زهرة منصور
عن موقع ساسة بوست
لتكتسِب لقب القارئ المجنون، لابد أن تقرأ لميلان كونديرا
وتمُّر بسلسلة أبطاله مُتقلبّي المزاج وحادِّي النظر في الحياة ومخاضها.
ميلان كونديرا، الفرنسي ذو الأصول التشيكية، الذي يوصف
بالكاتب والفيلسوف، الذي أعطى الرواية فكره وفلسفته وجنونه وإلهاماته في الموسيقى
والفن، وفي معتقداته في السياسة والفكر، نستطيع أن نصف روايات كونديرا بأنها
الجامعة والماتعة، التي أروتنا بتفاصيل حياة اجتماعية وعاطفية هشّة ومتغيرة وقوية
وباهتة أحيانا، وألهبت مشاعرنا وحماسنا مع الثورة حينا وخذلتنا حينا آخر.
ويجمع كونديرا مع عِظاته الفكرية والفلسفية أسلوبه الهزلي
الساخر من كل شيء، ويبدو أحيانًا أن مواجهاتنا مع الحياة وصراعاتها بحاجة فعلا
للسخرية. ميلان كونديرا من الأدباء الذين يبتعدون عن أضواء الشهرة ويخافون من
النجاح، ويرفض الحديث عن ذاته وشخصيته وحياته الخاصة، ويُولي كلّ الاهتمام لأعماله
الأدبية ويضعها دائما قبله في محور الاهتمام والدراسة. لذلك نحاول أحيانًا التعرف
عليه من خلال فكره برواياته، وأذكُر قول “كولن ولسون” أن الرواية كصنف أدبي وسيلة
تساعد الكاتب على هضم تجربته، ولابد أن نلتقي بكونديرا في جزء من أجزاء رواياته.
روايته “كائن لا تحتمل خفته”، هي الأكثر رواجا، اكتسحت
مكتبات القرّاء العميقين وغير العميقين! ونَقدُها أصبح صعبًا للغاية، وإن واجهتك
مشكلة معها قد تُضطرّ لإخفاء سوء فهمك في سبيل تبجيلها لأنّ كثيرًا من القُرّاء
العميقين يقفون أمامك بالمرصاد!
لا أحد يشك بأن أسلوب كونديرا في روايته هذه يتسم بالسلاسة
والجاذبية، عن نفسي قرأتها بنهم حقيقي لأنّ هناك أفكارًا عديدة تعترضك في كل صفحة،
“كائن لا تحتمل خفته” تحدثت عن العود الأبدي وهذا ما أكسبها عمقًا واهتمامًا،
الحديث عن نظرية نيتشه، ويجدُر بالذكر أن هذا المصطلح كما يقولون أربك الفلاسفة
لأننا نجد أنفسنا أمام ثقل الأزمنة. وبالتالي أرعب القُرّاء ليس لكونه ثقيلا حقا
لكنه يحمل بعدًا فلسفيًا بحجم نيتشه! الرواية أيضا تتناول ثُنائية الروح والجسد،
الخفة أم الثقل. ولا تغفل الهوس في السيطرة التي تعتبر أُسّ العُقد النفسية في
داخلنا، وتناولت الأوهام والآمال والجنون في العلاقات بين الأبطال بين الحب
الحقيقي ومتطلّبات الجسد، كل هذا على خلفية الأحداث السياسية والتقلبات في
تشيكوسلوفاكيا .
![]() |
ميلان كونديرا |
لست بصدد الحديث عن هذه الرواية لأنني بكل صدق أخاف من
الحديث عنها! لكنني تطرقت لها لأنها كانت الأكثر تأثيرًا في القرّاء العرب للدخول
إلى عالم ميلان كونديرا.
إننا ندمن القراءة لأسباب كثيرة، وخاصّة بنا. ونتعطش
للقراءة ونهرع لها كملاذ …إلخ. هذا ما يتفق عليه جميع القرّاء. واتّفقوا أيضا على
فكرة مهمة قد قالها العقاد مرة “حياة واحدة لا تكفيني”، ومن فترة قريبة قرأت لغازي
القصيبي أنّ القراءة وعالم الكتب السّاحر بالفعل يُمثِّل حياة أخرى، وبديلًا عن
حياتنا الروتينية أو الحافلة بالآلات، فهذا العالم يمثل لنا النقيض تمامًا عن
سعينا وتلهّفنا لأن نعيش، وعيش عن عيش يختلف، إذن القراءة كانت دائمًا الغذاء
الأمثل للروح والعقل، ومع عالم الرواية الذي لا يقرأ فقط للمتعة بل لأنّنا نحتاج
للهروب أحيانًا في عوالم مختلفة تنتشلنا من البؤس الذي يلفّنا على كافة
المستويات.. هذه الفكرة التي مثلها كونديرا في روايته، “الحياة في مكان آخر” :
“بَيْد
أن الناس كافّة يأسفون لعدم تمكّنهم من عَيْش حيواتٍ أخرى غير عيشتهم الوحيدة
الفريدة. أتريدون أنتم أيضًا أن تعيشوا كل حيواتكم الافتراضية التي لم تتحقق؟ كل
حيواتكم الممكنة؟ فروايتنا تُشبهكم، هي أيضا تتوق لأن تكون رواياتٍ أخرى، تلك التي
كان من المحتمل أن تكونها، و لم تَكُنْها” نحن نتصوّر حيوات أخرى، لكن تفاصيل تلك
الحيوات بسطحيتها وبأجزائها المُهمّشة قد يكون صعبًا، جزء الرواية الأول يدور حول
قصة ميلاد الشاعر، وأنت تقرأ العنوان تقرأه بمنتهى الجدّية عن بداية تكوين بطلنا
الشاعر، من البداية مثّلت هذه النطفة أي “الشاعر” غلطة ووهما في المشاعر أصبحت
واقعًا لا مفر منه، كان ضحية لآمال وطموحات فتاة في الحب، ولحظة طيش للمهندس الأب،
وضريبة تلك الفعلة أن فقدت الأم كل حبّ وتملّك وسيطرة حتى على نفسها، وشاخ جسدها
وأهملت رُوحها عندما أسرَتها بوليدها فقط لتعوض كل تلك المشاعر الجارفة وتهبها
لنطفتها، وأحكمت قبضتها على ذلك الطفل الذي لم يتخلص من روح ولمسة أُمّه التي
تلاحقه كقيد لآخر عمره، وكأنّها صارت لعنة على حياته.
يعرض لنا كونديرا نشأة ذلك الشاعر وما امتلكه من كلمات
أكبر من سِنّه وكانت مصدر فخر لأمه، تكوّن ذلك الطفل ليثير اعجاب من حوله، وهكذا
تحول إلى شخصية متغطرسة ومعتدة بنفسها بشكل فظ حتى مع ضحالتها، وكبرياء وغرور لا
سقف ولا رادع له، هذه البذرة السيئة التي تكبر بداخل أي شخص لم يجد من يصفعه .
أكثر ما يثير في الفصل الأول ما طرحه كونديرا حول قصة حُبّ
الأم للرّسام الذي أوكلت له مهمّة تطوير مهارة ابنها في فن الرّسم، يطرح ذلك
الحُبّ كإشكالية في أي علاقة تصل بها إلى حالة من الإجهاد، كان حبًّا مرهقًا لا
تستطيع مجاراته، أن تضع نفسك في قالب معين وغير حقيقي لترضي بها شريكك حتمًا ستصل
إلى نفق مظلم لا تستطيع فتح عينيك داخله.
الفصل الثاني وأظنه كان الأجمل، يدور بكامله عن الحلم
واللاحُلم، يحتل مكانة مميزة في أعمال كونديرا، وحلم الشاعر كان تعريفًا لشخصه
وجزءًا هامًا من سرد قصته. الحلم الذي يكونه ويحضره مسبقًا، وحياته التي تجري في
منحى آخر مبتعدة عن أحلامه، هذا التناقض في المصير الذي يعمل ويحلم لأجله، وما
يحدث حقا في حياته.
هذه الرواية حملت صراعًا كان مدويًا في نفسية الشاعر
المرهفة، الذي يتوق لملء فراغ حياته في الوصول والتقدم وإحراز الإعجاب والتصفيق من
غير أمه، الطفل الذي يهوى سماع صدى صوته وهمس المعجبين به، الطفل المتغطرس،
ياروميل الذي كانت أسلحته: الحب والشعر والحلم والثورة، بحماسه واندفاعه، انجرف
وراء فكرة الشيوعية واعتنقها لينسلخ عن كينونته، ينظر في المرآة ويحاول البحث عن
ملمح لا يشبهه ولا يشعره بأسره تحت مسمى ” طفل أمه”، أراد الانفصال عن أي انتماء
لشكله ولحب أمه وتعلّقها به واقتحامها لخلوته وأسراره، والانفصال عن صوت الرسام،
معلمه ومُلهمه الأول، تنكر لرسوماته وشعره وابتعد محاولًا أن يجد نفسه وما يملأ
فراغه وليجد مغامرته الخاصة في الثورة والحب كما كان يحلم بكزافييه، وهكذا اعتنق
وخدم الفكر الشيوعي. إن فتاته ذات الشعر الأحمر كان يرى بها انعكاسا لقبحه الداخلي
بشكلها الخارجي، حاول معها أن يثور على نفسه، أن يشعر بالحب الذي من غيره هو الموت
بعينه، لكن لم تكن تمثل له غير شيء يملأ وقته، كان في الحقيقة يهرب من والدته
ليتحرر وينال رضا غيرها ويرى نفسه بعيون غير عيون أمه:
“ياروميل
المسكين، لن تتخلص أبدًا من هذا الإحساس. ستجوب العالم مثل كلب مُقيّد بحبل طويل!
وحتى عندما تصير بعيدًا، ستشعر دائمًا بالطوق يحيط بعنيك! وحتى عندما تكون مع
النساء، وتنام معهن في السرير، ستشعر بالرباط الطويل يُطوّق عنقك، وأمك تُمسك
بطرفه في مكان ما، وستعلم من خلال اهتزاز الحبل في يدها بما تأتي من حركات خليعة”.
فرغم كل شيء شاعرنا ياروميل كان أبلهًا وسطحيًا لدرجة
مُنفِّرة لا تدري تُشفق عليه أم تكرهه، لكنّه حتمًا مريضًا، مريضًا بهوس أمه به،
وبالأنا المفقودة منه، ياروميل لا يجد نفسه ولا يستطيع تقمُّصها، لم يجد أسطورته!
ظل يهرب مُتقلّبًا من فكرة لأخرى، من دفتره المخبأ وشِعره المُقفّى والمنظم إلى
الشعر الغنائي ليجد نفسه مُمَجّدًا في شعره، إنه لا يرى ولا يبحث إلا عن نفسه.
تشعر أن شخصية ياروميل وتمثيلها كشخصية مُبتذلة وتافهة
عقابًا وسَوطًا يُحِلُّه كونديرا على نفسه، كونه قد انصهر في وقت ما مع الشيوعية
ومن ثم طُرد منها، وقد كان شاعرًا وتخلى عن شعره، وقد يُفسر هوى البطل في محاسبة
ذاته “هواية محاسبة الذات”، فلا يمكن للمرء أن يكون حُرًّا بفنِّه وشعره وأدبه في
ظِلّ نظام كامل يلف حولك قيودًا خانقة.
كونديرا في هذه الرواية يُفاجئك، يُدهشك، في الفصل السادس
منها، يهدم كل ما كوّنته وقرأته مسبقًا، يتلاعب بنا لأجل هدف، لم يذكر ميلان
كونديرا أي اسم غير اسم الشاعر ياروميل، لينصبّ اهتمامك وتركيزك عليه، لكن في
الفصل السادس تشعر أنه يحاسبك ويفتح عينيك وآفاقك على جوانب وأجزاء قد تكون أكثر
أهمية من حياة ياروميل، ما الهدف من سرد حياة هذا الشاعر من بدايتها لمماتها؟ هكذا
تتساءل لتجد الإجابة في هذه الفصول، هناك جوانب قد تكون مُهمّشة لكنها هي المحور
على صِغرها، إلاّ أننا لا ندري أنّها قد تُحدث أمرًا وتكون أكثر جللًا! وهكذا
نُعيد النظر مرة أخرى في حياة ياروميل لنجد خيوطًا أخرى مُهملة نتيجة لعبة خادعة
من كونديرا وقد تظن بعدها أنك فهمت مغزاها !
على أيّ حال كانت ممتعة ودرسا خفِّيًا عن الحياة والأمكنة
الأخرى ومدى شعورنا وتعمُّقنا بها وإلمامنا بالأفكار التي نجري وراءها! والمتغيرات
السياسية التي قد تُقسّمنا وتُقولبنا، الشيوعية جاءت لتنسف وتقلع وتقمع، لكن في
حياة وحياة أخرى ما مدى ثباتك وكيف هي قناعاتك؟!
بالنسبة للجزء الأخير، وكان الأمتع في الحديث عن الموت
وخاصة موت الشاعر، الذي كان مختلفا وذليلًا، حتى المجد في الموت لم يُحصِّله، يا
للحياة القاسية. إذن هي رواية يُعيد فيها كونديرا ثُنائيته بشكل مختلف، الحب
والجسد، زيف المُثَقّفين والفن الهابط، السلطة والسيطرة. والعلاقة التي يكون أحد
أطرافها ضعيفا، ذكّرني بضعف توماس تجاه تيريزا، هذه العلاقة تكررت هنا بشكل آخر
بين الأم والابن. تأكيد على جملة المقطوعة من بيتهوفن “ما ليس منه بد” كما ورد
ذكرها في كائن لا تحتمل خفته.
الرواية صوّرت مقارنة بين زمنين مختلفين وفكرين متصارعين
دوما، فانتقلت بنا من الفن السريالي وفن العصر الحديث ومن أدب بودلير وريلكه إلى
الشعر الغنائي برعاية السلطة إلى الأدب الواقعي الاشتراكي، انحدار الأفكار
والأخلاق والمبادئ في الحقبة الستالينية، تلك الحقبة الممتدة بشكل آخر ليومنا هذا،
التي تقسم عالمنا إلى عالمين: الرديء والجيد المُهمّش.
هذه رواية غنية جدا فيما يتعلّق بالشعر وبالأعلام
الموسيقية والأدبية والفنية، تأخذك في رحلة وتعرّفك على عالم قد تتعرف على نفسك
بها، هذه رواية غنية .. بمتعة وفائدة.
تعليقات
إرسال تعليق