الأربعاء، 27 أبريل 2016

في الذكرى الاولى لرحيل إدواردو غاليانو


الكلمة الحرّة والصّاعقة حتّى النهاية

بقلم: حسونة المصباحي



في الثالث عشر من شهر أبريل 2015، عن سنّ تناهز الرابعة والسبعين من عمره، رحل الكاتب والصحافي الكبير إدواردو غاليانو الذي آمن مبكرا، وحتى قبل أن يبلغ سنّ العشرين، بأن للكلمة قوة وسلطة ونفوذ هائل ضدّ الظلم، والاستبداد، والعنف، والاستغلال، واستعباد الشعوب. وفي ذلك كتب يقول:” أعتقد أن للكلمة سلطة مثلما أشار إلى ذلك سيرينوس سامنيكوس الذي سعيا منه لتجنب الحمى الثلاثية التي اجتاحت بلاده في عام 208، نصح الناس بأن يضعوا على صدورهم كلمة يمكن أن تحميهم من شر الحمى في النهار كما في الليل. ولم تكن تلك الكلمة غير:
Abracadabra” التي تعني في اللغة العبرية القديمة:” أرسل صواعقك حتى النهاية"... وأنا اخترت هذه الكلمة لتلازمني حتى الموت! ” وبالفعل لازمت الكلمة إدواردو غاليانو حتى الرمق الأخير من حياته. بها واجه حكم العسكريين في بلاده، وعنف الشرطة، وارهاب الدولة الظالمة والمتسلطة، ومن أجل المحافظة عليها حرة ونقية، واجه مصاعب عديدة غير أنها لم تحبط عزيمته، ولم تفتّ فيها أبدا!
وقد ولد إدواردو غاليانو في الثالث من شهر سبتمبر-ايلول 1940 في مونتفيديو، عاصمة الأرغواي. وهو ينتسب الى عائلة كاثوليكية غير أنه انجذب مبكرا مثل كل أغلب أبناء جيله الى التيارات اليسارية،  معتمدا بالخصوص على نظريات المفكر الايطالي الكبير انطونيو غرامشي لصياغة أفكاره وآرائه حول مختلف القضايا التي يعالجها سواء في مقالاته أم في القصص القصيرة التي دأب على كتابتها منذ سنوات الشباب، ومستوحيا مواضيعها من الحياة الاجتماعية والسياسية سواء في بلاده أم في امريكا الجنوبية ام في العالم .وفي سنّ الخامسة عشرة، شرع إدواردو غاليانو في كتابة مقالات في احدى الجرائد فيها يرسم صورة ساخرة من شخصيات سياسية معروفة .وسرعان ما اصدر الرئيس خورخي باشيكو اريكو قرارا بمنعه من الكتابة. وكان في سن العشرين لمّا أصبح رئيس تحرير جريدة:” La marcha “اليسارية. وفي المقالات التي كان ينشرها فيها، ندّد بالمظالم التي يتعرض لها العمال والفلاحون في بلاده، منددا بجرائم الاستعمار والامبريالية الأمريكية. عقب الانقلاب العسكري الذي عرفته بلاده عام 1973، اضطر إدواردو غاليانو الى الفرار الى المنفى ليستقر في الأرجنتين التي كانت آنذاك ملاذا للعديد من المناضلين اليساريين والتقدميين الفارين مثله من الأنظمة العسكرية والديكتاتورية. وفي العاصمة بيونس ايرس، بعث للوجود مجلة يسارية حملت اسم:” Crisis “، لتصبح لسان اليسار في جميع أنحاء أمريكا الجنوبية. لكن الانقلاب العسكري الذي عرفته الارجنتين عام 1976، أجبر إدواردو غاليانو على الهروب مرة أخرى ليحصل على اللجوء السياسي في اسبانيا التي كانت تعيش بداية الفترة التي أعقبت وفاة الجنرال فرانكو .وفي عام 1985، أي عندما بدأت الأرغواي تتعافى من استبداد العسكريين فاتحة صفحة جديدة في تاريخها، عاد إدواردو غاليانو الى بلاده ليساهم في ارساء دعائم الديمقراطية .وتقديرا لمواقفه الشجاعة، ولنضالاته عبر الكلمة الحرة والجريئة دفاعا عن المظلومين في الأرض،  من دون أن يسعى بأن يكون صوتهم، حصل غاليانو في نهاية الثمانينات من القرن الماضي على جائزة "ستيغ داغرمان" السويدية  .
ويمكن القول بإن "شرايين أمريكا اللاتينية المفتوحة" هو اهم كتاب ألفه إدواردو غاليانو، وفيه استعرض بطريقة روائية بديعة جرائم النهب التي تعرضت له جميع بلدان أمريكا الجنوبية، والتي اقترفتها القوى الاستعمارية والامبريالية الاوروبية والأمريكية. في هذا الكتاب نقرأ ما يلي:” كيف نحدّد مفهوم أمريكا اللاتينيّة؟ إنها أرض لقاءات بين العديد من الاختلافات: في الثقافة، وفي الدين، وفي العادات والتقاليد، وأيضا في المخاوف، وفي العجز. نحن مختلفون في الأمل وفي اليأس. كيف يؤثر هذا التنوع على الحاضر؟ خلال السنوات الأخيرة، ما أن نشأت سيرورة انبعاث أمريكي-لاتيني، حتى شرعت هذه الأراضي في اكتشاف نفسها، وفي اكتشاف بعضها البعض في كل اختلافاتها وتنوعها. والحقيقة أن ما سمّي باكتشاف أمريكا كان إخفاء للتنوع في واقعه. أمريكا قوس قزح أرضيّ شوّه على مدى قرون بسبب أنظمة استبدادية وعسكرية. . وقد تركتنا تلك القرون عميانا عاجزين عن النظر الى أنفسنا. من الضروري إذن بعث هذا التنوع لكي نحتفي بأننا صرنا أكثر تنوعا، وأشد تعقيدا مما يقال عنّا".
وفي القمة التي انعقدت عام 2009، والتي حضرتها الولايات المتحدة ألأمريكية وجميع بلدان أمريكا اللاتينية، قام الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو شافيز بإهداء الكتاب المذكور الذي ترجم الى عشرين لغة الى الرئيس اوباما. وقد علق إدواردو غاليانو على ذلك قائلا:” هذا الكتاب مكتوب بلغة ليس بإمكان اوباما أن يفهمها. مع ذلك كان الاهداء حركة سخيّة لكنها قاسية". وعن هوغو شافيز، كتب إدواردو غاليانو يقول:” هوغو شافيز شيطان. لماذا؟ لأنه قام بمحو الامية عن مليوني مواطن من مواطني بلاده لم تتوفر لهم فرصة تعلم القراءة والكتابة رغم أنهم يعيشون في بلاد تتمتع بثروة طبيعية هي الأهم في العالم بأسره، والمتمثلة في النفط. وقد عشت في فينزويلا بضع سنوات، وعرفت جيدا أوضاعها وحالتها. وكان هناك ملايين من الأطفال لم يكن باستطاعتهم الذهاب الى المدرسة لأنهم لا يملكون بطاقة هوية. ولم تنته هذه المأساة الاّ عند قدوم حكومة تنعت بانها "شيطانية". وفي كتابه : "أطفال الأيام"، كتب إدواردو غاليانو يقول: "في اليوم الذي غزت فيه المكسيك الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك صبيحة التاسع من شهر مارس-آذار 1916، اجتاز بانشا فيلا الحدود مع فرسانه، وأشعل النار في فيلاّ "كولومبوس"، وقتل العديد من الجنود، واختطف جيادا وأسلحة، وفي اليوم التالي عاد الى المكسيك ليروي قصته .وكانت تلك الغزوة- البرقية،  الغزوة الوحيدة التي عرفتها الولايات المتحدة منذ الحرب التي شنتها للانفصال عن بريطانيا والمفارقة أن الولايات المتحدة الأمريكية قامت بغزو كل بلدان العالم تقريبا  ". وخلال الحرب على قطاع غزة في نهاية عام 2012، كتب إدواردو غاليانو يقول:” لتبرر ارهابها، تقوم الدولة بصناعة ارهابيين: وهي تزرع الكراهية، وتقطف أعذارا وحججا لاقتراف جرائم ارهابية. هذه المجزرة التي تحدث في غزة يزعم مقترفوها بأن الهدف منها هو وضع حد للإرهاب، غير أن كلّ شيء يدل على أن الإرهاب سوف يشهد المزيد من التصاعد. منذ عام 1948‘يجد الفلسطينيون أنفسهم مجبرين على أن يساموا اهانات متواصلة. وليس باستطاعتهم أن يتنفسوا من دون ترخيص. لقد فقدوا وطنهم، وأرضهم، وحريتهم، وكلّ شيء. وهو لا يقدرون حتى على اختيار حكامهم".
ومنتقدا العولمة، كتب إدواردو غاليانو يقول:” اليوم ليس من المحبّذ التلفظ ببعض الكلمات أمام الرأي العام: الرأسمالية اتخذت اسم اقتصاد السوق، وضحايا الامبريالية أصبحوا يسمون بلدان في طريق النمو، فلكأن كل أصحاب القامات القصيرة محكوم عليهم بأن يكونوا أطفالا دائما. والانتهازية تصبح براغماتية، والخيانة واقعية. والفقراء مهمشون ومجردون من الثروة وذوو دخل ضعيف ". وفي مقال حمل عنوان:” المعذرة يا سادتي على الإزعاج"، كتب إدواردو غاليانو يقول:” أريد أن أتقاسم معكم بضعة أسئلة تتقافز في ذهني. هل العدل عادل؟ هل العدل قائم الذات في عالم يقف على رأسه؟ هل هم مذنبون مزارعو المكسيك والشيلي وغواتيمالا والبرازيل المتهمون جميعهم بالإرهاب لأنهم يدافعون عن حقهم في امتلاك الأرض؟ إذا ما كانت الأرض مقدسة حتى لو أنه لا لقانون لا يقول ذلك، أ فليس الذين يدافعون عنها مقدسون هم أيضا؟ أين العادلون وغير العادلين؟ إذا ما كان هناك عدل عالميّ حقا، فلماذا لا يحاكم الأقوياء؟ ولماذا لا يقاد الى السجون مرتكبو المجازر الأكثر وحشية؟ لأنهم يمتلكون مفاتيح تلك السجون؟"...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق