السبت، 7 أبريل، 2012

العلامة

العلامة*

دينو بوتزاتي
ترجمة: محمد صوف


Dino Buzzati

عمر الكونت آتيليو فوسادورو أربع و سبعون سنة، هو رئيس غرفة في محكمة الاستئناف. بدين بشكل يثير الانتباه. حدث أن أغرق في الأكل و الشرب ذات ليلة فأحس بإعياء و قال لزوجته :

- أشعر أني ثقيل بعض الشيء ..
ردت زوجته ..
- كان عليك أن تتوقع ذلك.. إنك أكثر تهورا من الأطفال..
استلقى السيد القاضي المحترم على ظهره و نام و فمه مفتوح. لم يعد يرد على أحد.
كان نوما ثقيلا.. هل لأن الرجل أكل أكثر أم ثمة سوءا ما.. ثم إن الرجل كان يهذي في نومه .. كلموه .. حركوه.. رشوا وجهه بالماء..

لا شيء ..



و بدأ التفكير في أسوأ الاحتمالات.. هاتفت السيدة إيلويزا طبيب الأسرة الدكتور آلبريزي.


في منتصف الليل وصل الدكتور.. فحص المريض. احتفظ بهدوئه و تمسك بديبلوماسية الأطباء التي لا تبشر بالخير.. في الصالون المجاور تابع الدكتور و السيدة إيلويزا وولداها إينيو و مارتينا اللذان تم النداء عليهما بالمناسبة حديثهم بصوت منخفض. الوضع خطير.. لذلك تقرر اللجوء إلى العلامة الطبيب الحجة الذائع الصيت عالميا البروفيسور سيرجيو ليبراني، ثلاث و ثمانون سنة بالتمام و الكمال و لا يزال مرجعا. إنه الأقوى و الأغلى. ليست أتعاب هذا الطبيب هي التي تخيف آل فوسادورو.


قالت السيدة إيليوزا :


- آتوا به حالا ..


- من المؤكد أنه لن يحضر الآن. لنصرف النظر عن ذلك ..


- من أجل الكونت فوسادورو.. لابد أن يحضر، أتريد أن نستغني عن خدماتك أيها العزيز آلبريزي؟


أخذ الرجل جهاز الهاتف و تكلم بصوت زعزع عادات الأستاذ ..


و في الساعة الثانية صباحا حضر العلامة مصحوبا بأول مساعديه البروفيسور جوزيبي ماراسكا..


عندما دخل الرجل إلى الغرفة، كانت غيبوبة الرجل في أوجها و كان خفقانه أكثر.


جلس الطبيب الأكبر جنب السرير و ترك ماراسكا و آلبريزي يعملان. بدآ يدليان له بمعطيات عن حالة المريض و سوابقه الصحية.. الحرارة.. حالة القلب.. الضغط.. ردود الأفعال إلخô


ظل الرجل هادئا . أسبل جفنيه من أجل التركيز أكثر.. _لعله فعل ذلك تحت تأثير صعود السلم) ، كان يستمع دون أن يبدي حركة.


و في الأخير انحنى ماراسكا على أذن الرجل و صاح.. يا أستاذ ؟ .. ففاجأ الجميع في ذلك المكان و تلك الظروف و ذلك الوقت من الليل..


انتفض البروفيسور ليبراني و طلب من الدكاترة الثلاثة أن يبقوا على انفراد.


لم تدم المشاورة و الفحص أكثر من ثلاثة دقائق بعدها سألتهم الكونتيسة بانشغال


-ما رأيك . يا بروفيسور ؟


أجاب :


- صبرك سيدتي.. ستعرفين كل شيء في حينه.. سيخبركم بذلك طبيب الأسرة..


و توجه متمايلا يمنة ويسرة نحو المصعد..


إلا أن آلبريزي لم يدع انتظار السيدة يطول، فأجاب بالحذر اللازم مدليا بتشخيص الرجل الذائع الصيت.


جلطة في الدماغ .. الوفاة متوقعة من حين لآخر.. لا أمل. سيعيش في أحسن الأحوال أسبوعا. لا أكثر.


كانت دهشة آلبريزي كبيرة في اليوم الموالي عندما زار الرجل ليتقصى الأمر.. فتحت أبدا الخادمة، الباب بابتسامة عريضة..


- كل شيء على ما يرام يا دكتور.. كل شيء على ما يرام.. لقد خمنت ذلك منذ البداية، لكن.. هل أستطيع أن أقول شيئا أمام الأستاذين الكبيرين ؟ مجرد عربدة.. لا غير .


ثم حضر المريض ضاحكا .. سعيدا .. و قال :


- شكرا يا عزيزي ألبريزي و معذرة عما سببته لك من تعب.. أنا آسف حقا أعي أن سني لم يعد يسمح لي بمثل تلك الحماقات..


- كيف تشعر الآن ؟


- لا أزال أشعر بدوار خفيف فقط.. لا أحسن في حالة كهذه من نومة عميقة..


مفاجأة ! .. و فضيحة أيضا ! ما إن علم مساعد العلامة ماراسكا بعودة فوسادورو إلى الحياة حتى انتابته حالة غضب..


- إن هذا عبث ! مستحيل .. البروفيسور ليبراني لا يخطئ أبدا.. هل تصدق ما حدث يا آلبريزي ؟ إن البروفيسور قد أصيب بنوبة قلبية في الشهر الماضي و قد قضى في فراشه ستة أيام.. إذا أصيب بخيبة أمل هذه المرة ستكون حتما نهايته، أفهمت ؟ لقد كنت غبيا يا دكتور عندما لم تدرك أن الأمر كان نتيجة عربدة..


- و أنت ؟ ألم تكن غبيا بدورك ؟


- أقسم أنى شككت في الأمر.. حاول أنت أن تقول عكس ما يقول العلامة .. أنت تعرف مزاجه.. و قد اعتبر فوسادورو ميتا و صرح بذلك علنا ..


- يا إلهي ! و ماذا علينا أن نفعل ؟


- اسمع .. يجب أن نأخذ جميع احتياطاتنا حتى لا نصدم العلامة. أفهمت ؟ كل الاحتياطات اللازمة.. سأذهب أنا و أكلم الكونتيسة في الأمر..


- و ماذا ستقول لها ؟


- دعني أتصرف .. لا تخش شيئا .. سأدفع بالأمور نحو الأحسن ..


أقدم ماراسكا متسلحا بجرأته الانتهازية و حدث السيدة إيلويزا بوضوح ..


- لقد حدث أمر في غاية الخطورة يا سيدتي، لقد حكم البروفيسور ليبراني بالوفاة في أقرب الآجال على المريض، لكن المريض يتحرك في البيت كأن شيئا لم يكن ..


- لكن ..


- إنها مأساة يا سيدتي.. لعنة.. سمعة علامة لا يشق له غبار في خطر.. علامة يحسدوننا عليه في الخارج.. لا يمكن أن نسمح بذلك أبدا ..


- إذن أنقدني يا بروفيسور ..


- أولا .. أقنعي الكونت بالقبوع في فراشه.. أفهميه أنه مريض جدا.. و أن مرضه خطير.


- كيف ؟ إذا كان هو يشعر بأنه في حصة جيدة.


- لا يا سيدتي الكونتيسة. لم أكن قط أنتظر منك موقفا كهذا .. أبدا.. إنك لا تدركين خطورة الوضع.. حياة كاملة في خدمة الإنسانية.. شهرة اكتسبها العلامة بالعمل الدؤوب سنوات طويلة .. كل ذلك سيذهب هباء..


- أليس من المعقول أن أكلم زوجي ؟


- يا إلهي ! فكري في سمعة آل فوسادورو عندما يعلم الجميع أن القاضي رجل القانون الشهير عربيد و سكير ..


- لن أسمح بذلك أبدا ..


- إذن سيدتي الكونتيسة اعلمي أن سمعة العلامة ليبراني يجب أن تنقذ بأي ثمن


- ماذا على زوجي أن يفعل ؟ أن يختفي ؟ أن ننزع منه الروح ؟


- إنه أمر يهمك يا سيدتي الكونتيسة .. إن البروفيسور ليبراني لم يخطئ قط .. أقولها و أكررها .. و لا يمكنه أن يخطئ الآن .. قليلا من الاعتبار للعلم.. و لعلامة من هذا الحجم يا سيدتي ..


- لم أفهم يا بروفيسور .. و لا أدري ما أفعل ، لا أملك أن أساعدك يا بروفيسور و أنا رهن إشارتك ..


- هذا ما كنت أتوقع منك أيتها الكونتيسة الجليلة.. إنك تقدرين المسئولية و المواقف و الهم الاجتماعي. سيكون الأمر في غاية البساطة.. كأن تضعي له شيئا ملائما في الحساء ..


- و ماذا ستكون النتيجة ؟


- لن يكذب أحد تنبؤ العلامة.. لقد قال إن الكونت سيموت بعد أسبوع .. لنمدد المدة قليلا.. أترين أنا أيضا أقدر المواقف.. لنقل سنشيع جنازته بعد أسبوعين.


و تحركت آلة الشرف الأكاديمي .


سأل ليبراني مساعده الأول :


- هل من أخبار عن الكونت العجوز ؟ ألا يزال على قيد الحياة ؟


و يرد المساعد الأول :


- لقد تكلمت أيها الرجل الجليل.. و كل شيء يسير وفق توقعاتك .. إنه في كل يوم يزحف نحو حتفه .


و في قصر فوسادورو ظل الكونت محبوسا تحت مجموعة من الذرائع البرد. الريح. الرطوبة. التلوث. بداية نزلة برد. وضعوا قربه هاتف الطوارئ.. و سرى في المدينة توقع العلامة ليبراني..


و توالت المكالمات الهاتفية. مؤسسة الدفن من أجل اختيار التابوت و إعداد الجثمان و التفاصيل التقليدية لمراسيم الدفن. الطبيب البلدي من أجل إعداد شهادة الوفاة. القديس من أجل الدعاء الأخير. مؤسسة رعاية اليتامى من أجل أن تبعث من يمثلها في مراسيم الدفن. بائع الورد من أجل الأكاليل. و الكونت في صحة جيدة كعصفور. في اليوم الرابع عشر بدت علامات الارتباك على البروفيسور ليبراني. سأل.. ألم يقرر الكونت الرحيل بعد ؟ و اضطروا إلى حقنه لتخفيف الضغط..


بعد زوال ذلك اليوم، حضر البروفيسور ماراسكا إلى قصر آل فوسادورو يرافقه مساعدان ..تقنعوا في هيئة طباخين.. و دخلوا المطبخ..


و في المساء حضر ماراسكا مع المدعوين حفل لعشاء الفاخر الذي أقيم من أجل حفيدة الكونت.


أنجزت المهمة حسب قواعد المهنة.. لا انفعال و لا ارتباك.. إذ عند تقديم التحلية التهم الكونت آتيليو فوسادورو الحلوى بنهم كبير و ارتسمت على شفتيه ابتسامة السعادة.


بعدها مباشرة.. كلم ماراسكا العلامة..


- هنيئا سيدي البروفيسور.. فقد فارق الكونت الحياة .
-----------------------------------------------
*ملحوظة : العنوان من وضع المترجم

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق