الاثنين، 22 يوليو، 2013

أحد سادة العجائبية الادبية: كورتازار الساحر

غي سكاربيتا


ترجمة : شكير نصرالدين

يعتبر نشر مجموع حكايات وقصص خوليو كورتازار مناسبة لإعادة اكتشاف الكاتب الذي امتلك من دون شك أوسع وأغنى خيال عرفه القرن العشرون.وهذا لا يستثني في شيء التزامه الذي لا لبس فيه بالصراع المناهض للإمبريالية.
تفتح الكتاب صدفة وتشرع في قراءة بضعة أسطر، وفي الحال ينفذ إليك السحر.
على سبيل المثال : رجل يسافر عبر مختلف دول أمريكا الوسطى . يلتقط صورا من ضمنها لوحات فطرية،مشهورة،اكتشفها بانبهار. وعندما عاد إلى بيته في باريس، قام بتحميض واستظهار الأشرطة وعرض الشرائح المحصل عليها. أدرك إثر ذلك أن اللوحات الفطرية قد اختفت، وحلَّت محلها مشاهد للعنف والقمع البوليسي (التي ربما تحيل على ما يحدث في عهد الديكتاتورية العسكرية في الأرجنتين التي لم تطأها قدماه البتة) .

هل خلط المختبر،عن طريق الخطأ، بين شريطين من الصور؟ أم يرجع الأمر إلى ظاهرة أشد غموضا؟ ــ كما لو أن عنف التاريخ ذاته هو الذي كان يستنهضه، فارضا عليه،بطريقة سحرية، المشهد الذي لم ينجح أو لم يرغب في رؤيته؟ تَملَّك الرعب والقلق الرجل، فقصد المرحاض رغبة منه في الاستفراغ، في حين انهمكت زوجته، التي وصلت من توها، في مشاهدة الأشرطة المعروضة على الشاشة. وعند التحاقه بها، أخبرته بأنها تجد صور الرسومات الشعبية رائعة للغاية…(قيامة سولينتينام).
أو مثلا: بعدما تعرض رجل لحادثة سير بات عليه الخضوع لعملية جراحية. في بداية التخدير، رأى في الحلم أنه هندي من حقبة ما قبل كولومبوس، يطارده رجال من الأزتيك ثم يمسكون به. تدريجيا صار الحلم محدد الملامح، إلى أن انقلبت الأمور: الواقع هو مشهد التضحية بالإنسان – والرجل الهندي، الذي قبل أن يلقى حتفه، هو من سيغمره حلم مستقبلي، حيث يجد نفسه ممددا على طاولة العمليات، بينما يلوح طبيب جرَاح بمبضع فوق جسمه المشلول الحركة. (الليلة أمام السماء).
أو أيضا : يوجد في أيامنا هذه في بوينوس إيرس، رواق تجاري يتميز بخاصية التواصل المباشر مع ممر مفتوح، في باريس القرن التاسع عشر ؛ هكذا يستطيع السارد أن ينتقل، من حين لآخر، إلى حيث يوجد حشد رائع قد اختفى منذ زمن بعيد إذ يتم إخباره بوجود رجل أمريكي جنوبي آخر غامض، ونعرف في نهاية المطاف أن الأمر يتعلق بلوتريامون. (السماء الأخرى).
مئات من القصص من هذا النوع… يعد جمع أبرز ‘الأشكال الوجيزة’ التي كتبها المعلم كورتازار في مجلد واحد مبادرة رائدة: لأنه لا يضم فقط القصص المجموعة مسبقا في مصنفات إبان حياة المؤلف (في كتب مثل الأسلحة السرية، نهاية اللعبة، المجسم الثماني، طرق الخسارة، إلخ)، بل ضم كذلك قصصا مكتوبة بالتزامن مع روايات تصويرية أو مرسومة، والعديد من النصوص السردية المبعثرة، وأحيانا غير المنشورة باللغة الفرنسية.
و النتيجة؟ ألف صفحة من السحر المتواصل.حيث نهرب من عالم المظاهر، وعالم الأسباب الاعتيادية. حيث العالم الحقيقي هو ما يتم تمثيله (ابتداء بتفاصيل الحياة اليومية، وانتهاء بالسياق التاريخي أو السياسي)، لكن حيث تتسرب، تدريجيا، عناصر غريبة، غير أكيدة ولا منطقية، مذهلة، مقلقة وحلمية.
إنها إعادة تأليف متواصلة للزمان والمكان، حيث تنفتح في أكثر الأمور التي نعتقدها صلابة، شقوق وشروخ، تسمح بشتى أنواع الكسور، والتنقلات غير المتوقعة،والاصطدامات والتحولات.
إن حياة كاتب حقيقي هي حصيلة ما يكتبه، هذا ما ندركه أكثر فأكثر، رغم الحكم الأكاديمي أو الصحفي المسبق. إذ على غرار كتاباته،تمتلئ حياة كورتازار بالانتقالات والمعابر،كاشفة على الدوام عن رجل بين فضائين، قارتين،و الذي يستحيل أن نحكم عليه بالإقامة الجبرية .
ولد في بروكسل، عام 1914، وعاد، بعد مرور أربع سنوات، إلى مسقط رأسه، الأرجنتين، كما أنه كان أصغر إخوته سنا.
تميز بخيال مبكر، وتكوين عصامي،هناك قام بأولى أنشطته الأدبية، ثم شعر بالاختناق، في الأرجنتين البيرونية ومن ثمة كان المنفى الاختياري، ليستقر عام 1951 بباريس (التي تعد منطقة جذب لا رجعة فيها).
نشر أول كتبه، وقام برحلات متعددة، كما التقى،سنة 1960، مع أولئك الذين يشكلون الكوكبة الروائية اللاتينية الأمريكية الضخمة في منتصف القرن العشرين (كارلوس فوينتيس، غابرييل غارسيا ماركيز، ماريو فارغاس يوسا، خوسي ليزاما ليما) وقد كان أكبرهم سنا، غير أنه يشعر بكونه متضامنا معهم على نحو صائب .
لم تتوقف شهرته عن الانتشار، كما أنه عرف بالتزامه البارز في القضايا الأمريكية اللاتينية دعما للمقاومة المناهضة للإمبريالية، والكفاح ضد الدكتاتوريات العسكرية.
و كان أول قرار اتخذه فرانسوا ميتران،بعد توليه الرئاسة، هو منح كورتازار الجنسية الفرنسية (كما فعل مع ميلان كونديرا في الآن نفسه).
توفي كورتازار سنة 1984، جراء إصابته بمرض غريب أصابه بالشيخوحة أو على الأقل، هكذا تقول الأسطورة.
يمكننا بالطبع التأكيد على أبرز روايات كورتازار، تلك التي ارتقت لمستوى كبار الكوكبة المذكورة سابقا: وعلى الكتاب المسمى ماريل، هذه الرواية الباروكية، الزاخرة، ‘العمل المفتوح’ الذي يخول للقارئ بمجرد تغيير ترتيب الفصول، الاختيار بين روايتين مختلفتين داخل نفس الكتاب،حيث تنسج شبكة من الأصداء والتباينات بين أوروبا وأمريكا اللاتينية،بين اليوتوبيا التي تمثلها أمريكا اللاتينية بالنسبة لأوربا واليوتوبيا التي أصبحت تمثلها أوربا في نظر أمريكا اللاتينية… لكن، من المحتمل أن يكون كورتازار هو الأكثر تفردا في فن القصة، والمحكي الوجيز. . فن يستفيض جيدا، خلال مؤتمر عقد في كوبا سنة 1963، والمضمن في مقدمة هذا الكتاب، في أن عليه جذب انتباه القارئ منذ السطور الأولى، محدثا تلك ‘القطيعة مع اليومي’ التي ‘تتجاوزها إلى ما وراء الحكاية المروية’؛ كما أن عليه الإفلات من تلك ‘الواقعية الزائفة المتوقفة على الاعتقاد بأن كل شيء قابل للوصف أو التفسير’ ؛ وأنه يستدعي توترا متواصلا (يقول إنه ينبغي إسقاط القارئ ‘بالضربة القاضية، وليس بالنقط’)، مبدأ تكاثف متطرف، يتطلب’القضاء على كل الحالات الوسطية’، كل ‘المراحل الانتقالية’ تلك، التي يتعذر على الروايات الطويلة الإفلات منها؛ إجمالا، على المحكي أن يصير،بؤرة مغنطيسية مكثفة قادرة على جذب ‘نظام كامل من العلاقات المتصلة’.
لكن إنجاز كورتازار العظيم، الذي يفرض نفسه عند قراءة هذه الحكايات، يتجلى في أنه جمع في بضع صفحات كل ما يميز ويخص فن الروايات ‘الكبرى’: تنوع الأصوات السردية، غالبا، أو تعدد وجهات النظر، ناهيك عن اكتشاف أقطار لم تكن معروفة في ذلك الأوان، والقدرة على اقتراح فضاءات وأزمنة موازية، تقع ما وراء الواقع اليومي، والانزلاقات التدريجية من عالم لآخر .كما لو كانت قيود السرد الوجيز، الذي فيه حذف، والبعيدة كل البعد عن تلجيم الخيال، لا تصلح حسب رأيه، إلا لمنحه المزيد من الكثافة. من ثمة كانت تلك العوالم الخرافية والخارقة، حيث يُعرض فيها القارئ منذ البدء: إذ يمكن لموسيقي جاز، استرجاع أيام بأكملها من حياته، في بضع دقائق،بكل تفاصيلها، وأحيانا، الشعور بهذا التمدد الزمني في موسيقاه ذاتها؛ حيث تستطيع فتاة، من نسج خيال مجموعة من الأطفال، أن تتجسد في نظر شخص راشد، يقع في حبها ؛ حيث تتقدم أو تتأخر مرايا جزيرة دو باك، حسب الساحل المتموضعة عليه، وحيث من الممكن استبدال عقارب الساعة ببعض من حبات الخرشوف (يكفي تقشيرها لمعرفة الوقت).
ونتيجة لذلك، تم اعتبار كورتازار، بعد خورخي لويس بورخيس لكن بطريقة أكثر وفرة وغزارة، من كبار أساتذة القرن العشرين، في المقام العجائبي (الذي ساهم في توسيع وظائفه المتفق عليها). لا يوجد أدنى تناقض في ذلك، حسب رأيه مع قلق العالم الواقعي، الشيء الذي تشهد عليه التزاماته المحددة. شارك في ‘محكمة روسيل’ (وهو تَجَمُّع للمفكرين والسلطات الأخلاقية المكرسة، خلال سنوات 1960 و1970، في إصدار الأحكام على قضايا جرائم أمريكا في ال’ييتنام، ثم تلك الخاصة بالدكتاتوريات اللاتينية الأمريكية). وكان عضوا مفعما بالحماس في الثورة الكوبية، المعتدلة شيئا فشيئا نتيجة للوعي بالانحرافات الاستبدادية لمذهب كاسترو وتعاليمه (من حيث احتجاجه، على سبيل المثال، ضد مصير الشاعر هيربيرت باديلا) – لكن دون أن يقوده ذلك، مثل الكثير من أصدقائه الكتاب إلى اتهام نظام الحكم. دعم سلطة سال’ادور آلليندي في الشيلي ثم بعد انقلاب أوغوستو بينوشيه، ساعد اللاجئين التشيليين بأوروبا، وناهض الدكتاتورية العسكرية بالأرجنتين. تضامن بشكل واضح مع الحركة الساندينية بنيكاراغوا، التي تعرضت لهجوم ‘الكونتراس′ المدعومة من طرف ‘الوكالة المركزية للاستخبارات’. بإيجاز، إسهام سخي وثابت في كل الصراعات المضادة للامبريالية بأمريكا اللاتينية، المؤسس على ‘مبدأ صعب وبسيط، ينص على أن الانسانية ستكون جديرة باسمها،في اليوم الذي يتوقف فيه الانسان عن استغلال أخيه الانسان’.
إلا أن هذا لم يفرض عليه، بأي طريقة كانت، تقديم تنازلات للنماذج التي يشكلها الأدب المقاوم. بل في الحقيقة، فإن كورتازار، في غمرة هذه الالتزامات، لم يتوقف عن معارضته وبلا هوادة ‘للمعايير الضيقة الخاصة بأولئك الذين يخلطون بين الأدب والبيداغوجية’ حيث قال: ‘أؤمن أكثر من أي وقت مضى، بأن علي الصراع من أجل الاشتراكية بأمريكا اللاتينية مواجهة الرعب اليومي(…) مع الحفاظ بعناية وحدب على القدرة على العيش كما نتمناها لأجل هذا المستقبل، مع كل ما تحمله من محبة ولهو وسعادة. ‘
وعلى الجملة، فإن للأدب، حسب كورتازار حقوقه وتعقيده وتاريخه الخاص ؛ ينبغي عليه اكتساح وغزو ميادين جديدة (حتى لو كانت خيالية)، وليس الاكتفاء بما هو معروف مسبقا ؛ ليس عليه أن يكون في ‘خدمة’ ثورة، حيث أنه ثورة إيجابية في حد ذاته، لعبة رئيسية وتجربة حدود موسعة لا نهاية لها، حرية توقعية. وهذا المطلب، بالنسبة له، لا يعتمد بتاتا على ازدراء الشعب، بل خلافا لذلك على الثقة في نفسه، لا يشاركها معه مطلقا أولئك الواقعين في ‘غوغائية تدعو لأدب في متناول الجميع′. حيث قال موضحا: ‘لن نخدم الشعب، إذا اقترحنا عليه أدبا يمكنه استيعابه دون بدل أي جهد .’
أو بطريقة أخرى، إن’الكتابة الثورية حسب كورتازار، ‘لا تعني ‘بالضرورة الكتابة حول موضوع الثورة ذاتها’. لا يوجد ما هو أكثر أهمية بهذا المعنى، من قصته السياسية بجلاء : إجتماع والتي يحقق فيها إنجازا بتخيل مونولوغ لإرنيستو تشي غيفارا خلال حلوله بكوبا، برفقة أول المحاربين التابعين لكاسترو ؛ غير أنه يحرص أثناء هذه الاستعادة على الإفلات من أي نغمة بطولية أو ملحمية على نحو تقليدي – مما يسمح بحصول انفلاتات مذهلة من الهذيان واللاعقلانية (إذ أدرك التشي أثناء حلم يقظته، أن التاريخ يعمل أيضا، في ظروف غامضة، حسب تناغمات، وانسجامات، وتناقضات إيقاعية، وطباقات، مثل رباعي وتري لموزارت… 
ليس الخيال، وفق كورتازار، هو ما يبعدنا عن الواقع، بل ما يبتكره ويغنيه..حتى أن في هذا ما يمكنه أن يقترن بالأمل الكبير ‘الإيجابي’ و’الحيوي’ للمرء، ‘شهوته الجنسية والمرحة’، ‘تطلبه لكرامة مشتركة على أرض محررة من الأفق اليومي المكشر بأنيابه ودولاراته’.  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق