الثلاثاء، 21 يونيو، 2016

فصل من رواية "العشيق الياباني" لإيزابيل الليندي

فصل من رواية "العشيق الياباني" لإيزابيل الليندي*
ترجمة: صالح علماني




إلى أبويّ بانتشيتا ورامون،
مسنّين حكيمين.


*******
توقّف، يا ظلّ حبّي المتفلّت،
يا صورةَ أكثر سحر أحبّه،
يا وهماً جميلاً من أجله سعيدة أموت،
يا خيالاً عذباً من أجله معذّبة أعيش.
***
الأخت خوانا إنيس دي لا كروث




لارك هاوس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

دخلت إيرينا للعمل في لارك هاوس، بضواحي بيركلي، عام 2010، وكانت قد أكملت الثالثة والعشرين من عمرها. دخلتْ هناك ولديها بعض الأوهام، لأنها كانت تتنقل، متعثرة، بين أعمال مختلفة، ومتنقلة من مدينة إلى أخرى، مذ كانت في الخامسة عشرة. لم تكن تتصور أنها ستجد استقرارها التام في هذه الدار المخصصة لإقامة مسنين في المرحلة العمرية الثالثة، وأنها ستتوصل خلال السنوات الثلاث التالية إلى أن تكون سعيدة جداً؛ كسعادتها في طفولتها، قبل أن يفسدها عليها القدر.
دار إقامة لارك هاوس التي تأسست في منتصف العام 1900 لتوفير مأوى وقور لمسنين قليلي الدخل، اجتذبت منذ البدء، لأسباب مجهولة، مثقفين تقدميين، وباطنيين متمادين، وفنانين متواضعي التحليق. ومع مرور الوقت تغيرت الدار من نواحٍ عديدة، لكنها واصلت تقاضي مبالغ تتوافق مع دخل كل مقيم لتؤكد، نظرياً، على نوع من التنوع الاجتماعي والعرقي. أما عملياً، فكان جميع النزلاء بِيضاً من الطبقة الوسطى، ويقتصر تنوعهم على اختلافات طفيفة بين متحررين فكرياً، وباحثين عن دروب روحانية، ونشطاء اجتماعيين وبيئيين، وعدميين وبعض الهيبيين القلائل المتبقين على قيد الحياة في منطقة خليج سان فرانسيسكو.
في المقابلة الأولى، لفت هانز فويغت، مدير ذلك المجمع، نظر إيرينا إلى أنها فتية جداً بالنسبة لوظيفة على هذا القدر من المسؤولية، ولكن عليهم أن يملؤوا، بأسرع ما يمكن، وظيفة شاغرة في قسم الإدارة والخدمة، ولهذا يمكنها أن تكون البديل ريثما يجدوا الشخص المناسب. وفكرتْ إيرينا بأنه يمكن لها أن تقول الكلام نفسه عن المدير: فهو يبدو صبياً ممتلئ الخدين مع صلعة مبكرة، وتولي إدارة هذه المؤسسة مهمة كبيرة عليه بكل تأكيد. إلا أنه تبين للفتاة، مع مرور الوقت، أن مظهر فويغت يخدع عن مسافة معينة وتحت إضاءة سيئة، لأنه كان قد أكمل في الواقع أربعة وخمسين عاماً، وأثبت أنه إداري ممتاز. لقد أكدت له إيرينا أنها تستطيع تعويض نقص دراستها بما اكتسبته من خبرة في التعامل مع مسنين في مسقط رأسها، مولدافيا.
ابتسامة طالبة الوظيفة الخجولة ليَّنت المدير، فنسي أن يسألها عن رسالة توصية، وانتقل فوراً إلى تعداد واجبات الوظيفة التي يمكن إيجازها بكلمات قليلة: تسهيل حياة نزلاء الطابقين الثاني والثالث. أما نزلاء الطابق الأول فليسوا ضمن مسؤوليتها؛ فهؤلاء يعيشون بطريقة مستقلة، كأنهم مستأجِرون في مبنى شقق، وكذلك نزلاء الطابق الرابع الذي يحمل تسمية مناسبة: «الفردوس»، لأن ساكنيه ينتظرون انتقالهم إلى السماء. وهم يقضون معظم الوقت نائمين، ولا يحتاجون إلى نوع الخدمة التي عليها تقديمها. سيكون على إيرينا أن ترافق المقيمين إلى عيادات الأطباء، ومكاتب المحامين والمحاسبين، ومساعدتهم في ملء استمارات صحية وضريبية، وأخذهم للشراء ولأمور أخرى مشابهة. أما علاقتها الوحيدة مع نزلاء «الفردوس» فتقتصر على تنظيم أمور جنازاتهم، وهو ما ستتلقى بشأنه تعليمات مفصلة حسب كل حالة، كما قال لها هانز فويغت، لأن رغبات المحتضرين لا تتوافق دوماً مع رغبات أقربائهم. إذ أن بين نزلاء لارك هاوس أشخاصاً من مختلف الأديان، ووجوب أن تكون طقوس الجنائز موحدة هي مسألة على شيء من التعقيد.
أوضح لها أن العاملين في قسم الخدمة المنزلية، وعاملي الرعاية والعيادة هم وحدهم المجبرون على ارتداء زي موحد، غير أن هنالك عُرفاً ضمنياً بشأن ملابس بقية الموظفين: الوقار والذوق الحسن هما المعيار في هذا الشأن. فعلى سبيل المثال ــ قال لها بتفخيم ــ البلوزة المزينة بصورة مالكولم إكس التي ترتدينها ليست مناسبة في نظر المؤسسة. الواقع أن الصورة لم تكن لمالكولم إكس وإنما لتشي غيفارا، ولكنها لم توضح له ذلك طبعاً، لأنها توقعت ألا يكون هانز فويغت قد سمع شيئاً عن رجل حرب العصابات الذي لا يزال، بعد نصف قرن من مأثرته، يلقى التوقير في كوبا، وبين حفنة من راديكالييّ بركلي، حيث تعيش. لقد دفعت ثمن البلوزة دولارين في متجر للملابس المستعملة، وكانت شبه جديدة.
ــ التدخين ممنوع هنا ــ نبهها المدير.
ــ لا أدخن ولا أشرب.
ــ هل تتمتعين بصحة جيدة؟ هذا مهم في التعامل مع المسنين.
ــ أجل.
ــ هل لديك مسألة يجب أن أعرفها؟
ــ إنني مولعة بألعاب الفيديو وبالروايات الخيالية، حضرتك تعرف، روايات تولكين، ونيل غايمان، وفيليب بولمان. كما أنني أعمل في غسل الكلاب، ولكن هذا العمل لا يحتاج إلى ساعات طويلة من وقتي.
ــ ما تفعلينه في ساعات فراغك هو شأن خاص بكِ يا آنسة، ولكن لا يمكنك السهو في عملك.
ــ طبعاً. انظر يا سيدي، إذا ما منحتني هذه الفرصة، فسوف ترى كيف أن لي يداً جيدة للتعامل مع المسنين. لن تندم ــ قالت الشابة برباطة جأش مصطنعة.
فور انتهاء المقابلة، أراها المدير المنشآت التي تؤوي مائتين وخمسين شخصاً متوسط أعمارهم خمسة وثمانين عاماً. لقد كانت دار الإقامة «لارك هاوس» ملكية بديعة لأحد كبار منتجي الشوكولاتة، تبرع بها للمدينة وترك تبرعاً سخياً لتمويلها. وتتألف دار الإقامة من المنزل الرئيسي الذي هو أشبه بقصر صغير مزهو حيث توجد المكاتب، وكذلك الأمكنة العامة: المكتبة وقاعة الطعام والورش. ومجموعة أبنية لطيفة مشيدة من ألواح خشبية، تنسجم بتناسق مع الحديقة التي تبدو برية ظاهرياً، ولكنها في الواقع محل عناية جيدة يقوم بها فريق من البستانيين. أبنية الشقق السكنية المستقلة وتلك التي تؤوي مقيمي الطابقين الثاني والثالث تتصل فيما بينها بممرات مسقوفة، من أجل التنقل على كراسٍ ذات عجلات دون التعرض لمخاطر تبدلات المناخ، وجانبي هذه الممرات من بلور، من أجل الاستمتاع بالطبيعة، لأنها أفضل بلسم للأحزان في أي مرحلة من مراحل العمر. أما «الفردوس»، فهو بناء إسمنتي معزول، كان يمكن له أن يكون نشازاً عن بقية ما حوله لو لم يكن مغطى بالكامل بنباتات عشبية متسلقة. أما المكتبة وقاعة الألعاب فتظلا مفتوحتي الأبواب طيلة الوقت؛ بينما لصالة التجميل ساعات دوام مرنة، وفي الورش تُقدم دروس متنوعة، ابتداء من الرسم وحتى التنجيم، لأولئك الذين مازالوا يتوقون إلى مفاجآت مستقبلية. وفي «متجر الأشياء المنسية»، كما يقول الإعلان المعلق فوق الباب، تقوم بالخدمة سيدات متطوعات، يبعن ملابس، وأثاثاً، ومجوهرات وكنوزاً أخرى يتخلى عنها النزلاء أو يخلّفها المتوفون وراءهم.
ــ لدينا نادٍ سينمائي ممتاز. نعرض أفلاماً ثلاث مرات كل أسبوع في المكتبة ــ قال هانز فويغت.
ــ أي نوع من الأفلام؟ ــ سألته إيرينا، وهي تأمل في أن تكون أفلام مصاصي دماء وخيال علمي.
ــ تتولى اختيار الأفلام لجنة خاصة، وهي تعطي الأفضلية لأفلام الجريمة. فالنزلاء يُفتنون بأفلام تارانتينو. هنالك شيء من الافتتان بالعنف، ولكن لا ترتعبي، فهم يدركون أن الأمر مجرد خيال وأن الممثلين يعودون للظهور في أفلام أخرى، سالمين ومعافين. فلنقل إن هذه الأفلام هي صمام أمان. العديد من نزلائنا لديهم تخيلات تتضمن اغتيال شخص ما، أحد أفراد أسرهم صورة عامة.
ــ وأنا أيضاً ــ ردّت إيرينا دون تردد.
ضحك هانز فويغت لاعتقاده أن الشابة تمزح؛ فهو يُقدّر حس السخرية كمثل تقديره تقريباً للصبر لدى موظفيه.
في حديقة الأشجار القديمة كانت هناك سناجب تتراكض، وعدد غير عادي من الغزلان. أوضح لها هانز فويغت أن إناث الغزلان تأتي لتضع مواليدها هنا، وتُربي الغزلان الصغيرة إلى أن تتمكن من الاعتماد على نفسها. وقال إن الملكية تُعتبر كذلك مصحة للطيور، ولاسيما القبرات، ومنها يأتي اسم المكان: لارك هاوس، بيت القبرات. وهنالك عدة كاميرات موزعة بصورة استراتيجية لرصد الحيوانات في الطبيعة، وهي تفيد كذلك في رصد المسنين الذين يمكن لهم أن يضيعوا أو يتعرضوا لحادث، ولكن ليس لدى لارك هاوس إجراءات أمنية. فالأبواب تظل مفتوحة خلال النهار، ولا يوجد سوى حارسين اثنين غير مسلحين يقومان بجولات دورية. إنهما شرطيان متقاعدان في السبعين والرابعة والسبعين من العمر على التوالي؛ لا حاجة إلى مزيد، لأنه لا يمكن لأي شرير أن يضيع وقته بالسطو على مسنين لا مداخيل لهم. مرا بامرأتين على كرسيين بعجلات، مع جماعة مزودة بحمالات لوحاتِ رسمٍ وعُلب ألوان من أجل درس الرسم في الهواء الطلق، ومرا بنزلاء يرافقون كلاباً هرمة مثلهم في نزهة. العقار متاخم للخليج، وعندما يعلو المدّ يمكن الخروج إلى البحر في زوارق كَيًّاك kayak، مثلما يفعل بعض المقيمين ممن لم تهزمهم أمراض الشيخوخة بعد. «هكذا أحب أن أعيش»، تنهدت إيرينا مستنشقة جرعات الشذى العذب لأشجار الصنوبر والغار، وهي تقارن هذه المنشآت اللطيفة بالجحور غير الصحية التي تنقلت فيما بينها منذ بلوغها الخامسة عشرة.
ــ وأخيراً يا آنسة بازيلي، لا بد أن أذكر لك الشبحين، لأنهما سيكونان بكل تأكيد أول ما سيحذرك منه العاملون الهايتيون في الدار.
ــ لا أؤمن بالأشباح يا سيد فويغت.
ــ أهنئك. وأنا أيضاً. ولكن شبحي لارك هاوس هما امرأة شابة بثوب شفاف وردي اللون، وطفل في حوالي الثالثة من عمره. المرأة هي إميلي، ابنة ملك صناعة الشوكولاتة. لقد ماتت المسكينة إميلي حزناً بعد غرق ابنها في المسبح، في نهاية الأربعينيات. بعد ذلك هجر الصناعي البيت وحوَّله إلى هذه المؤسسة.
ــ هل غرق الصبي في المسبح الذي أريتني إياه؟
ــ فيه بالذات. ولم يمت أحد آخر هناك، على حدّ علمي.
ستقوم إيرينا قريباً بمراجعة لرأيها بشأن الأشباح، لأنها ستكتشف أن كثيرين من المسنين يمضون على الدوام برفقة موتاهم؛ فإميلي وابنها لم يكونا الروحين المقيمتين الوحيدتين.

* * *

في اليوم التالي ومنذ الساعة الأولى، حضرت إيرينا إلى العمل بأفضل بنطال كاوبوي لديها، وببلوزة محتشمة. وقد تأكد لها أن الأنظمة في لارك هاوس متراخية دون الوقوع في الاهمال؛ فالمؤسسة تبدو أشبه بإقامة جامعية منها بملجأ مسنين. وجبات الطعام تضاهي تناول الطعام في أي مطعم محترم بكاليفورنيا: مأكولات عضوية ضمن ما هو ممكن. الخدمة فعالة وخدمات الرعاية الصحية والعيادة بمنتهى اللطف الذي يمكن توقعه في مثل هذه الحالات. خلال أيام قليلة حفظتْ أسماء ونزوات زملائها والمقيمين ممن هم ضمن مسؤوليتها. العبارات الإسبانية والفرنسية التي تمكنت من حفظها في ذاكرتها أفادتها في كسب تقدير العاملين الآتين بصورة حصرية تقريباً من المكسيك وغواتيمالا وهايتي. لم يكن الأجر عالياً جداً مقابل العمل القاسي الذي يقومون به، ولكنهم نادراً ما يبدون عابسين. «لا بد من تدليل الجدات، ولكن دون إساءة احترامهن. وكذلك الجدود أيضاً، ولكن دون إعطاء هؤلاء الأخيرين الكثير من الثقة، لأنهم سيسيئون التصرف عندئذ»، أوصتها لوبيتا فارياس، وهي امرأة قصيرة القامة، لها وجه منحوتة أولميكية، وتشغل وظيفة رئيسة فريق النظافة. ولأن لوبيتا أمضت اثنين وثلاثين عاماً في لارك هاوس، ولها الحق في الدخول إلى الغرف، فإنها تعرف بصورة حميمة كل واحد من النزلاء، تعرف كيف هي حياته، وتحزر استياءاتهم وترافقهم في أحزانهم.
ــ حذار من الاكتئاب يا إيرينا. إنه شائع جداً هنا. إذا ما لاحظتِ أحدهم منعزلاً، ويمضي حزيناً جداً، ويظل في الفراش دون مسوغ أو يمتنع عن تناول الطعام، عليك أن تأتي فوراً لإخباري، مفهوم؟
ــ وما الذي تفعلينه في هذه الحالة يا لوبيتا؟
ــ الأمر يعتمد على الحالة. أداعبهم، وهذا شيء يروق لهم على الدوام، لأنه ليس لدى المسنين من يلامسهم، وأجعلهم يتعلقون بأحد المسلسلات التلفزيونية؛ لأن أحداً لا يرغب في الموت قبل رؤية النهاية. بعضهم يشفون بالصلاة، ولكن يوجد ملحدون كثيرون هنا، وهؤلاء لا يُصلون. الأمر الأهم هو في عدم تركهم وحيدين. إذا لم أكن موجودة، أخبري كاتي؛ فهي تعرف ما يجب عمله.
كانت الدكتورة كاترين هوب، المقيمة في الطابق الثاني هي أول من رحبت بإيرينا باسم العاملين في المؤسسة. ففي الثامنة والستين من عمرها، كانت أصغر المقيمين سناً. مذ كانت على الكرسي ذي العجلات اختارت المساعدة والرفقة التي عرضتها عليها مؤسسة لارك هاوس، حيث مضى عليها نحو سنتين. وقد تحولت خلال هذا الوقت إلى روح المؤسسة.
ــ الناس المتقدمون في السن هم الأكثر مرحاً في الدنيا. لقد عاشوا كثيراً، ويقولون ما يخطر لهم، ولا يهمهم بأي حال رأي الآخرين. لن تشعري بالملل هنا أبداً ــ قالت لإيرينا ــ مقيمونا أشخاص مؤدبون وإذا كانوا يتمتعون بصحة جيدة، فإنهم يواصلون التعلم والتجريب. هنالك حاقز في هذا المجتمع الصغير، وفيه يمكن تجنب أسوأ آفات الشيخوخة: الوحدة.
كانت إيرينا مطلعة على روح أناس لارك هاوس التقدمية، وهي روح معروفة لأنها كانت خبراً في أكثر من مناسبة. وكانت هناك قائمة انتظار لعدة سنوات من أجل الانضمام إليها، وهي قائمة يمكن لها أن تكون أطول لو لم تدرك الوفاة كثيرين من المتقدمين قبل أن يحين دورهم. هؤلاء المسنون هم دليل حاسم على أن العمر، بمحدوديته، لا يحول دون الاستمتاع والمشاركة بصخب الحياة. عدد منهم أعضاء ناشطون في حركة «مسنون من أجل السلام»، يخصصون أيام الجمعة صباحاً للاحتجاج في الشارع ضد ضلالات العالم ومظالمه، ولاسيما الإمبراطورية الأمريكية، والتي يشعرون أنهم مسؤولون عنها. النشطاء الذين توجد بينهم سيدة عمرها مئة عام وعام، يلتقون عند ناصية في ساحة الحيِّ، قبالة مركز الشرطة، بعكاكيزهم وأجهزة المشي التي يستخدمونها، وكراسيهم ذات العجلات، رافعين لافتات ضد الحرب أو ضد الاحتباس الحراري، بينما الجمهور يؤيدهم بصرخات من السيارات أو بتوقيع العرائض التي يضعها الأجداد الغاضبون أمامهم. في أكثر من مناسبة، ظهر هؤلاء المسنون المشاغبون في التلفزيون بينما الشرطة تقوم بعملها المضحك، في محاولة تفريقهم، بتهديدهم بالغاز المسيل للدموع، وهو تهديد لم يُنفذ قطّ. وبانفعال شديد عرض هانز فويغت على إيرينا لوحة تذكارية موضوعة في الحديقة تكريماً لموسيقي في التسعين من عمره، توفي عام 2006 وهو ينتعل جزمته تحت الشمس، وتعرَّض لضربة شمس صاعقة أثتاء احتجاجه على حرب العراق.
لقد ترعرعت إيرينا في قرية بمولدافيا، يسكنها مسنون وأطفال. جميعهم لديهم نقص بأسنانهم، الأولون لأنهم فقدوها في الاستخدام، والآخرون لأنهم يستبدلون أسنانهم اللبنية. فكرتْ بجديها، وكيف أحست بالندم مرات كثيرة، خلال السنوات الأخيرة، لأنها هجرتهما. وقد توافرت لها الفرصة في لارك هاوس لتقدم لآخرين ما لم تستطع تقديمه إليهما، وبهذا الهدف في ذهنها، هيأت نفسها لرعاية الأشخاص الذين سيكونون تحت مسؤوليتها. وسرعان ما كسبتهم مودتهم جميعاً، ومعهم عدد ممن هم في الطابق الأول كذلك: المستقلون.
منذ البدء لفتت انتباهها ألما بيلاسكو. فهي تتميز عن النساء الأخريات بمظهرها الارستقراطي وبمجالٍ مغناطيسي يعزلها عن بقية البشر الفانين. وكانت لوبيتا فارياس تؤكد أن بيلاسكو سيدة لا يمكن أن تتوافق مع لارك هاوس، وأنها لن تتحمل البقاء لأكثر من فترة قصيرة جداً، وأن السائق نفسه الذي جاء بها في سيارة مرسيدس بنز سوف يأتي في أية لحظة ليأخذها. لكن الشهور راحت تمضي دون أن يحدث ذلك. كانت إيرينا تكتفي بمراقبة ألما بيلاسكو من بعيد، لأن هانز فويغت أمرها بأن تركز على واجباتها مع نزلاء الطابقين الثاني والثالث، وألا تشغل نفسها بالمقيمين المستقلين. وكانت مشغولة بما يكفي في رعاية زبائنها ــ فهم هناك لا يُسمون مرضى ــ وتَعَلُّم تفاصيل وظيفتها الجديدة. وكجزء من تدريباتها، كان عليها أن تدرس مقاطع الفيديو عن جنازات النزلاء الأخيرة: جنازة ليهودية متحولة إلى البوذية، وأخرى للاأدري نادم. وما كانت ألما بيلاسكو، من جانبها، لتنتبه إلى وجود إيرينا لو لم تتحول هذه الأخيرة خلال وقت قصير إلى أكثر الأشخاص إثارة للجدل في ذلك المجتمع.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*عن الصفحة الرسمية للمترجم على الفيسبوك


ــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق