الخميس، 17 أكتوبر 2013

نيوزيلاندية صغيرة وخجولة تصطاد البوكر مان برواية بوليسية ضخمة


هالة صلاح الدين

قد تتبدّى لك في الوهلة الأولى، بملابسها البسيطة وسلوكها الخجول المرتبك، طالبة في سنتها الجامعية الأولى، ولكن مواطنة نيوزيلاند إليانور كاتون (1985) انتزعت جائزة مان بوكر البريطانية لعام 2013 انتزاعاً بروايتها "الأجرام المنيرة" متفوقةً على كولم تويبن الكاتب الأيرلندي المخضرم لتنال جائزة قيمتها 500000 جنيه إسترليني وتتقلد مكانة لم تصل إليها إلا مواطنة واحدة من نيوزيلاندكيري هولم عام 1985.

جائزة مان بوكر لن تقتصر في العام القادم على دول الكومنولث، وإنما سوف تفتح أبوابها لمشاركة مؤلفين يكتبون بالأنكليزية من كل ركن في العالم. هذا القرار أدّى إلى إحداث انقسام محتدم الجدل بين الوسط الأدبي البريطاني، إذ يخشى النقاد من أن تهيمن الرواية الأميركية على الجائزة، وهو الأرجح في الحقيقة.


رواية ملحمية

خاضت كاتون عالم الرواية من قبل، إذ حبكت روايتها الأولى "البروفة" (2008) فضيحة جنسية في إحدى المدارس الثانوية، وقد رشحت لجائزة جارديان للعمل الأول وجائزة ديلان توماس، وتُرجمت إلى اثنتي عشرة لغة. والحق أنها لم تنبئ عن هذا التحول المستقبلي الذي أدى إلى فوز رواية تشويق تاريخية بالبوكر.
وعلى عمرها البالغ 28 خطت كاتون رواية من 832 صفحة يسمها أكثر ما يسمها التجريب في اللغة والتقنية. أشاد بها رئيس لجنة البوكر قائلاً، "يكمن نضج هذه الرواية في كل جملة. تطالع كل عبارة فتتولاك الدهشة لِما تضمره من معرفة واتزان." تنصب حكاية "الأجرام المنيرة" على قالب مألوف، حدوثة بوليسية إبان العصر الفيكتوري من القرن التاسع عشر، تذكِرة بروايات فيكتورية برعت فيها الكاتبة الويلزية سارة ووترز.
إنه عمل ملحمي يسلط عيناً أخلاقية على حمى الذهب، يصيبه الترهل تارة، وتلتئم أشلاؤه تارة أخرى. تقع كاتون على كل ما يجعل روايتها بوليسية بالمعنى التقليدي: إهدار دماء، جثث، جلسات لاستحضار الأرواح، دعاوى قضائية، ألغاز، متاهة من الشخصيات المتصارعة انتقاماً أو جشعاً.
قد يتيه القارئ بعض الشيء في منتصف الرواية إلا أن كاتون تتمكن من الإلمام بالحبكة قبل الانفراط التام من خلال بنية محكمة حريّة "بجداول التنجيم" – جداول يستعين بها البطل في معرفة قَدَره وسبيله – إذ يَشغل كل جزء مساحة تُقَدَّر بالضبط بنصف مساحة الجزء السابق عليه! وأحياناً ما يتبدّى أن الرواية تتريث وتتمهل عند أكثر من عقدة بيد أنها في الواقع تهدر متسارعة في مداها ووصفها للأجواء، ومع التسارع تترامى فسيحة صاخبة، وإن تفقد بين الحين والحين انتباه القارئ. تتراءى لي – على حجمها – حاملة لأهم سر من أسرار القصّ: كلما أعدت القراءة، انغمست متعثرا في المزيد من طبقات الحكي. استوحت كاتون موقع "الأجرام المنيرة" – بلدة هوكيتيكا بالساحل الغربي للجزيرة – من رواية الكاتبة البريطانية روز تريمان "اللون" (2003)

شعرية الأسرار

تتوالى وقائع الرواية في عام 1866، وتبدأ في ليلة لم تَسلم من العواصف بوصول مواطن إدنبره، ولتر مودي، إلى حقول الذهب في نيوزيلندا ليجمع ثروة أي ثروة. يترنح على قدمين متقلقلتين من سفينته صوب أول فندق يعثر عليه.
"يا لغباء عقول الغائبين من الرجال والنساء! ويا لمراوغة الدوافع!" هكذا تفسر راوية "الأجرام المنيرة"، وسرعان ما يتضح راو آخر يقص قصاً جماعياً مستخدماً كلمة "نحن" بلا سبيل إلى معرفة هوية المتكلمين. تتقافز وجهات النظر وحدود كل جرم سماوي من أجرام الشخصيات – إنها دليلهم إلى الصحة والسعادة والغنى – ويلعب عدد من الشخصيات دور المخبر ثم يتوارون الواحد بعد الآخر في غياهب النسيان. ولكن السرد يتواصل مبهماً داخل غرفة التدخين بالفندق حيث يلتقي الوافد بحشد متوتر من اثني عشر من رجال المنطقة الذين التقوا سراً لمناقشة سلسلة من جرائم تستعصي على الحل.
وهكذا ينجذب مودي إلى سر يتضمن شاباً ثرياً مفقوداً؛ ووكرا للأفيون؛ وعاهرة – متورطة تقريباً مع كل رجال الرواية – تتعاطى المخدرات وتحاول الانتحار؛ وثروة هائلة تم اكتشافها في بيت سكير؛ ومع عدد آخر من الشخصيات، منهم قسيس وسياسي وعراف وسجَّان، تتشابك الرواية لتنسج أحجية يدري كل مشارك فيها بشيء واحد على الأقل يخفى على الآخر.
الحق أن كل فرد منهم أتى من مكان ما قصيّ، "لا أحد ينتمي إلى هنا"، عدا واحد في الحقيقة من شعب نيوزيلندا الأصلي، ولا أحد ينجو من مقصلة كاتون الأخلاقية، الكل ساع إلى الثروة على حساب الكل. ففي بقعة عامرة بالخير الذهبي تلمّ التواقين من شتات الأرض، يمرح منقبون أوروبيون وعمال صينيون يعيدون صناعة أنفسهم في العالم الجديد "في طرف الأرض المتحضر بأقصى الجنوب".
لعل أكثر ما يحدو بالكُتاب إلى سبر العصر الفيكتوري هو أدواته المعيشية ذاتها. فما كان من الممكن أن تتوالى حبكة "الأجرام المنيرة" بأية صورة في العصر الحديث. ففضلاً عن غرائبية العهد وسحره، رسمت كاتون أشخاصا يزوِّرون التواقيع وخط اليد، يتنصتون على القصور، يعقدون لقاءات غرامية غير شرعية، مؤامرات تحاك، أناس من الماضي يبزغون فجأة وغرضهم الفضيحة، رسائل تصل بعد وقوع المأساة، بل وغياب التواجد الدائم ذاته، كل ما غاب عنا في العصر الحالي.

شخصيات مشرقة

تستغل كاتون اللغة بقلم خليق بأستاذة، لا شابة تكتب روايتها الثانية. تحتفي بلغة حوار موحية وكوميديا تُهْلِك ضحكاً. لا تبوح بكل معلومة كيلا تنكشف نواياها أمام القارئ. ثمة حذر ماكر في الإيذان بالحدث تمدّ معه حدود اللغة مستوعبة تمام الاستيعاب ماهية الأدب البوليسي. تتحلى العبارات ذاتها بتعقيد لا يزعج القارئ بالتفاصيل الهامشية، وإنما معانٍ تدق كل واحدة منها حجراً في هيكل يغذي الحبكة ويفك الألغاز.
تضمر كاتون أيضاً وعياً متقداً برسم شخصيات من لحم ودم، فنجحت في رسم شخصيات مشرقة تثب من الصفحة، تَلوح مفعمة بالحيوية متجسدة – على غرائبيتها – كل التجسد أمام مخيلة القارئ.
لا تخشى كاتون التجريب في تقنية كتابة الرواية ذاتها. إذ تنبع قيمة الرواية من مغامرة التجريب ذاتها، ولعله ما دفع بلجنة البوكر إلى اتخاذ قرارها.
لا تحاكي كاتون أسلوباً بعينه، وإنما عهد أدبي كامل، رواية القرن التاسع عشر، بمداها وأسلوبها، رجال يطاردون المال، وتشابُك مهيب لمصائر تنقلب بين عشية وضحاها، ولا ينقصنا إلا بعض القراصنة! بل إنها تضيف خلاصة بسيطة قبل كل فصل مقلِّدة الكاتب الإنكليزي تشارلز ديكنز، خلاصة توجز الفصل إيجازاً يسلب الفصل أحياناً بهاءه. ومع ذلك تنطلق بحرية لتسبغ تقنية معاصرة على قصة عتيقة تنتهي نهاية مفتوحة.
اعترفت كاتون بعد فوزها بالجائزة أن هذه الرواية المعقدة كانت "كابوساً" للناشر. يوحي عدد الصفحات بأن المؤلفة أطلقت العنان لأهوائها ورغباتها الأدبية كاملة في مجلد واحد. لا ريب أن الرواية قدَّمت نموذجاً لناشر غربي – جرانتا – يعلي من قيمة الأدب دون أن تختل موازين تجارته، ولا سيما في سوق عامر بروايات تاريخية كثيراً ما تَصدر في حجم أكبر من الأحداث الحقيقية ذاتها. ومثلما قطعت رواية القرن الواحد والعشرين شوطاً عما سبقها، يبدو وكأن أمثال كاتون بمقدورهم الدفع في اتجاه المزيد من التجريب والثورة على الثوابت في البنية والتقنية.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق