الأحد، 10 أبريل، 2016

المأدبة

قصة: خوليو رامون ريبيرو

 ترجمة: محسن بن دعموش

قبل شهرين، قام فِرْنَانْدُو بَاصَمَانُو بإعداد تفاصيل هذا الحدث العظيم: أولاً، شهد محلّ إقامته تغييراً شاملاً. وبما أنّه كان بيتاً كبيراً وعتيقاً، كان من الضّروري هدم بعض الجدران وتوسيع النّوافذ وتغيير خشب الأرضيّات وإعادة طلاء الجدران.
هذا الإصلاح جلب معه إصلاحات أخرى (كأولئك الأشخاص الذين عندما يشترون زوج أحذية يظنّون أن من الضروري تدشينه بجوارب جديدة ومن ثمّ بقميص جديد، ثمّ ببدلة كاملة، وهكذا دواليك وصولاً إلى السروال التّحتاني).
وجد السيد فرناندو نفسه مضطرّاً إلى تجديد الأثاث بكامله، بدءًا من مفاتيح باب الصّالة، إلى غاية آخر مقعد في مخزن الحلويّات. ثم جاء دور الطّنافيس والمصابيح والستائر والإطارات لتغطية هذه الجدران التي مذْ صارت نظيفة، أصبحت تبدو كأنها أكبر حجماً.

في الأخير، كان مقرّراً ضمن البرنامج تنظيم حفلة في الحديقة؛ لذا كان من اللاّزم تشييد حديقة. في غضون أسبوعين، قامت فرقة من البستانيّين اليابانيّين ببناء، فوق ما كان في السّابق نوعاً من حديقة بريّة، حديقة ركوكيّة مذهلة؛ حيث أشجار سرْوٍ مشذوبة ودُريبات مسدودة وبحيرة أسماك حمراء ومغارة لإثارة الإعجاب وجسر ريفي من الخشب يعبر فوق سيل وهمي.
"ما ينقص هو معرفة ما إذا كان الرئيس سيأتي أم لا "
رغم ذلك، كان أعظمها هو إعداد القائمة. فالسيّد فرناندو وزوجه، مثل معظم الناس القادمين من داخل البلاد، لم يحضرا في حياتهما إلاّ الولائم الريفية التي تُخلط فيها الجعّة مع الويسكي، وتنتهي بالتهام الخنازير الهندية يدوياً. ولهذا السبب، كانت أفكارهما حول ما يمكن أن يصلح في عراضة الرئيس أفكاراً مخلوطة.
وما كان من وراء الأقارب المدعوّين إلى اجتماع خاص، من طائل إلا زيادة التشوّش. في النهاية، قرّر السيد فرناندو القيام بعملية استطلاع في أهمّ فنادق ومطاعم المدينة. وهكذا تمكّن من معرفة أن هناك أطعمة مخصصّة للرؤساء وأنبذة ثمينة كان من الضّروري شحنها عبر الطائرة نحو كروم الجنوب.
وعندما أُنهيت كل هذه التفاصيل، تثبّت السيد فرناندو بشيء من القلق أن المأدبة الّتي سيحضر إليها مائة وخمسون شخصاً وأربعون من الخدم وفرقتا موسيقى وفرقة من راقصي الباليه وعارض أفلام، قد استنزفت منه كلّ ثروته. لكن، في نهاية المطاف، بدا له أن كل هذا الإسراف قليل مقارنة مع المنافع الهائلة الّتي ستنجم عن حفلة الاستقبال هذه.
- بفضل سفارة في أوروبا وبجلب سكّة حديدية إلى بلدتي الجبلية، سنستعيد ثروتنا من جديد في أقل من رمشة عين (قال لزوجه). لا أطلب أكثر من ذلك. أنا رجل متواضع.
- ما ينقص هو معرفة ما إذا كان الرئيس سيأتي أم لا (أجابت زوجه).
في الواقع، لقد نسي أن يجعل دعوته فعلية، إلى غاية تلك اللحظة.
كان يكفيه معرفة أحد أقرباء الرئيس (واحد من هؤلاء الأقرباء الجبليين الكسالى جدّاً والمتعذّر إثبات هويتهم والذين، عامةً، لا يُظهرون أنفسهم أبداً، خوفاً من أن ينكشف بينهم كابن زنى) ليكون متأكّداً تمام التأكد أنه سيقبل الدّعوة. ومع ذلك، وليطمئنّ أكثر، فقد استغلّ زيارته الأولى إلى القصر لينفرد بالرئيس في إحدى الزوايا، ويحدّثه بتواضعٍ عن مشروعه.
- مسرور بذلك (أجابه الرئيس). تبدو لي فكرةً هائلة. لكن في الوقت الراهن أنا مشغول جدّاً. سأؤكّد لك قبولي الدعوة كتابةً.
بدأ السيد فرناندو بانتظار الجواب. ولمقاومة نفاد صبره، أمر ببعض الإصلاحات التكميلية التي جعلت منزله الكبير يبدو كقصرٍ خُصّص لحفلة موسيقية تنكرية مهيبة. وكانت فكرته الأخيرة هي أمره برسم صورة للرئيس (قام أحد الرّسامين بنسخها من صورة مائية) وضعها في الجانب الأبرز في البهو.
بعد أربعة أسابيع، وصل الجواب. فكانت للسيد فرناندو، الذي بدأ يقلق بسبب التأخير، أعظم فرحة في حياته.
كان ذلك اليومُ يومَ عطلة، خرج مع زوجه إلى الشرفة ليتأمّل حديقته المضيئة، ولينهي هذا اليوم الذي نابه الذكر بحلم من الأحلام الرعوية.
رغم ذلك، فقد كان المنظر الطبيعي يبدو وكأنه فقد مميّزاته الحسّاسة، إذ حيثما ولّى عينيه، كان السيد فرناندو يرى نفسه، مرتدياً سترة تشريفات، بقبّعة، يدخّن السّيجار، مع خلفية مزيّنة؛ حيث (كما هو الحال في بعض الملصقات السياحية) أخلطت النصُب التذكارية لأهمّ أربعة مدن أوروبية. وبعيداً، في زاويّة من زوايا أوهامه، كان يرى سكّة حديدية تتراجع من الغيضة، وعرباتها محمّلة بالذهب، وفي كلّ النواحي، متحرّكة، وشفّافة كتمثيل للشهوانية، وكان يرى وجهاً أنثوياً بساقي عاهرة، ترتدي قبّعة امرأة نبيلة، وعيونها عيون تيهتيّة، ولا شيء فيها يشبه زوجه على الإطلاق.
في يوم المأدبة، كان الواشون هم أوّل الواصلين. قبعوا في الزاوية منذ الساعة الخامسة بعد الظهر، محاولين جاهدين الحفاظ على سريةٍ خانتهم فيها قبّعاتهم، وعاداتهم الشاردة بإفراط، وخاصّة جوّ الجريمة الرهيب، ذاك الذي يتّسم به غالباً رجال التحرّي والعملاء السريّون وعامّة كل من يقومون بأعمال سرية.
ثم بدأت العربات تصل. كان ينزل من داخلها وزراء وبرلمانيّون ودبلوماسيّون ورجال الأعمال، الأشخاص الأذكياء. كان هناك بوّاب يفتح لهم الحاجز المشبّك، ومُحضِرٌ يعلن عن قدومهم، وخادم يأخذ عنهم ملابسهم، والسيد فرناندو في وسط الردهة، يصافحهم، مُهمهماً عبارات مهذّبة ومؤثّرة.
وعندما احتشد كلّ برجوازيّي الجوار أمام الدار الكبيرة، وبينما كان سكّان الدور المجاورة يقيمون حفلة باذخة غير متوقّعة بتاتاً، وصل الرئيس. دخل إلى المنزل مصحوباً بمساعديه والسيّد فرناندو، ناسياً قواعد الآداب. ومدفوعاً بشيء من الحميمية، ارتمى على ذراعيه بودّ كبير حتى أضرّه في أحد كتفيه.
شرب المدعوّون المنتشرون في الصالات والممرّات والشرفة والحديقة برصانة، بين النكات والمقطوعات الشعرية، الأربعين صندوقاً من الويسكي. ثم جلسوا في الطّاولات المخصّصة لهم (شغَل الرئيس والشخصيات المهمّة أكبر الطّاولات، الطّاولة المزينة بالسّحلبيات) ثمّ بدأ الأكل والحديث بصخب، بينما كانت الفرقة الموسيقيّة، في زاوية من زوايا الصالة، تحاول، دون جدوى، فرض جوّ من أجواء فْيِّنِّيَّة.
في منتصف الوليمة، عندما احْتُفي بأنبذة الرين البيضاء، وبدأت الخمور الحمراء المتوسطية بمَلء الكؤوس، انطلقت جولة الخُطب. قاطعها وصول التدْرُج. ولم تعد البلاغة إلاّ عندما قُدّم الشامبان في النهاية، فاستمرت خطب التقاريظ إلى أن وصلت القهوة، للغرق نهائياً في كؤوس الكونياك.
في الوقت نفسه، كان السيد فرناندو يرى، بتوجّس، أن المأدبة على أحسن ما يرام، وأنها تسير وفقاً لقوانينه الخاصّة، لكن دون أن تسنح له الفرصة ليُطلع الرئيس على أسراره. ورغم أنه جلس على يسار المدعوّين، مخالفاً آداب الرسميات، لم يجد اللحظة المواتية لينفرد بنفسه.
فضلاً عن ذلك، عندما انتهى تقديم الأكل والشرب، وقف الضيوف لتكوين مجموعات وسِنَة تساعدهم على الهضم. وهو، بصفته المضيّف، وجد نفسه مضطرّاً لأن ينتقل من مجموعة إلى مجموعة، ليبعث فيها النشاط من جديد بكؤوس من النعناع وربتات على الأكتاف وأعواد سيجار ومفارقات.
في آخر الأمر، حوالي منتصف الليل، عندما وجد وزير الحكومة نفسه مضطرّاً، في حالة ثمالة، إلى انسحابٍ مبهرج، تمكّن السيد فرناندو من أن يسوق الرئيس إلى المكان الذي تنبعث منه الموسيقى. وهناك، جالسيْن على إحدى تلك الأرائك، كالتي كانت تُستعمل في محكمة فرساي لخطبة أميرة أو لحل ائتلاف، خلسةً، أسمعه في الأذن تواضعه.
- لكن ما كان هناك خصاص في أيّ منصب (أجاب الرّئيس). ما زالت سفارة روما فقط هي الشاغرة هذه الأيام. غداً سأقترح تعيينك في مجلس الوزراء. يعني، سأفرضه. وفيما يخصّ السكك الحديدية، اعلم أن هناك لجنة في مجلس النوّاب بصدد مناقشة المشروع منذ شهور. وبعد غد سأعرض على مكتبي كل أعضائه، بمن فيهم أنت أيضاً، لحلّ المسألة بالطريقة الأنسب.
وبعد ساعة انسحب الرئيس، بعدما كرّر وعوده. تبعه وزراؤه وأعضاء مجلسه وهلمّ جرّا، في النظام الذي رسم مسبقاً، كما جرت عليه العادة والتقاليد.
في الساعة الثانية صباحاً، كان ما يزال هناك من الحاشية، ممّن لا يحوزون على أيّ لقب، يجوسون خلال الخمّارة، وينتظرون أن تُنزع سدّادة زجاجة أخرى، أو أيّة فرصة لالتماع منفضة سجائر فضيّة.
لم يبق السيد فرناندو وزوجه لوحدهما إلا عند الساعة الثالثة فجراً، يتبادلان وجهات النظر، ويخطّطان لمشاريع واعدة، وبقيا على هذه الحال بين مخلّفات حفلتهما الضخمة إلى غاية الفجر. في الأخير ذهبا إلى النوم مقتنعَين بأنه لم يسبق لأيّ من سكّان ليما أن قلب منزله رأساً على عقب بكل عزّة وفخر، ولا جازف بثروته، بمثل هذه الحصافة.
عند الثّانية عشر ظهراً، استيقظ السيد فرناندو على وقع صرخات زوجه. وعندما فتح عينيه، رآها تدخل إلى غرفة النوم وبين يديها صحيفة مفتوحة. انتزعها منها، قرأ العناوين، ودون أن يتكلّف صراخاً، أُغمي عليه فوق السرير. قام أحد الوزراء عند الفجر، مستغلاًّ حفل الضّيافة، بانقلاب فأُجبر الرئيس على تقديم الاستقالة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
  Julio Ramón Ribeyro كاتب قصة من البيرو (1929-1994)

المصدر:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق