الخميس، 25 يوليو 2013

حوار مع بابلو نيرودا*

الفاشية الإسبانية حطمت جمهورية الشعراء ولوركا ضحيتها التي لا تغتفر.


بابلو نيرودا (12 تموز/ يوليو 1904 – 23 أيلول/ سبتمبر 1973) شاعر تشيلي الشهير ومرشحها لرئاسة الجمهورية عن الحزب الشيوعي، عام 1969، ليتنازل بعيد الترشيح بايام لصالح سلفادور اليندي، مرشح الوحدة الشعبية، من أجل منع انقسام أصوات المرشحين لليسار التشيلي، وليفوز اليندي في الانتخابات رئيساً للبلد، ونيرودا من أكثـر شعراء القرن العشرين ارتباطاً بالسياسة، حسب إعلانه عن هذا الارتباط في مناسبات كثيرة، فهو القائل: "لم افكر، أبداً، وطيلة حياتي، بأن أفصل بين الشعر والسياسة".


وهو القائل في كلمة له كمرشح رئاسي، في 30 أيلول ( سبتمبر) 1969: "أنا مواطن من تشيلي، وعرفت، لعقود طويلة، الفقر والقسوة التي لازمت وجودنا القومي، وشاركت الناس أفراحهم وأتراحهم، فلست غريباً عنهم، بل جئت من بينهم، أنا جزء من الناس، وأنا ابن عائلة عمالية، ولم أكن، في يوم من الأيام، مع أصحاب السلطة والنفوذ، وأحسست على الدوام بأن مهمتي وواجبي خدمة الشعب التشيلي في افعالي وشعري، وعشت مغنياً لهم ومدافعاً عنهم". 
شاعر عالمي أشهر من أن يُعرّف، وسبق للعراقيين وبقية القراء في العالم العربي أن قرأوه مترجما، ومذكراته التي ترجمت في السبعينات بعنوان (أشهد أنني عشت) لاقت رواجاً واسعاً بترجمة الدكتور محمود صبح، خصوصاً بعد الأحداث الدامية التي شهدها بلده تشيلي إثر انقلاب العسكر بقيادة الجنرال بينوشيت، برعاية وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، على الحكومة المنتخبة ورئيس البلاد سلفادور اليندي عام 1973 وقتل أثناء الانقلاب الرئيس الليندي وهو يحمل سلاحه، بينما رحل بعده نيرودا بفترة وجيزة، وسط معلومات متضاربة بشأن السبب الرئيس لوفاته، وكان لتلك الأحداث في العراق وقع خاص نظراً لتشابه ما حصل، وللفاشيين السحنة نفسها وأسلوب القتل ذاته.
البيت ينمو مثل الناس والأشجار
جرت هذه المقابلة (*) مع نيرودا في بيته، في شهر كانون الثاني (يناير) عام 1970 في منطقة (آيسلا نيغرا = الجزيرة السوداء) وهي ليست جزيرة ولا سوداء إنما ساحل بهيج يبعد عن العاصمة سانتياغو حوالى ساعتين بالسيارة، ولا أحد يعرف كيف، ومن أين، أخذت المنطقة اسمها. يصف نيرودا البيت: "بدأ البيت بالنمو مثل الناس والأشجار".
شهرته عمت العالم حتى أنه قال: أعجبني تمثال يشبه ستالين، ولما سألت بائع الإنتيك في باريس عن ثمنه رفض بيعه لي، ولما عرف أنني من تشيلي سألني: هل تعرف بابلو نيرودا؟ أخبرته بأنني أعرفه حق المعرفة.. أنا بابلو نيرودا، عندها استجاب لرغبتي ووافق على بيعه لي.
طويل القامة وممتلئ الجسم وله بشرة بلون الزيتون، كما تصفه محاورته، وأبرز ما يميزه أنفه البارز، وعيناه البنيتان الواسعتان، حركته بطيئة ولكن ثابتة. وأخبر مستمعيه بأنه يتحدث بوضوح ومن دون غطرسة، ويقيم مع ماتيلد زوجته الثالثة.
لا يكاد بيته يخلو من الضيوف الذين يخدمهم بأريحية نادل محترف، وهناك أنواع كثيرة من قناني الخمور على رفوف الصالون وفي المطبخ، لكنه يفضل الويسكي والنبيذ التشيلي.
جرى الحوار بعد الظهر عندما أفاق الشاعر من قيلولته، وغالباً ما يصحح بروفات كتاب جديد، يساعده أحد أصدقائه، وكان يفضل الكتابة بالحبرالأخضر.
كنا جالسين على مصطبة حجرية بمواجهة البحر، بينما كان نيرودا يمسك بالميكروفون الموصول بجهاز تسجيل، وأثناء حديثه كان صوت الأمواج يشكل خلفية لصوته.
• لماذا غيرت اسمك الأصلي واخترت "بابلو نيرودا"؟
- لا أتذكر بالضبط.. كان عمري، آنذاك، ثلاثة عشر أو أربعة عشر عاماً. كنت أرغب في أن أصبح كاتباً وهذا أزعج والدي لأنه يعتقد أن يصبح المرء كاتباً يؤدي إلى تدمير العائلة وتدميري شخصياً لأن حياتي ستكون بلا جدوى، وكانت لديه أسباب شخصية أخرى، فكان تغييري لاسمي أولى التدابير الدفاعية التي اتخذتها.
بين الرئاسة والكتابة
• هل للأمر علاقة بالشاعر التشيكي جان نيرودا؟
- سبق أن قرأت له قصة قصيرة لكنني لم أقرأ شعره. له كتاب بعنوان (قصص من مالا سترانا) عن الناس البسطاء في ذلك الحي في براغ.. ربما جاء اسمي من هناك، لكنني لا أتذكر بالضبط، التشيكيون يحسبونني واحداً منهم، وأنا أحتفظ بصداقات جميلة مع بعضهم.
• لو فزت بالانتخابات وصرت رئيساً للدولة هل ستواصل الكتابة؟
- الكتابة عندي هي بمثابة التنفس، فهل يمكن للإنسان أن يعيش من دون أن يتنفس.. لا أعتقد أن بإمكاني أن أحيا من دون الكتابة.
• من مِن الشعراء الملهمين الذي نجحوا في الجمع بين السياسة والشعر؟
- مرحلتنا هي حقبة الشعراء الحكام: ماو تسي تونغ وهو شي منه.. ماو يمتع بمؤهلات أخرى، فهو سباح ماهر، بينما أنا لست كذلك. ليبولد سنغور، رئيس السنغال، شاعر عظيم، وإيميه سيزار الشاعر السوريالي، وهو محافظ فورت دي فرانس في المارتينيك.
الشعراء في تشيلي يتدخلون دائماً في السياسة، لكن لم يصبح شاعر رئيساً للجمهورية، لكن في أمريكا اللاتينية كان هناك الشاعر رئيس فنزويلا رومولا غالغوس.
• كيف قدت حملتك الانتخابية؟
- لا بد من وجود منصة.. بينما تصدح في المكان الأغاني الشعبية، وثمة شخص يتحدث في السياسة بشكل صارم، ومن ناحيتي أفضل التحدث للناس بحرية، لأنه أسلوب أكثر شاعرية، وأختتم، دائماً بقراءة الشعر.. إذا لم أقرأ بعض القصائد، فإن الناس سيصابون بخيبة أمل ويغادرون المكان.. بالطبع، هم يحتاجون أيضا إلى سماع أفكاري السياسية، ولكنني لا أحب أن أرهقهم في الحديث السياسي والاقتصادي لأن الناس في حاجة أيضاً إلى نوع آخر من اللغة.
• كيف هي ردة فعل الناس عندما تقرأ قصائدك؟
- إنهم يحبونني بطريقة عاطفية جداً.. ليس بمقدوري الدخول إلى بعض الأمكنة والخروج منها. لدي مرافق خاص لحمايتي عند اكتظاظ المكان بالناس عندما يحيطون بي، وهذا يحدث في كل مكان أحل به.
• لو خيرت بين رئاسة الجمهورية وجائزة نوبل، ما الذي ستختار؟
- لا وجود لسؤال بشأن خياري بين أشياء وهمية.
• لو وضعوا، هنا، على الطاولة، فعلاً لا وهماً، جائزة نوبل ومنصب الرئيس فماذا تفعل؟
- سأنهض وأغير مكاني لأجلس على طاولة أخرى.
• هل تعتقد بأن منح جائزة نوبل إلى صاموئيل بيكيت كان صائباً؟
- نعم، أعتقد ذلك. بيكيت كتب القليل لكنه رائع. جائزة نوبل، أينما تذهب فهي نوع من التشريف الأدبي، وأنا لست من النوع الذي يهتم بنتيجة الجائزة ومن فاز، فالمهم، عندي بشأن الجائزة – إذا كان ثمة أهمية – هو هل تضفي عنوان الاحترام على عمل الكاتب؟
فظاعة الحرب الأهلية
• ما هي أقوى ذكرياتك؟
- لا أعرف بالضبط، ربما هي فترة إقامتي بإسبانيا.. فترة أخوة الشعراء العظيمة، إذ لم أعرف مثل تلك المجموعة الأخوية في عالمنا الأمريكي، كانت مليئة بالثرثرة والشائعات، كما يقال في بوينس آيرس، وإنه لمن الفظاعة أن نشهد جمهورية الشعراء، تلك، وقد دُمّرت أثناء الحرب الأهلية. إنه لأمر جلل أن يقتل فدريكو غارسيا لوركا وميغويل هرناندزعلى أيدي الفاشيين، وآخرون ماتوا في المنفى، والبعض لما يزل في منفاه.
كانت مرحلة من حياتي غنية بالأحداث، في العواطف العميقة، وأسهمت بشكل حاسم في تطور حياتي.
• كتبت قصيدة غنائية للوركا قبل مقتله توقعت فيها نهايته المأساوية..
- نعم، كانت قصيدة غريبة لأنه كان شخصاً سعيداً، مخلوقاً من بهجة. لقد عرفت قلة قليلة من الناس مثله. كان مثال التجسد.. حسنا، دعونا لا نقول النجاح، ولكن محبة الحياة. انه يتمتع في كل دقيقة من وجوده.. شخصاً مسرفاً في إشاعة السعادة. لهذا السبب، جريمة إعدامه هي واحدة من أكثر جرائم الفاشية التي لا تغتفر.
• أنت تذكره كثيراً في شعرك مع ميغويل هرناندز؟
- هرناندز كان مثل إبني.. وشاعراً هو أحد حواريي، بشكل ما، وغالباً كان يقيم في بيتي. مات في سجنه لأنه يملك ما يدحض الرواية الرسمية حول مقتل لوركا.. وإذا كان لدى الفاشيين ما يثبت روايتهم فلماذا، إذن، أودعوه السجن حتى الموت؟
لماذا لم ينقلوه إلى المشفى، قبل وفاته كما اقترحت السفارة التشيلية؟
إن موت هرناندز في سجنه كان، أيضاً، شكلاً من الاغتيال.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*أجرت المقابلة بالإسبانية ريتا غيبرت وترجمها إلى الإنكليزية رونالد كريست – مجلة (باريس ريفييو).
الحوار طويل جداً (أكثـر من 14000 كلمة) وهذا ما تيسر لي منه، بتصرف، فمعذرة للقراء.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق