيه أرملة هندوسيّة برسالة إلى عشيقها تتكون، لسبب من الأسباب، من قطع مصرورة على شكل رزمة. أبدى بورخيص ملاحظاته حول الدّقة الشاعريّة لهذا العمل، وتساءل متعجّباً فيما إذا كان كليبينغ هو الذي أوجد هذه اللّغة الرصينة والرمزية في الوقت نفسه.
وبعد لحظات، وكما لو كان يبحث عن مكتبة في رأسه، قارن وصف الرزمة مع "اللغة الفلسفية" التي استخدمها جون ويلكينس التي تمثل كل كلمة من كلماتها تعريفها الخاصّ بها؛ اختار بورخيص على سبيل المثال، كلمة سَلمون التي لا تفصح لنا عن أي شيء تشير إليه؛ أما "زانا" وهي الكلمة المماثلة في لغة ويلكينس، فتعني وفق التصنيفات المحددة سلفاً: سمكة نهريّة مغطّاة بالقشور ذات لحم يميل إلى الحمرة. لذا فإنّ:
ز: تعني سمكة.
زان: تعني سمكة نهريّة مغطّاة بالقشور.
زانا: سمكة نهرية مغطاة بالقشور ذات لحم يميل إلى الحمرة.
كانت القراءة على بورخيص تدفعني دوماً وأبداً إلى إعادة ترتيب كتبي في أفكاري. في تلك الأمسيّة تجاورت كتب كليبينغ وويلكينس جنباً إلى جنب في رف الكتب الوهمي الموجود في مخيّلتي.
..........
كان بورخيص يستخدم بعض ما كنت أقرأه عليه في كتاباته. فاكتشافه للنّمر الشّبح في قصّة كليبينغ "طبّالون من وإلى"، التي قرأناها قبيل عيد الميلاد، أوحت له بكتابة إحدى آخر قصصه وهي "النمور الزرقاء". وأوحى له كتاب "صورتان في بركة" لجيوفاني بابيني تأليف كتاب " 24 أغسطس 1982"، التاريخ الذي كان حينئذ في عهدة المستقبل. وكان انزعاجه من كتب لوفركرافت (طلب إلي ستّ مرات مباشرةَ قراءة قصصه والتوقف عن مواصلة القراءة) قويّاً إلى درجة جعلته يكتب نسخة "مصحّحة" لإحدى قصصه نشرت في كتاب "تقرير برودي". وغالبا ما كان يطلب إليّ أن أكتب بعض الملاحظات على الصّفحة الأخيرة من كتاب كنّا في معرض قراءاته، كإشارة مثلاً لفصل معين أو إلى فكرة، لا أعرف ماذا كان سيستفيد من ذلك؛ غير أن كتابة بعض التّعليقات على ظهر كتبي أصبحت فيما بعد إحدى عاداتي المفضّلة.
هناك قصة للكاتبة "ايفيلين فو" مفادها: أن الرّجل الذي أُنقذَتْ حياته من قبل رجل آخر في إحدى غابات الأمازون يُجبر من قبل مُنقذه على قراءة كتب ديكنز بصوت عال حتى نهاية عمره.
لذا فعندما كنت أقرأ على بورخيص لم أكن أشعر قط بأنني كنت أقوم بواجب ملقى على عاتقي، بل إن هذه التّجربة كانت تبدو لي بمثابة الأسر السّعيد. ولم تكن النّصوص التي كنت أكتشفها بواسطته (في بعض الأحيان أصبحت نصوصي المفضّلة) تأسرني وحسب، بل إن ما كنت أستلطفه فيه هو تعليقاته المنفتحة، المملوءة بالحكمة والخفيفة الروح غالباً، القاسية أحياناً والتي لم يكن الاستغناء عنها وارداً على الاطلاق. كنت أشعر أني المالك الوحيد لكتاب مزّود بعناية ودقّة بالتفاسير والشروحات والتعليقات التي أعدت جميعها خصّيصاً لي(2). بيد أن ذلك لم يكن الحال؛ إذ إنني لم أكن سوى دفتر ملاحظاته (شأن الآخرين الذي يقرأون عليه)، كان الرجل المكفوف يحتاج إليه لتدوين أفكاره. ومع هذا فإنني كنت أكثر من سعيد ومستعدّ للقيام بهذا الدّور.
"  فعندما كنت أقرأ على بورخيص لم أكن أشعر قط بأنني كنت أقوم بواجب ملقى على عاتقي، بل إن هذه التّجربة كانت تبدو لي بمثابة الأسر السّعيد."
قبل أن ألتقي بورخيص، كنت أقرأ بصمت، أو أنّ شخصاً آخر كان يقرأ عليّ كتاباً من اختياري. لذا فإنّ القراءة على الرجل المكفوف المسنّ كانت تجربة غريبة بالنسبة إليّ لأنه كان، كمستمع، سيّد النص وإن كان يخيل إليّ بأنني كنت أتحكم بسرعة القراءة وإيقاعها. كنت بمثابة قائد سيّارة، أما المكان الذي كان يمتد أمامنا فكان ملك يديه، كما يفعل راكب السيارة العادي، الذي ما عليه إلا استلهام الطبيعة التي يشاهدها. بورخيص كان يختار الكتاب، وبورخيص كان يمنحني الدعم اللازم أو كان يطلب الاسترسال في القراءة، او يقاطعني للإدلاء بتعليق؛ بورخيص كان يترك الكلمات تتوجه صوبه، أما انا فكنت غير منظور.
وسرعان ما أدركت ان القراءة كانت فعلا تراكميّاً يحدث بصورة هندسيّة: كلّ قراءة كانت تتراكم على القراءات السابقة. في البداية أصدرت أحكاماً متسرّعة على القصص التي كان بورخيص
ينتقيها، فنثر كليبينغ بدا لي مرتكزاً على عكازين، ونثر ستيفنسون طفوليّاً، ونثر جيمس جويس غير مفهوم. غير أنّ هذه الأحكام المتسرّعة استبدلتها بالتجارب، وبدأت القصص التي كنت قد اكتشفتها تبعث في نفسي الفضول للتعرّف على قصص أخرى، كانت بدورها تعود إلى نوعيّة رد فعل بورخيص ورد فعلي أنا الآخر عليها.
لم يحصل التقدّم في قراءاتي وفق التتابع العددي. فقراءة النصوص التي كنت أعرفها غيرت قراءاتي السابقة لوحدها ووسعت وأنعشت ذكرياتي حولها، وجعلتني أفهم ما لم أكن فهمته عند القراءة الأولى التي كانت تستيقظ في نفسي فجأة بفضل
ردود فعل بورخيص.
"هناك بعض النّاس يبدؤون خلال قراءتهم كتاباً ما بالتّذكر وبإجراء المقارنات ويستحضرون الأحاسيس والمشاعر والعواطف من قراءات سابقة"، كما قال الكاتب الأرجنتيني إثِيكييل مارتينث إسترادا (Ezequiel Martínez Estrada). " إنّ هذا يشبه أحد أكثر أشكال الخيانة الزوجية رقة".   
"هناك بعض النّاس يبدؤون خلال قراءتهم كتاباً ما بالتّذكر وبإجراء المقارنات ويستحضرون الأحاسيس والمشاعر والعواطف من قراءات سابقة"، كما قال الكاتب الأرجنتيني إسيكييل مارتينث إسترادا. " إنّ هذا يشبه أحد أكثر أشكال الخيانة الزوجية رقة"."
أما بورخيص فلم يعر أي اهتمام للقراءة النّظامية المعتمدة على قوائم الكتب، وبالتالي فإنه كان يشجع، إنْ صح التعبير، على ارتكاب مثل هذه الخيانة الزوجيّة!
علاوة على بورخيص، فما كان يحفّزني على قراءة الكتب هم بعض الأصدقاء أو المعلمين او نتيجة متابعتي للتّقريضات الأدبيّة. علماً بأنّ اللّقاء الحقيقي مع الكتب كان يحدث غالبا بمحض الصدفة، مثل التقاء أولئك الغرباء المارّين في الدائرة السابعة من جحيم دانتي "حيث كانوا ينظرون لبعضهم البعض حين انقشاع ضوء النهار وحلول المساء بإطلالة قمر جديد في السماء". * حيث كانوا يجدون فجأة في كل طلعة وفي كل لمحة وفي كل كلمة جاذبيّة لا يمكن مقاومتها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 (1) يُشير إلى مكتبة دار بيغماليون إحدى المكتبات الإنجليزية الألمانية المعروفة في بوينوس آيريس، حيث كان يعمل بعد انتهاء الدوام المدرسي، وكانت صاحبة المكتبة وتدعى ليلي لباخ، وهي سيدة يهودية ألمانية فرت من النازيين في نهاية الثلاثينيات من القرن الماضي، تكلفه فقط بنفض الغبار عن الكتب حتى يتمكن بسرعة من معرفة عدد الكتب ومواصفاتها داخل المكتبة.

(2) يعتبر مانغيل كل طبعة من كتاب قرأه هي "الطبعة المثالية التي يجب على جميع الطبعات الأخرى ان تقاس بها. إن اختراع طباعة الكتب أدى إلى انتشار الوهم بأن جميع قرّاء "ضون كيخوطي" يقرأون الكتاب نفسه. أما أنا فلا أزال حتى اليوم أرى وكان طباعة الكتب لم تُخترع بعد وبأن كل نسخة من نسخ كتاب ما ليست إلا نسخة فريدة من نوعها، لا بل وكأنها صُنعت باليد".   

من كتاب تاريخ القراءة**
ألبرتو مانغيل
ترجمة سامي شمعون (بتصرف)

دار الساقي، الطبعة الخامسة 2016
ص. 29، 30، 31، 32، 33.
ـــــــــــــــــــــ
خاص بالمدوّنة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق