الأربعاء، 19 أكتوبر، 2016

يوميات عربية في نيكاراغوا: 10 سنوات من الشغف بالآخر

غدير أبوسنينة
  • تعتبر كتابة اليوميات فنا أدبيا ينتمي إلى أدب الرحلات ويقترب من الرواية في بعض تقنياتها، وعادة ما تكون اليوميات عن مكان لا يتحد المؤلف فيه مع الجغرافيا والزمان بسهولة، فيعيش حالة اغتراب كامل فيحاول من خلال التدوين البحث في الجذور والبيئة الجديدة ليخلق مساحةَ تآلفِهِ مع المكان، ارتياد الآفاق في نيكاراغوا عبر رحلة يوميات دوَّنتها الكاتبة الفلسطينية غدير أبوسنينة، كشَفَت من خلالها عوالم مجهولة ومنسية للكثير من أبناء الثقافة العربية، في هذا الحوار لـ”العرب” نكتشف مجاهل نيكاراغوا عبر عمل أبوسنينة الفائز بجائزة الرحلة العربية.

صحيفة العرب /عبدالله مكسور 

تنوعت اهتمامات الكاتبة الفلسطينية غدير أبوسنينة، بين الكتابة الأدبية والترجمة والعمل الصحافي، حيث درست الأدب الفرنسي في الجامعة الأردنية وجامعة لومييغ ليون في فرنسا، تقيم في نيكاراغوا منذ عام 2004، حيث أكملت دراسة الماجستير في الأدب الأسباني من جامعة أونان بمناغوا في نيكاراغوا، ولها اشتغالات إبداعية في الترجمة بين العربية والأسبانية والعكس، وقد فاز كتابها “إخوتي المزينون بالريش” مؤخرا بجائزة ابن بطوطة للرحلة العربية عن فئة اليوميات في دورتها الحالية، التي أعلنت نتائجها عن مركز الأدب الجغرافي ودار السويدي في العاصمة أبوظبي منذ أيام.
“إخوتي المزيَّنون بالريش”، إشكالية العنوان وغرائبيته كانتا مدخل حديثنا مع ضيفتنا التي قالت إنه جاء من علاقتها الغريبة مع أسطورة الإله “كيتسالكواتل”، فحينما قررت دراسة الماجستير في الأدب الأسباني، اختارت العمل على رواية لها علاقة بالغزو الأسباني لتلك البلاد، هذا الأمر قادها إلى قراءة الكثير عن حياة هذا الإله والنظريات العديدة التي تدور حوله، كيتسالكواتل هو “الثعبان المزين بالريش”، هذه هي الصورة الرمز لإله كان رجلا أبيض ملتحيا، وصل إلى تلك الأرض وتحديدا المكسيك، ليكتسب الريش في ما بعد معاني ورموزا أخرى في حياة السكان الأصليين.
اليوميات متحررة من البحث العلمي، فالتعامل مع النص انطلق من رؤية بصرية مشهدية تترك للقارئ حيزا للاكتشاف
حكايات ومشاهدات
عن ظروف تدوين اليوميات ومساراتها الحكائية، تقول غدير أبوسنينة إن الفكرة بدأت من الكتابات التي كانت تنشرها في الصحافة عن مواضيع تتعلق بنيكاراغوا وأميركا اللاتينية عموما، فالحكايات الواردة في الكتاب هي عبارة عن مشاهدات شخصية وقصص وأقاويل نُقِلت إلى الكاتبة من مناطق مختلفة، لتبدأ عملية إنتاج النص في عام 2014 بعد مضي 10 أعوام على إقامتها في نيكاراغوا.
وعن الصعوبات التي واجهت ضيفتنا خلال كتابة هذه اليوميات، تقول “إن جمال تدوين اليوميات ينبع من كونها متحررة نوعا ما من أساليب البحث العلمي، فالتعامل مع النص انطلق من رؤية بصرية مشهدية تترك للقارئ حيزا لاكتشاف الجزء الآخر من الحكاية، كقصة المهاجر الفلسطيني الذي كان يشتغل تاجرا جوالا يبيع الأقمشة في الأرياف النائية، حيث اكتشف المجتمع أنه ترك وراءه ما يقارب الـ60 طفلا نتيجة علاقاته الغرامية في تلك القرى”.
أما القسم الآخر من القصص- والحديث لضيفتنا- فإنها اعتمدت فيه على تقديم شرح للصورة، وهذا يبرز في زيارتها لمتحف المكسيك، فجاءت تلك المشاهد مدعومة بالمعلومات التاريخية لتكتمل الصورة التي حاولت رسمها في النص. قصص كثيرة تتردد عن المهاجرين العرب الذين وصلوا إلى نيكاراغوا منتصف القرن الماضي، نسأل ضيفتنا عن الوجود العربي وصورته في تلك البلاد، لتقول إن في نيكاراغوا ليس هناك ما يؤرخ للهجرة العربية على الصعيد الحكومي أو الأكاديمي، فالعرب وصلوا أواخر القرن التاسع عشر إلى نيكاراغوا حاملين جوازات سفر تركية باعتبار أن البلاد العربية كانت تخضع للسلطة العثمانية، ولهذا ظلَّت صفة الأتراك لصيقة بهم حتى الآن.

على صعيد التاريخ تقول ضيفتنا إن هناك تاريخا مشتركا بيننا كعرب وبين النيكاراغويين، فهناك كفاح مشترك بين الثوار النيكاراغويين والعرب، فمثلا عمر شبلي ابن المهاجر العربي إلى نيكاراغوا استشهد خلال كفاحه ضد سلطة الدكتاتور سيموسا، وهذا ما دفع الحكومة النيكاراغوية إلى إطلاق اسمه على حي سكني كامل تكريما له. أما مع تغير الظروف السياسية، فقد تراجع كثيرا تأثير العرب سياسيا، والصورة المأخوذة عن العربي على الأقل في نيكاراغوا لا تختلف عن النظرة الاستشراقية بحسب ضيفتنا، التي تتابع أن الفرق بين الاستشراق الأميركي اللاتيني والاستشراق الأوروبي، أن الأخير ينطلق من حس استعماري أما الأول فيرتكز إلى الحس الشهواني.
عين الغريب
تشتغل غدير أبوسنينة على مسار الترجمة إلى جانب الكتابة الإبداعية، وعن اهتمامها هذا تقول إنها قامت بترجمة العديد من النصوص الشعرية من العربية إلى الأسبانية، وعن صعوبات ذلك تضيف أنه لا يوجد ما هو أصعب من أن يكون النص رديئا في لغته الأم. يبرز عند ضيفتنا هاجس البحث في الثقافات الأخرى بعدة صور، نسألها هنا عن رؤيتها لثنائية صدام وحوار الحضارات، لتقول إن الحضارات التي تتعرض للفناء تترك وراءها الكثير من الألغاز والتساؤلات، ووجودها في أميركا اللاتينية، تحديدا في نيكاراغوا جعلها تكتشف أن الجميع مروا من هناك، كل الحضارات انصهرت على تلك الأرض، الأوروبيون والسكان الأصليون لتخلق أمة جديدة بسرعة وليس بالتدريج.
فحلول حضارة مكان أخرى يعني إنتاج أمة جديدة لا تستطيع الاصطفاف إلى أي طرف بسبب انتمائها إلى الحضارتين، وهي تعاني- الأمة الوليدة- في نفس الوقت من عدم شرعية الاعتراف بها من أدبيات الطرفين، وهذا ما يفرض، بحسب ضيفتنا، ظهور مسميات جديدة للأجيال اللاحقة. نقطة وصولها زمنيا إلى نيكاراغوا، صارت بعيدة اليوم، وهي تصف سنواتها هناك بأنها متاهة، دخلتها وراقت لها، لتكتب عن الجغرافيا والتاريخ والإنسان هناك، كانت بحاجة إلى خمس سنوات حتى تتجرأ، كما تقول، على تذوق خبز الذرة وليس الطحين بصورته المعروفة في الشرق الأوسط، واحتاجت أيضا خمس سنوات لتتناول الطبق الأكثر شيوعا في نيكاراغوا، السحلب بالذرة وليس بالنشاء، بينما استطاعت خلال عشر سنوات كاملة أن تستجمع قواها لتواجه طبق الديدان مع صلصة الأفوكادو، وأمام هذه السردة الغذائية تجد غدير أبوسنينة نفسها أنها استكملت أوراقها الثبوتية كاملة للمضي في عوالم تلك البلاد على صعيد الثقافة والإنسان مع حفاظها على مسافة أمان تمنحها القدرة على الكتابة بعين الغريب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق