الاثنين، 23 مارس 2015

400 عام على رواية «دون كيخوته»: الفارس النبيل لا يزال يحارب طواحين الهواء!

Don_Quijote_by_Manu05
*عبدالهادي سعدون 

صار من البديهي لدى أي قارئ لرواية «الدون كيخوته» أو «دون كيشوت» كما هي معروفة للقارئ العربي، أن مؤلفها الإسباني ميغيل دي ثربانتس (1547 ـــ 1616) كتبها لكي يتهكّم ويسخر على لسان بطلها من كتب الفروسية الشائعة في عصره المعروف بالعصر الذهبي للإمبراطورية الإسبانية، لا سيما في مجالي الآداب والفنون. لقد كتب ليعرّي واقعاً ألهمه مئات الصفحات في رواية اختار لها اسماً مطولاً هو «الفارس النبيل دون كيخوته دي لا مانتشا»، ولكنها اشتُهرت بـ «الدون كيخوته» فقط.
ولم يكن يخطر لثربانتس بعد أن نشر جزءها الأول عام 1605 بأنه سيعود لإتمامها بجزء ثان، عام 1615، وهو الجزء الذي سيمجد صاحبها بصورة أكبر، ويُعدّ منذ لحظتها المؤسس الحقيقي لفن الرواية. وفي هذه الأيام تمر المئوية الرابعة على صدور الجزء الثاني، وتضعنا قراء الرواية مجدداً أمام تلك العوالم المدهشة والذكية والساخرة التي كتبها ثربانتس قبل أربعة قرون.
من المعروف اليوم، وبفضل العثور على وثائق ومستجدات عن حياة ثربانتس وعوالمه الأدبية، بأن الكاتب لم يَحِد عن الواقع كثيراً، فالعديد من شخوص روايته الخالدة «دون كيخوته» رافقته في حياته وتعرف عليها من نماذج بشرية.

وهو في هذا لم يخرج عن نموذج الكاتب الواقعي في عصره، غير أن تجديده جاء في النمط الروائي نفسه، وفي تعدد الصور الحكائية، وفي تناول الفرد والمجتمع، وفي لغته التهكمية والتجديدية الغريبة وغير المعروفة لدى كتاب زمانه. ومن المسائل المهمة التي تجعلنا ندرك أهمية حياة وخبرة الكاتب ومدى إخلاصه للعمل الأدبي، هي تلك المحاولات الأولى لثربانتس بكتابة النموذج الكيشوتي عبر قصة سابقة اعتبرها حجر الأساس لروايته. ففي قصة سابقة للرواية نعرف عنها الكثير دون أن نصل لنصها بسبب ضياع مخطوطته، تناول فيها جنون شخصية مغرمة بأشعار الرومانث الغنائية، مما يؤدي إلى لوثة في عقله تجبره على رفض العالم والعيش في عالمه الشعري المثالي. من هذه البذرة، استطاع ثربانتس أن يطور نصه القصير إلى رواية طويلة مستبدلاً جنون الفروسية بجنون الشعر، حيث يعرّفنا مع مغامرات بطليه فارس الطلعة الحزينة «دون كيشوت»، وتابعه الفلاح الساذج «سانشو بانثا» على مصائر بشرية وأزمنة تاريخية حساسة، مع قراءة واعية محكمة تمنحنا نظرة نقدية متقدة عن البشر وأهوائهم.
لقد خاض ثربانتس في مهن ومغامرات مختلفة، وشارك في حروب وعاش تجربة الأسر. كل هذا قبل أن يسطر لنا رائعته «الدون كيخوته». والحال لم يختلف كثيراً بعد شهرته، على الأقل في أوربا آنذاك، إذ عانى في سنواته الأخيرة من الفقر، وتجاهلته المحافل الأدبية بسبب الضغينة والغيرة. وهو في هذا لا يختلف عن أسماء معروفة في الفن والأدب، لم تحصل على عوائد شهرتها إلا وهي في القبر.
كتب ثربانتس روايته لتكون شهادة على عصر إمبراطورية عملاقة وصلت حتى أميركا واستمرت في غزواتها وعظمتها حتى نهايات القرن التاسع عشر. في كتاباته، جسّد ثربانتس الأبهة والعظمة جنباً إلى جنب مع التحلل الاجتماعي والفساد ومحاكم التفتيش الكنسية. وتعتبر مقدمة الرواية وفقرتها الأولى واحدة من أشهر الجمل قاطبة في الأدب العالمي على مر العصور، وفيها يقول: «في ناحية من نواحي المانشا، لا أريد أن أذكر له اسماً، ومنذ زمن غير بعيد، يعيش نبيل ممن في حوزتهم رمح، وله ترس عتيق وبرذون ضامر وكلب سلوقي ...»، وينهيها بالتعريف باسمه قائلاً: «وكان يلقب بـ كيخادا أو كيسادا، وهذه مسألة فيها خلاف بين المؤلفين الذين تناولوه...، بيد أن هذا أمر ليس بذي بال في قصتنا هذه، والأهم هو أن لا نحيد في رواية الوقائع عن الحقيقة قيد أنملة». ونعلم من الفصل الأول الشيء الكثير عن هذا الذي سيسميه لاحقاً بالدون كيخوته، وهو الرجل الناحل الضامر مثل حصانه وكلبه، والذي أمضى أعوامه الأخيرة في قراءة كتب الفروسية التي أثرت عليه وأفقدته عقله تماماً، ليعتقد بأن العالم كله بانتظار طلعته كفارس ليحرره من الشرور ومن جشع البشر، فيسلّح ويمضي لنصرة المظلومين الذين في انتظاره، ومعه جاره الفلاح البسيط سانشو بانثا، الذي يتبعه كظله في كل جولاته ومغامراته. وهكذا، لا يتوانى الفارس الشجاع عن مجابهة كل أعداء الإنسانية، ولكنه لا يفرق ما بين الواقع والخيال، فيوقع نفسه وتابعه في مواقف غريبة ومشاهد عجيبة أصبحت مع الزمن تعبيراً عن كل شخص مغامر بأنه «دون كيشوتي» أو «محارب الطواحين».
لكن الرواية برمتها ليست مشاهد كوميدية عن مصارعة طواحين أو جيوش الخرفان أو البغالين أو المسجونين أو حثالات المجتمع وغيرهم، فهي تصوير دقيق عن مجتمع في طور التحول والتجدد. الرواية تنهل من حوادث تاريخية حقيقية وأخرى متخيلة، بل حتى المتخيلة منها مبنيّة على وعي عميق بالواقع الإسباني وأخلاق البشر. إذ عبر فصول الرواية (52 فصلاً في جزئها الأول و74 فصلاً في جزئها الثاني)، نتعلم درساً في التاريخ الإنساني عن إسبانيا العصور الوسطى أكثر مما نتعلمه من قراءة دروس التاريخ كلها في ذلك الوقت، بحسب رأي منديث بيدال الباحث والفيلسوف الإسباني.
ولا نعرف اليوم كيف كانت ستكون عليه الرواية المعاصرة لو شاءت الأقدار أن يُقبل طلب ثربانتس آنذاك للالتحاق بالأسطول الإسباني المبحر إلى القارة الأميركية المكتشفة. لو حدث ذلك آنذاك، لكنا اليوم بدون «دون كيخوته» التي غيرت مجرى الأدب برمته.
كتب ثربانتس الجزء الثاني من الرواية دون تخطيط مسبق، فهو لم يكن يفكر إطلاقاً بمتابعة الجزء الأول منها، حتى إنه قد كتب في جزئها الأول ما يدعم أن الرواية لن تكون لها فصول أخرى لاحقة. لكنه عاد وكتب جزءاً ثانياً يتفوق على الأول في السرد والحبكة والحشد المعلوماتي والشخصيات المبتكرة. والسبب في ذلك (هل نقدم له الشكر والإمتنان على ذلك!) هو قيام كاتب آخر يدعى ألونسو دي آبيانيدا بإصدار الجزء الثاني المزيف من «الدون كيخوته» عام 1614، متابعاً مسيرة الفارس وتابعه، ومنتهزاً الفرصة للسخرية من ثربانتس وشتمه. بسبب ذلك وحتى لا يتأخر كثيراً، شرع ثربانتس في كتابة الجزء الثاني الحقيقي للدون كيخوته، ونشره بعد عام واحد من صدور النسخة المزيفة لآبانيدا. وشرح في المقدمة أنه كتب السيرة الحقيقية لينقض السيرة المزيفة للكاتب آبانيدا، مشيراً إلى أنه لن يقع مثل خصمه في الشتم والضغينة، بل سيقدم الجزء الثاني ليسكت خصومه ويردّ على اتهاماتهم التي طالت شخصه وقللت من قيمة أدبه.
لقد قيل الكثير عن شخصية الكاتب المزيف آبانيدا هذا، فلا يوجد أثر حقيقي للكاتب في سجلات الأدب الإسباني، وحتى المطبعة التي أصدرت الجزء الثاني المزيف من الدون كيخوته لم يكن لها علم بكيفية وصول مخطوط الرواية. هناك من أشار إلى خلاف ثربانتس مع الكاتب المعروف لوبي دي بيغا الشهير بعروضه المسرحية وبقربه من البلاط الملكي وتأثيره في الأوساط الدينية والأدبية. خلافٌ جعل العديد من الباحثين يشككون بأن بيغا نفسه كان وراء الجزء الثاني المزيف، ولكن ذلك ظل دون دليل مادي حقيقي. ويتندر العديد من الكتاب اليوم في حديثهم عن الجائزة العالمية المعروفة في إسبانيا اليوم باسم «جائزة ثربانتس» بأنه لو تقدم لها ثربانتس نفسه، لحاول الكثير من سيئي النية أن يمنحوها لخصمه لوبي دي بيغا، في إشارة للغبن الذي من الممكن أن يقع على الكاتب الحقيقي وصراعه الدائم من أجل البقاء.
في الجزء الثاني من الرواية نقرأ مغامرات أخرى للعبقري النبيل دون كيخوته دي لامانتشا، بعد أن غافل عائلته وأصدقاءه المقربين الذي يعرفون هوسه بكتب الفروسية، والذي اعتقدوا أنه انتهى بعودته إلى بيته وتوبته الظاهرة، وبعد أن تخلصوا من أغلب كتبه، وأبقوا فقط تلك التي رأوا ضرورة إنقاذها من التلف والحرق في محاكمة أدبية شيقة وجريئة في آن واحد، بينما يهرب الدون كيخوته فجراً بعد أن أقنع تابعه سانشو من جديد بضرورة مرافقته بحثاً عن مغامرات تنتظرهما في أصقاع أخرى.
في هذا الجزء من الرواية، تتشعب المغامرات التي يخوضها الفارس في جولاته لتطهير العالم من الأشرار والفاسدين. سنلتقي بمغامرة فارس المرايا، ومغامرة عربة الموت، ومغامرة السائسين، ومغامرة الأسود والسفينة المسحورة، والصعود على متن الحصان الطائر والمعارك الطاحنة للفارس مع الأشباح وهبوطه إلى كهف مونتسينوس، وننتهي بمغامرته الخاسرة الأخيرة في مواجهة فارس القمر الأبيض واعتزاله الفروسية على أثرها. إلى جانب ذلك، سنقرأ من جديد عشق الدون كيخوته المثالي لدولثنيا ديل توبوسو ومحاولاته المضحكة لتخليصها من السحر ونقمة السحرة، من دون أن ننسى بالطبع البطولة الجديدة لتابعه سانشو بانثا ومغامرته الشخصية بالحصول على ما وعده سيده الدون كيخوته بأن يحكم إحدى الجزر، وما جرى له فيها من متاعب وأهوال جعلته يدرك تماماً أن الحكم والسياسة ليسا من شؤونه، فيعدل عن رأيه ويلحق بسيده من جديد.
وينبغي هنا أن نشير إلى مغايرة سردية في نمط روايات تلك الفترة، من خلال ظهور شخصية المؤلف نفسه في متن الرواية، فنلتقي به عبر محاكمة علنية عن ظروف كتابة الرواية، حيث يدخل إحدى المطابع ويراقب عن كثب شخصياته وقد أصبحت مشهورة، وتقدم على خشبة المسرح. وهو ما يخلق لدى دون كيخوته ردود فعل متناقضة ما بين المجادلة بشأنها أو الرفض القاطع عندما يراقب أحدهم وهو يحاول تشويهها والنيل منها. في التناص الحكائي والفرق بين واقع الكتاب المطبوع وبين الحضور العلني للبطلين، يأخذنا ثربانتس إلى أقصى درجات التهكم والتفكيك. إن محاكمة ثربانتس لشخصياته ونقدها، وكذلك مسار الجزء الثاني نفسه الذي يمضي هو في كتابته ونحن في متابعة قراءته، تعدّ سابقة تأسيسية في تاريخ الرواية. ولا بد من الإشارة أيضاً إلى عمق التجريب ضمن فصول الرواية، وهي ميزة مارسها ثربانتس في الجزء الأول وفي أعمال أخرى كما في رواياته المثالية. النمط الشهرزادي في الدون كيخوته يتجلى في أعلى صوره من خلال تداخل الحكايات وتوالدها الواحدة من الأخرى، حيث يتيح لنا الكاتب التعرف على المزيد من الشخصيات والأحوال والوقائع المهمة في تاريخه الشخصي وتاريخ إسبانيا. نتأمل تفاصيل علاقته بالعالم العربي الإسلامي من خلال التركيز على شخصية الكاتب العربي بن الجلي الموريسكي بوصفه الكاتب الحقيقي لمغامرات الدون كيخوته، حيث سيطلب من أحد الموريسكيين ترجمة أجزاء من أوراق يعثر عليها مدونة بالعربية ويتعرف فيها على مغامرات الدون كيخوته، من دون أن ننسى التذكير بالرواية القصيرة داخل الرواية الأكبر عن «الموريسكية الجميلة إبنة الحاج مراد»، وفيها تفاصيل كثيرة مما عاشه ثربانتس نفسه أسيراً لدى قراصنة الجزائر وبقائه بينهم أربع سنوات.
لقد قيل الكثير عن غاية ثربانتس من كتابة «الدون كيخوته». هناك من يتوقف عندها ككتاب ورواية هزلية كاريكاتورية باعتراف ثربانتس نفسه الذي أراد بها نقد قطاع كبير من المجتمع الإسباني آنذاك. وهناك من رأى فيها نظرة إنسانية عالية عما تحمله الروح البشرية في دفاعها المستميت عن القيم والأعراف، وهو الدفاع الذي يوصل صاحبها إلى درجة الجنون المطبق من أجل إصلاح البشر والمجتمع، حتى لو كان ذلك عبر شخصية ممسوسة لا تجد فرقاً بين الوهم والحقيقة. وهناك من رأى فيها تلميحاً ضمنياً عن إسبانيا آنذاك من خلال تعاشق الروح الموهومة المغامرة (ممثلة بالدون كيخوته) وعلاقتها بالواقع الحقيقي المجسد لقاع المجتمع الإسباني ككل (ممثلة بسانشو بانثا)، وهي الصيغة الأثيرة لما يسمى علاقة الروح بالجسد، أو علاقة العبقرية الجامحة بالعفوية الشعبية، الطيش والتوق للعلى إزاء الواقعية البحتة والثبات الأرضي. أو حسب الكاتب والمفكر الإسباني أونامونو في كتابه عن المعنى التراجيدي للحياة، إذ يرى أن فارس الطلعة الحزينة في بحثه عن البقاء والعيش، كان «جنونه» هو الحملة الوحيدة المتبقية له ضد الموت، ويتابع قائلاً: «عظيم هو جنون الدون كيخوته، عظيم لأن الجذر الذي نبع منه كان عظيماً، رغبة العيش والوجود، مصدر كل علامات الجنون والأعمال البطولية الخارقة».
ثربانتس بلا جدال هو «معاصرنا» الأول، ولا احتجاج بين النقاد والقراء على ذلك. كتاباته، على الخصوص «الدون كيخوته». الكتب الحقيقية لا تنتهي بصورها، بل ببقائها طازجة حتى لو مرت عليها أزمنة طويلة وتغيرت طبائع البشر وأزمنتهم. «الدون كيخوته» هي الكتاب الأكثر قراءة والأكثر طباعة وترجمة، ويكاد في هذا أن يتفوق حتى على الكتب المقدسة، بل إن «الدون كيخوته» بالنسبة للنقاد وقطاع واسع من القراء ومن جنسيات مختلفة، تعد الكتاب الإنساني الأول والرواية الأعظم في تاريخ الأدب، فهي لا تزال لصيقة بأحلامنا وطموحاتنا، بل وحتى بخساراتنا المتكررة، ومحاربتنا لـ «طواحين الهواء».
العثور على رفات ثربانتس
كشفت لجنة مختصة من علماء ومؤرخين وأطباء تشريح معتمدة من الحكومة الإسبانية بأنها قد أتمت عملها الطويل بالكشف عن حقيقة قبر كاتب إسبانيا الأول ميغيل دي ثربانتس، وأن العظام المكتشفة في قبر جماعي في أحد أديرة العاصمة الإسبانية قد تكلل بالنجاح. وهناك عوامل كثيرة تؤكد ما توصل له الباحثون بأن عظام مبتكر الدون كيخوته ترقد في مقبرة مجاورة لآخر مكان سكنه الكاتب وعائلته. وقد تم العثور على عظامه مختلطة بعظام زوجته التي دفنت معه، ومعها عظام أطفال ورجال ونساء آخرين لا يمتون له بصلة. وعلى الرغم من أن التقرير يصادق على جملة شكوك لا يمكن التحقق منها حتى اليوم، إلا أنه أقر وبإجماع تام بأن عظام ثربانتس تستقر في النعش الذي تم العثور عليه منذ أشهر في أحد مستودعات مقبرة كنيسة ودير الراهبات لاس ترينيارياس دسكالثاس.
والمعلومات المؤكدة مستقاة من أرشيف الكنيسة نفسها وهي تشير لكل قبر ومنْ يرقد فيه. إضافة لشخصيات من الإرستقراطية المدريدية ومن رجال ونساء السلك الكنسي نفسه وبعض أفراد عوائلهم، ولكن هذا في جهة منعزلة لوحدها. لقد تم دفن أول الجثث في عام 1612 أي قبل وفاة ثربانتس بأربعة أعوام. وتشير السجلاـت إلى أن ثربانتس دفن في هذا الطرف القصيّ من الدير.
وعلى الرغم من التغييرات الكثيرة التي طرأت على بنية الكنيسة من تحديثات ونقل وردم، إلا أن الجزء الخاص المتبقي من المقبرة لم يتعرض للنقل أو التغيير، وهو الجزء الذي عثر فيه الباحثون والمؤرخون على بقايا عظام عبقري الرواية الإسبانية. وهناك شهادات مكتوبة تشير مباشرة إلى تواجد رفات ثربانتس في مكان واحد بعينه حسب أقوال رجال الدين، خاصة الراهبة المشرفة على مكان العبادة. وهذه المعلومات ليست بالجديدة عموماً وهي معروفة منذ عقود طويلة، ولكن الأمر كان متوقفاً على موافقة خطية من الكنيسة ـ الدير أولاً للسماح بالتنقيب، وثانياً وجود عدة تكنولوجية تساعد في التنقيب أولاً والتوصل للقبر الجماعي حيث ما تبقى من رفات ثربانتس، ومن ثم بمساعدة خبراء في العظام للكشف الحقيقي عنها.
من بين المعلومات المتوفرة عن ثربانتس والتي بحث فيها المنقبون والمختصون هو ما تركه قلم ثربانتس نفسه في كتابه «روايات مثالية». وكان قد رغب بأن توضع له صورة تتصدر رواياته القصيرة هذه، ولأنه لم يكن متأكداً من جودة التصوير، فقد كتب في المقدمة وصفاً مسهباً عن نفسه، إذ قال: «...الذي ترونه أمامكم، بوجه صقري وشعر كستنائي وجبهة ملساء عريضة وعينين متوهجتين، وأنف أقنى وإن كان متناسقاً ولحية فضية كانت ذهبية قبل عشرين عاماً، مع شارب طويل وفم صغير وأسنان لا هي بالكثرة ولا بالقلة إذ لا يوجد له منها غير ستة أسنان متناثرة وغير متقابلة في كل أرجاء الفم، وجسد لا هو بالضخم ولا هو بصغير، ولون بشرة نضرة أقرب للبياض منها إلى السمرة....إلخ». وهذه المعلومات القيمة التي أوردها ثربانتس عن نفسه، إضافة لما يعرف عنه إصابته في ذراعه اليسرى في معركة «ليبانو» الشهيرة والتي فقد على إثرها المقدرة على استخدام ذراعه وإن لم تقطع، فبقيت مشلولة وجزءاً من جسده حتى مماته.
في التنقيبات الأولى تم العثور على تابوت خشبي منخور يحمل الأحرف الأولى من اسم ولقب ثربانتس، وفي داخله مجموعة متناثرة لعظام يعتقد أنها تعود إليه. لم يكن أمام العلماء والمنقبين غير هذه العلامات الدالة عن العظام: عطب اليد اليسرى، الجروح البليغة في اليد، وهي محاولة صعبة، خاصة وأن تحليل الحمض النووي غير واردة إطلاقاً بسبب عدم العثور المؤكد على أحد أفراد عائلة الكاتب.
إزاء هذه الأخبار الجديدة عن الإكتشاف النهائي، تقابلها ردود أفعال متباينة من الأوساط الثقافية في البلد أو خارجه. فمكان دفن ثربانتس معروف وموثق منذ عشرات السنين: السؤال الآن بعد تأكيد اللجنة المختصة بالعثور على رفات ثربانتس هو: ماذا نفعل بها اليوم؟ هل سيقام له مدفن خاص وصرح عظيم في مكان آخر أو داخل الدير نفسه، يليق بأعظم كتاب إسبانيا والعالم قاطبة؟ أم أنه سيعود إلى مقبرته التي اختارها قبل مماته وتنتهي الحكاية كاملة؟
.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق