التخطي إلى المحتوى الرئيسي

بإمكانك تحسين ذاكرتك

قصة: لويس بريتُو غارسيا٭

 ترجمة: محمد م. الخطابي٭٭


على امتداد عشرة أيام وهم يحاولون التأثير فيه ليعترف، لمن دفع المنشورات التحرشيّة؟ على سطح ذاكرته يطفو فقط اسم خوليان، أو ربما لم يكن خوليان بل ميغيل، ومهما يكن فقد كان اسماً مستعاراً، وبعدئذٍ هل كان طويلَ القامة؟ أم قصيرَها، هــــل تراه في هذه الصور؟ ليس هناك وسيلة للتعرف عليه، إن وجهه يتورم ثم سرعان ما يعود إلى حاله مثل نبات مائي تحت تأثير تيارات قوية.
كيف كان أنفه، فمه، إلا أنني في الواقع لا أتذكر شيئاً، يا لها من ذاكرة ضعيفة. وأفدح من ذلك هو أنه من فرط الضرب على الرأس يزداد الأمرُ سوءاً، إنهم يَبْدَؤُونَ في القول عمارة ب 2، أو س6، أو كان في أ أو 2، أو ربما كانت العمارة الثامنة، إلا أنه، عجباً فذلك شبيه بمن يحاول أن يتذكر رقم لوحة سيارة عمه، أو رقم يانصيب، تلك الأرقام المتراقصة التي يحار فيها المرء، إن كانت هي أم ليست هي، وفى الأخير يكون الرقم الذي نطقت به هو رقم وثيقة تعريفك الشخصي، عندئذٍ رفسة من هنا، وركلة من هناك.
هل كان في المخبأ؟ أم لم يكن هناك رجل قميء مثلما يبدو في هذا الرسم من الصعب أن تميز بين العديد من البشر الذين يغدون ويرُوحون من وإلى مختلف الأماكن الحقيقية والخيالية، وسيكون صعباً أكثر عندما ينزعون كبد الواحد، لأن ذلك الغليان أو تلك الحرارة يشعر بهما بالقرب من المعدة، لا شك في أنه الكبد، فالكبد له علاقة بالحرارة المرتفعة جداً، ولا ريب في أن ذلك يؤثر في الذاكرة، إذن كما ترون كيف لي أن أتذكر.
إنني لا أتذكر شيئاً، فكيف لي أن أعرف أو أتصور قائمة أسماء أشخاص، كيف لي أن أتذكر أرقام تليفونات، إذا قلت لكم على سبيل المثال إنني لا أتذكر أن السيد الذي أثار في نفسي الغثيان ودفعني إلى أن ألقي منذ قليل، هل كان اسمه « غونساليس» أم «هرنانديث» أم ربما كان اسمه «غوتييريس»، فما بالك إذا تعلق الأمر بأحداث وقعت منذ أشهر، وهي أشياء كثيرة لا علاقة ولا صلة لي بها. لقد أخذوني من الميدان الكبير داخل سيارة ولم ألتفت يميناً أو يسارا، لم أعر اهتماماً للطريق، والآن وقد أصبحت أشعر بالألم حتى من جراء بلع ريقي، ذلك إذا كان في إمكاني بلع ريقي، فإنني لا أتذكر إذا ما كانت الرفسة تنزل على حنجرتي أو ربما على…
إنني رجل أعاني من ضعفٍ في ذاكرتي، فأنا لا أتذكر حتى وجهَ عمتي «رُوساريُو»، بل إن ضعف ذاكرتي يجعلني لا أعلم من أين خرج هذا الاسم، إنه شبيه ببطاقة قديمة تعود إلى عدة سنوات، وعلى سبيل المثال إنني لا أتذكر اسم المدرسة، ولماذا أقول مدرسة، وهذا أفدح فأنا عندما أقول مدرسة ألاحظ أن هناك فراغاً أسود قاتماً صلباً، فذلك قد انتهى منذ مدة… أي. تراءى لي هناك في مكان ما اسم كلبي (نسيته) منزل أخوالي (نسيته) لا وفراغ يا للهول، إنه الآن يزداد اتساعاً ويبتلع عروساً (تُرى مَنْ هي) ولكن ذلك لا يهم، إنه شبيه بمن يفقد ذراعيْه، ولكن تبقى له ذراع أخرى، إنني عندما أتذكر ذلك الوقت اكتشف أن الذراع الباقية تتراقص في الفراغ الذي يزداد اتساعاً وكبراً، ولا يبقى في الأخير سوى اعتقالي وهذه العشرة أيام التي….
إلا أنني أستطيع أن أتذكر كل ما فعلوه بي، إذا كان الذي فعلوه كان، إنه، لا ليس ذلك.
طيب أنا هو أنا، لي رأس وذراعان وقدمان وبدن، وهذا الإدراك، وبذلك أشعر على الأقل بأنني حي.. إنني حي، الموتى هم الذين لا يتذكرون، فأنا مثلاً لديّ ذراعان، ولكن الآن ماذا يعني ذراع، ولكن كيف سيكون، إذا كان الذراع هو، نعم إنني أتذكر جيداً أنه، شيء مثل الباقي، نعم الباقي، وأي شيء هو الباقي، وأي شيء هو شيء، وأنا هو أنا، أم هو الذي كان، وأي شيء يعني كان، وأسود، وفراغ، وكان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

٭ من كتّاب القصة القصيرة المعاصرين في فنزويلا، حاز عدة جوائز مهمة في هذا الصنف من الإبداع الأدبي في بلاده، وقد أدرجت أعماله القصصية غير قليل من الأنطولوجيات الصادرة في أمريكا اللاتينية.

٭٭ كاتب ومترجم من المغرب

عن القدس العربي

لقراءة النص الأصلي:

اضغط هنا


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

9 من أفضل روايات أمريكا الجنوبية ننصحك بقراءتها

من البرازيل وحتى المكسيك، من تشيلي لبيرو ومرورًا بكوبا والإكوادور، في تلك البلاد والمجتمعات التي عانت كثيرًا من الاستعمار وقاومت لعقود عبر عشرات الثورات، من تلك البلاد الساحرة والمجتمعات الثرية بالحكايات كان أدب أمريكا اللاتينية جديرًا بالتبجيل والانتشار . ذلك الجمال الأدبي الساحر، والقصص والحكايات الإنسانية التي أبدع كتاب أمريكا الجنوبية في نسجها. ومن آلاف الكُتاب وعشرات الآلاف من الكتب والروايات الساحرة المنتمية لتلك البيئة نرشح لكم تلك الروايات التسعة .

المترجم عمر بوحاشي: الترجمة من الإسبانية للعربية تعرف قفزة نوعية بفضل ظهور جيل من المترجمين وتحديدا في شمال المغرب

حاورته: إيمان السلاوي يكشف المترجم المغربي عمر بوحاشي، في هذا الحوار، آخر أعماله المترجمة التي تهم رواية "الكوخ" للكاتب الإسباني بيثينتي بلاسكو إيبانييث، وكذلك عن إصداراته الأخيرة، ويقدم رؤية عن واقع الكتب المترجمة من الإسبانية إلى العربية في المغرب التي يعتبرها ذات مستقبل واعد . والمترجم حاصل على جائزة الترجمة من المعرض الدولي للنشر والثقافة بالدار البيضاء سنة 2014، عن رواية بعنوان "لسيدة بيرفيكتا" للكاتب المخضرم، بينيتو بيريث غالدوس، يؤكد أن “الترجمة تخلق نوعا من التفاعل الثقافي، وفتح الحوار بين الحضارات، وتساهم في انفتاح الشعوب على بعضها لتتعارف أكثر”. ويعتبر بوحاشي من جيل المترجمين الذين نقلوا أهم الكتب الإسبانية التي ساهمت في تشكيل المغرب في المخيلة الإسبانية خلال العقدين الأخيرين. فقد ترجم رواية "عيطة تطاون" لبينيتو بيريث غالدوس التي تعتبر منعطفا في الروايات التي كتبت حول المغرب لأنها تميزت بواقعية لم يعتدها الإنتاج الأدبي الإسباني حول الجار الجنوبي للإسبان .

EL TIEMPO ENTRE COSTURAS

رواية اسبانية بنكهة مغربية أصبحت رواية الأديبة الإسبانية ماريا دوينياس "الوقت بين ثنايا الغرز"، التي تدور أحداثها في مدينة طنجة المغربية، إلى ظاهرة حقيقية حيث حققت مبيعات تجاوزت المليون نسخة، كما ترجمت لعدة لغات بينها الإنجليزية والألمانية كما تحولت إلى مسلسل تليفزيوني ضخم، سوف يبدأ عرضه مطلع 2012. وامتد نجاح الرواية ليتجاوز حدود إسبانيا حيث من المقرر أن تظهر ترجمتها الإنجليزية في الولايات المتحدة في نوفمبر المقبل، وفي نفس الشهر سوف يتم تكريم المؤلفة، في معرض جوادالاخارا الدولي للكتاب في المكسيك. وفي تصريحات لوكالة (إفي) قالت الأديبة دوينياس "أنا سعيدة لكل هذا النجاح الذي حققته الرواية، لأنه يؤكد أنها تتناول أحداثا ذات طبيعة كونية. تدور أحداث الرواية حول سيرا كيروجا، مصممة أزياء شابة، تضطر لمغادرة مدريد، بحثا عن حبيب مجهول، إلى أن تعثر عليه في مدينة طنجة التي كانت واقعة في تلك الأثناء تحت الاحتلال الإسباني، ويحاولان الاستقرار هناك. ومرة أخرى تجد سيرا نفسها مضطرة للرحيل إلى تطوان، والتي كانت أيضا تحت الاحتلال الإسباني (1902-1956)، هربا من الديون والشعور بالو...