الأحد، 2 نوفمبر، 2014

ثلاثية غرناطة.. حكاية مجد غارب

قدّمت لنا المبدعة رضوى عاشور، من خلال عملها المميّز "ثلاثية غرناطة" صورة عن الأندلس قبيل وبعد السقوط التاريخي بأيدي ملكي قشتالة وأراغون، فرناندو وإيزابيلا، اللذين أرغما بوعبديل، آخر ملوك بني الأحمر على الرضوخ وبيع البلاد بثمن بخس ومن ثم الفرار بعدما ضاع ملكه، الذي بكاه كما شهدت على ذلك كتب التاريخ، وقيل إنّ أُمه رأته يبكي فقالت له: "ابك مثل النساء ملكا مُضاعا لم تحافظ عليه مثل الرجال"..، وما زالت الرّابية التي ألقى منها آخر نظرة على غرناطة ثمّ تنهّد فيها تنهيدته الحرّى، حيث عاتبته أمّه، تسمّى باسمه إلى الآن  (el suspiro del moro).
وهو ما برع في تصويره أيضا، الشاعر الأندلسي أبو البقاء الرندي، في قصيدته المشهورة عن الأندلس:
يا من لذلةِ قومٍ بعدَ عزِّهُمُ **** أحال حالهم ْكفر وطغيانُ
بالأمس كانوا ملوكًا في منازلهم **** واليومَ هم في بلاد الكفرعبدانُ
فلو تراهم حيارى لا دليل لهمْ **** عليهمُ من ثيابِ الذلِ ألوانُ
ولو رأيتَ بكاهُم عندَ بيعهمُ **** لهالكَ الأمرُ واستهوتكَ أحزانُ 


وقد جاءت الرواية عبر أقسامها الثلاثة، كتأريخ لتلك الحقبة المؤلمة والقاسية التي عاشها الغرناطيون، الذين قرروا البقاء بعد أن نكث القشتاليون بالعهد الذي قطعوه للمسلمين بعد السيطرة على المدينة، فأجبروهم على اعتناق المسيحية، واستبدال أسمائهم العربية بأخرى إفرنجية، والتخلي عن عاداتهم وتقاليدهم والتخلص من الكتب والمخطوطات التي توارثتها الأخلاف عن الأسلاف، وكانت محرقة باب الرملة، بمباركة "ثيسنروس" كاردينال توليدو، خير دليل على جهل وهمجية المحتل الذي لم يُقدر قيمة الذخائر النفيسة التي أتلفها، والتي ناهزت 600000 مجلّد، كانت تحتويها مكتبة "مدينة الزّهراء" بقصر الحمراء.
وقد اختارت الكاتبة، عائلة أبي جعفر الورّاق لتحكي لنا عبر تتبع مسار أفرادها، سيرة المأساة التي عاشها الغرناطيون عامة، وما نالهم من تنكيل على يد محاكم التفتيش أو ديوان التحقيق، كما جاء في الرواية، وهو جهاز إرهابي بالمفهوم الحديث، مهمته الأساسية مطاردة الخطاة والمذنبين من الموريسكيين، الذين لا يزالون على دين آبائهم الأولين ولم يبدلوا منه شيئا ضدا على قرارات الكنيسة وسلطات الاحتلال.
مريمة.. الوجه الآخر لصمود غرناطة:
لعبت هذه المرأة دورا محوريا في استمرار عائلة أبي جعفر الوراق في غرناطة، بعد أن صدر قرار تخيير العرب بين التنصير القسري أو الرحيل، فجاء الفرج على لسانها: "لا نرحل، الله أعلم بما في القلوب، والقلب لا يسكنه إلا جسده، أعرف نفسي مريمة وهذه ابنتي رقية، فهل يغير من الأمر كثيراً أن يحمّلني حكام البلد ورقة تشهد أن اسمي ماريا وأن اسمها أنَا. لن أرحل لأن اللسان لا ينكر لغته ولا الوجه ملامحه." فكان أن قرر الجميع البقاء ولو إلى حين.
مريمة في ثلاثية غرناطة، تجسّد نموذجا للدفاع عن المقهورين وإنقاذهم بالحكمة تارة وبالحيلة تارة أخرى من الوقوع في براثين مفتشي ديوان التحقيق، وقد احتفت رضوى عاشور من خلالها بالإنسان البسيط العادي، الذي تناساه المؤرخون في غمرة اهتمامهم بالملوك والأمراء والقادة وكبار الشخصيات، فأسندت البطولة لفئات البسطاء من قبيل الوراقين والسمارين والنساجين والمعالجات بالأعشاب وبائعات الكعك وعمال الحمامات... وهي بالتالي تكتب تاريخ هذه الطبقة الهامشية التي ظلت صامدة، بعدما فر الأشراف والكبراء بعد السقوط، وكلها أمل في قدوم مخلّص من المغرب أو المشرق لتحرير البلاد وفك أسرها وإحياء مجدها الغارب.
ولكن
هيهات..هيهات..
لكل شيء إذا ما تم نقصان **** فلا يغر بطيب العيش إنسان
هي الأمور كما شاهدتها دولٌ ****من سرَّهُ زمنٌ ساءته أزمانُ
وهذه الدار لا تبقي على أحد **** ولا يدوم على حال لها شانُ 
 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


  


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق