الاثنين، 20 أكتوبر 2014

خافيير مارياس: 7 أسباب لعدم كتابة رواية، وسبب واحد فقط لكتابتها

ترجمة: أحمد شافع

يعد خافيير مارياس أحد أشهر الروائيين وأكثرهم رواجاً في إسبانيا، ترجمت أعماله إلى أكثر من أربعين لغة. في هذا المقال يفاجئ مارياس القراء بأسباب كثيرة لا تشجع على كتابة الرواية، وقد نشر هذا المقال في عدد صيف 2014 من ثري بيني ريفيو.

أولاًهناك كثير جداً من الروايات، وكثير جداً ممن يكتبونها، فلا يقتصر الأمر على أن الروايات المكتوبة فعلاً لم تزل موجودة، وستظل تستوجب القراءة إلى الأبد، بل إن آلافاً من الروايات الجديدة تماماً، تظل تظهر في كتالوغات الناشرين ومتاجر الكتب، وهناك الآلاف المؤلفة من الروايات التي يرفضها الناشرون، ولا تصل مطلقاً إلى المتاجر، ولكنها برغم ذلك موجودة. كتابة الروايات إذن نشاط شائع، وهو نظرياً في متناول يد كل من تعلم الكتابة في المدرسة، ولا تشترط ممارسته تعليماً عالياً أو دراسة معينة.
ثانياُوتحديداً لأن أي شخص، قادر على كتابة رواية، مهما تكن مهنته، فكتابة الرواية نشاط يفتقر إلى الجدارة والغموض. نشاط يمارسه الشعراء، والفلاسفة، والمسرحيون، وكذلك علماء الاجتماع، وعلماء اللغة، والناشرون، والصحافيون، والساسة، والمطربون، ومذيعو التلفزيون، ومدربو كرة القدم، والمهندسون، والمعلمون في المدارس، والموظفون الحكوميون، وممثلو السينما، والنقاد، والأرستقراطيون، والقساوسة، وربات البيوت، والمعالجون النفسيون، وأساتذة الجامعة، والجنود، ورعاة الغنم. والظاهر، والغريب، وبرغم الافتقار إلى الجدارة والغموض، يظل شيء ما في الرواية مغوياً، أم أنها ببساطة حلية مرغوبة؟ ولكن أي شيء هذا المرغوب في نشاط يقع في متناول صاحب أي مهنة، مهما يكن تعليمه السابق، أو مكانته، أو وضعه المادي؟ ما حكاية الرواية؟
ثالثاًمن المؤكد أن كتابة الرواية لن تجعلك ثرياً، بل إن رواية واحدة في واقع الأمر من كل مائة رواية منشورة ـ وهذه نسبة متفائلة ـ هي التي تحقق قدراً معقولاً من المال. وهو قدر ليس مرجحاً أن يغيّر حياة الكاتب، ويقيناً لن يكون كافياً له للتقاعد. والأدهى من ذلك أن كتابة رواية متوسطة الحجم يمكن أن يرغب في قراءتها بعض الناس أمر يستغرق شهوراً بل وسنوات. واستثمار كل هذا الوقت في مهمة ليست لها إلا فرصة واحد في المائة لتحقيق قدر من المال أمر عبثي، لا سيما إذا راعيت أنه ما من أحد في أيامنا هذه ـ ولا حتى الأرستقراطيون وربات البيوت ـ لديه من الوقت ما يمكن أن يضيِّعه. كان هذا الوقت متاحاً للمركيز دي ساد ولجين أوستن، أما أمثالهم الآن فلا، وأسوأ من كل ذلك أنه حتى الأرستقراطيون وربات البيوت الذين لا يكتبون، لكنهم يقرأون، ليس لديهم من الوقت ما يكفي لقراءة كتابات زملائهم الكتاب.
رابعاًالرواية ليست ضماناً للشهرة، أو حتى لقدر شديد الضآلة من الشهرة، التي يمكن تحقيقها من طرق أخرى بصورة أسرع وأيسر كثيراً. والجميع يعرف أن الشهرة الحقيقية الوحيدة تأتي من التلفزيون، والروائي لا يظهر في التلفزيون إلا نادراً، ولا يكون ذلك بسبب براعة رواياته أو الاهتمام بها، بل بسبب دوره كأبله أو كمهرج بجوار المهرجين من مختلف المجالات الفنية أو غير الفنية. والروايات التي يكتبها الروائيون المشاهير الذين أصبحوا نجوماً تلفزيونيين لن تمثل أكثر من مبرر للشهرة، وهو مبرر ممل سرعان ما يطويه النسيان، وتصبح الشهرة غير معتمدة على جودة أعماله التالية، التي لن يبالي بها أحد أصلاً، بل معتمدة إلى حد كبير على مدى براعته في الاستعانة بعكاز، وارتدائه أوشحة أنيقة أو قمصاناً صيفية أليق بهاواي من سواها، أو صدريات مشينة، وكلامه عن طريقته في التواصل مع إلهه الغريب، أو مدى السهولة والأصالة التي يعيش بهما وسط المغاربة the Moors (وهذا دائماً ما يبلي أحسن البلاء في إسبانيا). ثم إنه من العبث أن يكافح أحد لكتابة رواية طلباً للشهرة (فهذا يستغرق وقتاً طويلاً حتى لو كنت تكتب بأكثر أساليب الكتابة ابتذالاً) في أيام لا يحتاج أحد أن يفعل فيها أي شيء أصلاً ليحقق الشهرة. زيجة أو علاقة مع شخص مرموق، وما تستتبعه من أجواء كفيلة جداً بتحقيق الشهرة أكثر من الرواية بكثير. أو ارتكاب أية حماقة بشرط ألا تؤدي إلى حكم طويل بالسجن.
خامساً: الرواية لا تحقق الخلود، والسبب الأكبر في ذلك هو أنه لم يعد ثمة خلود أساساً. حتى الذرية لا تحقق الخلود بالطبع، إن فهمنا الذرية بوصفها نسل كل واحد فينا: فالواحد يطويه النسيان في غضون شهرين من وفاته. وأي روائي يؤمن بعكس ذلك، إنما هو يعيش في الماضي، مخدوعاً أو جاهلاً. وفي ضوء أن الروايات لا تدوم إلا موسماً على الأكثر، وليس هذا فقط لأن القراء والنقاد ينسونها، بل لأنه في غضون شهور قليلة من ميلاد الرواية تختفي من على أرفف متاجر الكتب (إن كان ثمة متاجر كتب باقية)، فمن العبث أن يتخيل أحد أن أعمالنا لن تفنى. وكيف لها أن تكون غير قابلة للفناء، وقد فني أغلبها قبل ميلاده أصلاً، أو ولدت وعمرها المتوقع لا يزيد عن عمر حشرة؟ الحقيقة، لم يعد لأحد أن يعوِّل على تحقيق شهرة تستمر.
سادساً: كتابة الرواية لا تغازل الأنا، ولو مؤقتاً. خلافاً لمخرجي السينما أو الرسامين أو الموسيقيين، الذين يتسنى لهم فعلاً أن يروا ردود أفعال الجمهور على أعمالهم، بل ويسمعون تصفيقهم، لا يمكن للروائي مطلقاً أن يرى قراءه، وهم يطالعون كتابه، ولا يمكن أن يحضر أبداً ليرى استحسانهم، أو إثارتهم، أو استمتاعهم. ولو حالفه الحظ ببيع الكثير من النسخ، فربما يتاح له أن يعزي نفسه برقم المبيعات، الذي مهما بلغ حجمه، يبقى رقماً مجرداً، لا روح فيه. وعليه أيضاً أن يعي أنه يشترك في هذا العزاء الرقمي مع هؤلاء: طهاة التلفزيون مؤلفي كتب الطبخ، كتاب سير النميمة للنجوم ذوي العقول الجوفاء، العرافين لابسي السلاسل والخرز، بل والعباءات والجلابيب، بنات الممثلات، كتاب الأعمدة الفاشيين الذين يرون الفاشية في كل مكان إلا في أنفسهم، الحمقى الانعزاليين الذين يؤلفون كتب الإيتيكيت، وغير هؤلاء من كبار الكتاب. أما عن المقالات النقدية المتوهجة، فمستبعدة إلى أبعد الحدود: فلو كتب ناقد عن رواية، فلعله يسمح للكاتب أن يفلت، ولكن في المرة الأولى فقط، لا الثانية، أو يشعر الكاتب أن الناقد أحب روايته للأسباب الخطأ، وإذا لم يحدث شيء من هذا، وجاء الثناء واضحاً لا لبس فيه، وكريماً، وذكياً، فلعل اثنين لا أكثر من الناس هم الذين سيقرؤون المقالة، ويكون هذا سبباً إضافياً لإحباط الكاتب وحزنه.
سابعاً: سوف أسرد هنا جميع الأسباب المملة المعتادة، مثل العزلة التي يعمل فيها الروائي، ومعاناته في مصارعة الكلمات، والتراكيب من قبل ومن بعد، وخوفه من الصفحة البيضاء، وعلاقته المتأزمة مع الحقائق الكبرى التي اختارت أن تتجلى له وحده، ووقوعه في المآزق بين القوى الكبرى، وعلاقته الغامضة مع الواقع التي قد تفضي به إلى الخلط بين الحقائق والأكاذيب، وكفاحه الهائل مع شخصياته التي تستقل في بعض الأحيان بحياتها عن إرادته، وقد تهرب منه تماماً (ولو أن الكاتب ينبغي أن يكون رعديداً حتى يقع له هذا)، وكميات الكحول الهائلة التي يستهلكها، والحياة الخاصة غير الطبيعية طبعاً التي يعيشها بوصفه فناناً، وعدد آخر من هذه التوافه التي تغوي الأبرياء أو الحمقى، وتحملهم على الظن بأن ثمة قدراً ضخماً من الوجد والعذاب والرومنتكية في فن، هو في حقيقته مُسلٍّ وبسيطٌ وكلُّ ما فيه هو اختراع القصص وحكيها.
أولاً وأخيراً: كتابة الروايات تتيح للروائي أن يقضي كثيراً من وقته في عالم خيالي، وهذا في الحقيقة هو المكان الوحيد الذي يمكن احتمال الوجود فيه. هذا معناه أن يعيش في عالمِ ما، كان يمكن أن يكون لكنه لم يكن، ومن ثم فهو في أرض ما لا يزال ممكناً، ما سيبقى دائماً على وشك الحدوث، ما لم يجر استبعاده بوصفه حدث، وانتهى أمره أو بوصفه ما يعرف الجميع أنه لن يحدث أبداً.
الروائي الذي يوصف بالواقعي يبقى، حينما يكتب، مغروساً بقوة في العالم الواقعي، فيختلط دوره بدور المؤرخ أو الصحافي أو المخرج الوثائقي. أما الروائي الحقيقي فلا يعكس الواقع، بل اللاواقع، إن فهمناه باعتباره الفنتازي أو غير الممكن، باعتباره ما كان يمكن أن يحدث لكنه لم يحدث، باعتباره المقابل الواضح للحقائق والأحداث والوقائع، باعتباره المقابل الواضح لـ “ما يحدث الآن”. فالممكن وحده هو الذي يظل ممكناً، ممكناً الآن، وممكناً إلى الأبد، في أي عصر وأي مكان، ولهذا لا نزال نقرأ دون كيخوته ومدام بوفاري اللذين يمكن للمرء أن يعايشهما لفترة ويؤمن بهما إيماناً مطلقاً، لا أن يستهين بهما بوصفهماً محالاً، أو ماضياً، أو شيئاً عفا عليه الزمن. فإسبانيا سنة 1600 الوحيدة التي نعرفها ونكترث بها هي إسبانيا سرفانتس: إسبانيا الكتاب الخيالي الذي يتناول كتباً أخرى خيالية، ويظهر منه فارس أرستقراطي جوَّال، لا من الواقع الذي كان.
إن ما نسميه بإسبانيا سنة 1600 هي إسبانيا غير موجودة، برغم أنه على المرء أن يفترض أنها كانت موجودة، تماماً كما أن فرنسا سنة 1900 الوحيدة الموجودة هي التي رأى بروست أن يدخلها إلى عمله الخيالي. لقد قلت من قبل إن الخيال هو أكثر العوالم التي يمكن احتمال الوجود فيها، لأنه يوفر لنا نحن الذين نعرفه عزاءً، وفرصة لرؤية شيء آخر، ولسبب آخر غير هذا. فبالإضافة إلى أنه يوفر لنا حاضراً خيالياً، هو أيضاً يقدم لنا واقعاً مستقبلياً وارداً.
وبرغم أن هذا الأمر غير ذي علاقة بالخلود الشخصي، فإنه يعني لكل روائي أن هناك احتمالاً ـ ضئيلاً ولكنه يبقى احتمالاًـ بأن هذا الذي يكتبه الروائي يصوغ المستقبل، بل إنه قد يكون هو المستقبل، الذي لن تقع عليه عينا الروائي.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق