الاثنين، 19 يناير، 2015

مزمور انتحار

وضع الشاعر حدا لحياته في 11 يناير الماضي
تقديم وترجمة القصائد عن الإسبانية: غدير أبو سنينة

رغم تعدُّد الوسائل التي يُمكن بها لشاعرٍ أن يكتُبَ بها قصيدة أنفاسه الأخيرة؛ إلّا أنَّه - في ما يبدو -  يبقى الحبل المعّلق هو الطريقة الأمثل للشعراء كي يذهبوا إلى العالم الآخر. فهو يُحاكي بساطة أساليب كتاباتهم الأدبية رغم ما فيها من عمق يكشف تعقيدات هواجسهم وأحلامهم وأفكارهم التي كانت تقفز لحيواتٍ أخرى دون أن يشعر من حولهم بذلك.
قبل أربع سنوات، فعلها الشاعر النيكاراغوي فرانسيسكو رويس أوذيل في ليلة رأس السنة الجديدة، محوِّلاُ ذلك العيد إلى حداد.

لكنّ بيذرو مونتي أليغري (سانتياغو - تشيلي 1975)، تريَّثَ قليلاً، ربَّما لم يُرِد إفساد احتفاليَّة الأهل والأصدقاء بدخول عامٍ جديد. لكنَّه، في الوقت نفسه، لم يُمهل ذاته كثيراً بالعيش على عتبات العام الجديد، ليشنق نفسه يوم 11 كانون الثاني/ يناير الجاري، مُتخلِّصاً بذلك من داء الإيدز الذي أعياه لأعوام عديدة، رغم أنّه لم يوقفه يوماً عن مشاريعهِ الثقافية والصحافية.
قبل سنةٍ من تاريخ وفاته، انتقل للعيش في تشيلي بعد قضائه 15 عاماً في فالنسيا الإسبانية، التي كان عضواً في رابطة كُتَّابها. من أعماله "الكلمة المصابة بداء الكلب" و"ابنُ الجميع" و"حيوانٌ نادر".

دُس على ظهري
لم أعُد أنام
في ذاكرة الجنَّة
بل رُبّما في شارعٍ
يهزُّ الأولاد قلبَهُ كقمامة
لم أعد أُبرِقُ
الأمطار السيلوكونيَّة
أسماك الوعي فاسدة
ليسوا سوى جدارٍ
تخدشه خربشاتٌ
وقلوب مهجورة
لا أصعدُ مجداً
وأركب في سيَّارة أيِّ كان.

كفّارة
أقعُ
على وجهي في بركتك
صلواتي طحالبُ طافية
مُنتشيةً تراقب من السماء
أعود على رُكبَتيَّ إلى المدينة التي منحتَني إياها
لا أستطيع مع نفسي أن أُصبح عوداً،
عمود كهرباء،
فيما أنت تمنحنني العرج.
لا أتسوَّل من ذاتي
كي أجدك بين الكراتين،
ربما عليك أن تدعوني إلى كأس من البيرة
كي نتحدّث عن المجد والفداء
وحين أكون ثملاً فقط
أقنعني بما تريد.

اللَّهب
مصابٌ بالحُمَّى ويدك باردة: وَصْمَتكَ كانت علامة خوفي.
كان الموت منِّي يقترب، وكانت يدك نشيداً، وعيناك تُعمياني، وأنا اللاشيء.
وَصْمَتكَ كأسٌ، عليه علامة، وعلامة سعادةٍ أخرى لعناقك اللانهائي.
يدكَ، في الرماد أصطادها، والوجه - الذي هو لي - أعبره.
مهما تكن باردة، لوَصْمَتكَ ألجأ، وأربض،
رغم أنني أحترق في شفتيك، أرتدُّ، وأُؤخرُ قُبلةَ أخي:
علامةُ خوفي كانت شابّاً يُشاهدُ ربّاً مُنكسراً يُدخِّن
.

مزمور انتحار
فضاءات الفضيحة تقذف الهواء. تضحك على نفسها حين تنفجر في العدم وتتحوّلُ إلى بندق أو طيور ليليَّةٍ. عيونها تنبحُ ككلبٍ مريضٍ، يداها ساحرتان فوق النار، لا صوت لها، جسدها يزحف كسلحفاة على الشاطئ. أتجمَّدُ هنا، قافزاً نحو الشعلة: يغلي لعابها كسمكة فوق الملح، يصطك حجابها الحاجز مع صوت الريح. المهرج، المهرج منفتح. ما زال يبتسم، بوجه مغبرٍّ بين فضاءات منغلقة.

تكوين
بدأتُ مزدوجاً. أنكر وأنكر، كلّما تكاثر التين، ولا خشب في شجرته
والبيرة ولا شعيرَ في سنبلتها، ولو واحدة،
والروح في الشتلات مع صوت فنائي وقدم خلودي،
مع المياه القديمة: نبعُ العالم والرب كلُّهُ من أجل عطَشي
بدأَتْ الإلياذات من غير أجزاء ولا أنساب
هكذا ودَّعوني: أبيض بين الملاءات المُعَلَّقَةِ في الهواء
جوعٌ في الطرقات، حقيقةُ حطبٍ محترق
طائرُ فينيق مع منقارٍ يختنقُ بالرماد. أنا أذى العينين
مجعَّدتيْن كالبطن. اللطخة التي لا سبب لوجودها في الخشب المُتحجِّر
أثرك، أثري، يشكِّلان فسيفساء. زجاجٌ ملوَّنٌ يُرسِّخُ
ذاكرتك في صورة. صحن معبدٍ يؤوي الثكالى
شمعتي تقطِّرُ القليلَ من موتك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق