الثلاثاء، 16 فبراير 2010


بين الحرب و الجريمة
Guerra y crimen
JAVIER MARÍAS

ترجمة: توفيق البوركي

مراجعة: محمد أنديش


لست من المسيحيين الذين يعتقدون انه يتوجب عليهم أن يديروا خدهم لتلقي الصفعة الثانية على الخد الآخر، كما أنني لا أعد نفسي من المسالمين إلى الحد الذي أعتبر فيه الرد بالعنف أمرا مرفوضا. فاذا تعرض أحد ما لهجوم، يبدو لي أمر الدفاع عن النفس طبيعيا. كما هو الشأن لمن تعرض لاعتداء او اهانة، فلا غضاضة ان يرد بالمِثل، أو على الأقل أن يأخذ حذره تحسبا لما سيأتي مستقبلا.
إذا كان أحدهم يكرهنا إلى الحد الذي يتمنى فيه محونا من على خريطة العالم، فمن المنطقي أن نتصدى له مهما كلف الأمر، وأن نسعى بدورنا، إذا انعدمت باقي الخيارات، لمحوه من على الخريطة.
حسنا الآن، إن ما يميز شخصا متحضرا عن دابة متوحشة أو عن سفاك دماء أو عن خسيس، هو ان المتحضر يفكر في عواقب ردود أفعاله مهما كانت مبرراتها، كما انه يأخذ في حسبانه، ايضا، قدرة الخصم الذي يمقته: هناك من يحاول الحاق أشد الأضرار بنا، لكنه ليس دائما في ظروف تسمح له بتحقيق ذلك.
إذا كنت أحمل مسدسا مثلا، و كان احدهم يكيل لي سيلا من اللكمات، فإن ما لا أستطيع فعله في هذا الظرف بالذات، كرد فعل على ما تعرضت له من اعتداء هو اطلاق النار عليه.
إذا كنت لا أستطيع ان أدخل معه في مواجهة رجلا لرجل، فحينئذ علي أن أتحمل لكماته و أتفادى العراك معه، لأن ما هو محرم علي هو استعمال المسدس الذي أحمله في جيبي. و ينطبق الامر إذا ما تعرضت لرشق بالحجارة من صِبْيَةٍ في الثانية أو الثالثة أو الرابعة عشرة من عمرهم فسأستمر دون أن أستطيع إشهار سلاحي في وجوههم حتى لو كان عبارة عن مدية.
أحيانا ينتابنا الغضب و الحنق و نحس بأنه تم استفزازنا أو خداعنا أو الاعتداء علينا أو سرقتنا. فبعض الناس حين يتعامل معهم مستخدمو شركات أو موظفون بشكل غير لائق، لا يتورعون عن رفع شكاوى يتطاير منها الشرر الى رؤسائهم المباشرين، دون ان يفكروا و لو للحظة بأن هذا الاحتجاج الحانق قد يؤدي الى طرد فوري لهذا المستخدم، و ربما يكون هذا أقسى عقاب ليفقد أحدهم وظيفته بسبب قلة حياء أو إهمال ظرفي ( ربما يكون من قام بهذا السلوك ليس في أفضل حالاته).
نحن الكتاب، عندما نقوم بالتعريف بأعمالنا، فغالبا ما نتعرض للسخرية و التقريع، ففي بادئ الامر، يلزمنا تحملها و تقبلها، لأن لا احد ارغمنا على عرضها على الملأ (فبإمكاننا أن نحتفظ بها في درج المكتب و انتهى الامر). فالكل له الحق في التعبير عن رأيه كما يحلو له.
عندما يتعلق الأمر بهجمات تطال شخص الإنسان، مهما كانت متسلطة و حتى مكرورة، فمن الجائز الرد عليها حسب مصدرها: حسنا إذا كان أحدهم كاتب عمود صحفي في احدى اليوميات، كما في حالتي، او صاحب برنامج تلفزي أو إذاعي، فعبر هذه القنوات بإمكانه الرد علي؛ لكن إذا كان هذا الذي يتحدث عني بشكل غير لائق أقل شأوا مني، فمن الأحسن أن ألتزم الصمت.
و في الحروب، مالذي يحصل أثناء نشوبها؟ في روايتي الأخيرة، أوردت على لسان أحد الشخصيات الإنجليزية، أثناء حديثه عن الحرب العالمية الثانية، شيئا كالتالي (آسف، فليس بمقدوري الآن البحث عن الصفحة المطلوبة بين 700 صفحة):
" في حرب من أجل البقاء، نقوم بكل ما نحن مضطرين للقيام به، لينتهي بنا المطاف الى اقتراف أمور غير ضرورية. لكن المشكل هو انه أثناء اشتعال فتيل الصراع، يعتقد البعض ان كل شيء مباح و ضروري؛ و بعد ان تضع الحرب أوزارها و يظهر المنتصر، فمن المستحيل ألا يمتد به التفكير ألى أنه كان بالإمكان تحقيق النصر دون القيام بهذه الأشياء أو تلك.
نظن أنه بالإمكان الاقتصاد في القسوة أو الخسة و بعض الضحايا رغم ان المحصلة كانت ستبقى نفسها، لكن هناك من سيسبب لهم هذا الامر غصة مدى الحياة ".
أعتقد فعلا ان هناك حروبا، يصعب في خضم احتدام وطيسها معرفة ما يلزم و ما لا يلزم؛ وهناك حروب أخرى، تبدو فيها المسألة واضحة وجلية، ومن غير المسموح أن تقوم، عن سابق علم، بما هو أكثر من اللازم: أن تنكل بالمدنيين، لاثارة الخوف و الهلع بينهم؛ ان تقتل الأطفال الذين لا يستطيعون حمل السلاح، رغم رغبتهم في ذلك لو امتلكوه؛ ان تقصف المستشفيات حيث تتم العناية بالجرحى و المعطوبين الذين أصبحوا خارج الصراع؛ أو ان تدك المدارس حيث تلجأ النساء رفقة أطفالهن العزل. فكل ما نعرف عنه أنه زائد عن اللزوم و مجاني و مفرط و غير ملائم و تعسفي و لا يفيد مطلقا في فك النزاع، يعد جريـــــــــمــــــة، أما غير ذلك فهي الحــرب. و هذا هو الحال مذ وجد العالم.
اسرائيل إذن، تورطت في كل هذه الجرائم أثناء ردها على الصواريخ التي أطلقتها حركة حماس من قطاع غزة... لقد أخرجت اسرائيل المسدس في مقابل اللكمة و استعملته بقسوة وحشية و هي في كامل وعيها متجاهلة الشرعية الدولية. وهي اليوم كيان غير متحضر و تنطبق عليه الصفات التي اوردتها سابقا....
منذ سنوات قدم صحافي اسرائيلي لإجراء مقابلة صحفية معي و كانت المناسبة صدور احدى رواياتي مترجمة الى العبرية، و أذكر أنه سألني:
" ماذا لو منحت لك جائزة القدس، هل ستقبلها؟ و هل ستأتي الى بلدي لتسلمها؟" و قد أجبته وقتها بنعم، لأني لم أجد مانعا يدعوني للرفض. لكن لو سُئلت الان هذا السؤال فجوابي سيكون مختلفا: لا. هذا ما كنت سأجيب به.
لم أذهب أبدا الى كوبا و لن أذهب الى ايران او العربية السعودية و لن أذهب حتى الى فينزويلا، كما لم أزر تشيلي أيام بينوشيه، و الحال نفسه ينطبق على اسرائيل. فالحضارة و الديمقراطية لا تتأتى فقط بتنظيم انتخابات حرة، فهذا الشرط يمكن ان يُكسب أو يُفقد، يوما بعد يوم، في طريقة الحكم و أيضا في الكيفية التي تدار بها الحروب، و اسرائيل اليوم قد خسرت الرهان.



24-01-2010
عن جريدة الباييس الإسبانية ليوم: 01-02-2009
للاطلاع على النص الأصلي:

http://www.elpais.com/articulo/portada/Guerra/crimen/elpepusoceps/20090201elpepspor_8/Tes

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق