الثلاثاء، 1 أغسطس، 2017

سوء تفاهم (الجزء الثالث)

تأليف: إدواردو ميندوثا(اسبانيا)

 ترجمة: محمد أنديش(المغرب)

عندما رأت إنيس فورنيوس صورة تلميذها القديم أحست بما يشبه الرِّقة. كانت قد هرم وازداد وزنه، وشاب شعره، وقد انحسر عن جبهته، وأعفى شاربا ليس بالخفيف ولا بالكث، ويضع نظارتين أنيقتين بلا إطار، ويرتدي ثيابا متناسقة. وما حال كل هذا بينها وبين أن ترى في الحال نظرة عينيه المتهرِّبة، وتجعيدة انعدام الثقة على الجبهة، والشفتين المزمومتين، وانقباض الهيئة. ولم يثنها شيء مما رأت أو سمعت أو قرأت عن قرارها بكتمان سرِّ ماضيهما المشترك.
كان تبقى عام واحد على تقاعدها، لما تناهى إلى سمعها خبر أن الكاتب الشهير مَرْتين خ. فرومنتين، وكان حينها قد صار أحد أعلام الأدب في البلاد، سيلقي محاضرة في قاعة الندوات بالجامعة. مهما كان الموضوع، قررت الآنسة فورنيوس الحضور.

رغم وصولها باكرا جدا، وجدت صفا طويلا قبلها. طال انتظارها، وتعبت، وتفطّنت لما يشوب الموقف من الهُزْء، وكادت أن تغادر. عندما فتحوا الأبواب تمكنت من الجلوس في أحد الصفوف الأخيرة. وعند الساعة الموعودة، وسط ترقّب جمّ وصمت مُجِلّ، دخل الكاتب المرموق مصحوبا بأعلى منصب في الجامعة. صعد المنصة، واحتل مقعده، وبينما كان يستمع بغير اهتمام ما كانوا يهيلون عليه من الثناء، أجال بصره في القاعة الغاصّة. خُيِّل للآنسة فورنيوس أن نظراتهما التقتا خلال جزء من الثانية، لكن ما من شيء أكد لها أنه عرفها. ولم تكن تنتظر خلاف ذلك بعد كل الزمن المنقضي. ولم ينتبها أي شعور أثناء ذلك الاتصال العابر. ولما حان دور ضيف الشرف، ألقى مَرْتين خ. فرومنتين خطابا مناسَباتياً مليئا بعبارات مكرورة حسنة النوايا. وقبل إنهاء كلمته، خفض صوتَه وقال بنبرة بالكاد تُسمَع، وبتعثّر من لم يحضّر تلك الفقرة من الخطاب لا كتابةً ولا تفكيرا: "في الماضي كنت مجرما. إنه شيء معروف ولا معنى الآن لإنكاره. أريد فقط تبديد هالة الرومانسية التي قد تحيط بذلك لدى من هم، أمثال حضراتكم، على الجانب الصحيح من القانون. ليس المجرم بطلاً، وإنما كائن مَقيت يستغل ضعف البشر. كنتُ مرصوداً لاتباع ذلك الطريق حتى نهايته التعيسة لو لم يفتح لي لقائي مع الأدب فرجة أنفذ من خلالها إلى عالم أفضل. لا مزيد لدي لأضيفه. بوسع الأدب أن ينقذ حيوات بائسة وأن يكفّر عن أعمال رهيبة؛ وبالعكس، فبوسع أعمال رهيبة وحيوات منحطّة أن تنقذ الأدب وأن تبثّ فيه حياةً لصار لولاها حروفاً هامدة."
استمر بعدها في الحديث قليلا. وأخيرا ختم شخص آخر اللقاء، بعد أن أعلن ألّن يكون هناك نقاش ولا توقيع كتب، وتوارى المحاضِر ورفقته عبر باب جانبي. وخرجت إنيس فورنيوس ضمن حركة الحشد البطيئة. وفي الشارع بدا لها أن تتمشى إلى غاية ساحة كطلونيا وأن تستقل من المترو من هناك. كانت تسير في ساحة أونيبرسيداد مستمتعة بجو الليل الناعم وتشغل بالَها بتوافه، عندما أحست بغصة في الحلق أجبرتها على التوقف. لم يكن بيدها شيء لمنع ذلك، فأجهشت بالبكاء. اقترب بعض المارّة يطمئنون عليها. أجابتهم أنها بخير، ولجأت إلى مقهى، بخلاف عادتها. طلبت قنينة مياه معدنية وشربت حتى استعادت هدوئها. لو أرادت أن تشرح ما حصل لها لم تكن لتقدر. لم يؤثر فيها مرآى تلميذها القديم وقد أصبح شخصية مشهورة ولا فكرة أنها أسهمت في إصلاح مجرم، وهو، من جهة أخرى، ما لم يكُنْهُ أنطولين كابراليس قَطُّ. لكن كانت تغمرها فكرة أنها صنعت كاتبا. لقد أُتيح لحياتها المهنية المديدة، المُضْنِيَة، الشريفة، الرتيبة، المملة والتي بلا معنى، لحظة عظَمة، وتلك اللحظة لم تكن تجلّياً، ولا فكرة عميقة، ولا خلّفت أثراً لا ينمحي؛ وإنما كانت لقاءً خاطفا، سطحياً، مشحونا بالارتياب وسوء التفاهم. لكن تلك اللحظة وُجِدت، وآن الآن للأنسة فورنيوس أن تتقاعد، أن تجري جرداً لحياتها وأن تستريح.
في ناحية أخرى من المدينة، كان مَرْتين خ. فرومنتين يعتذر لمضيفيه ويحتجّ بالإنهاك وتوعّك طفيف ليلوذ بالفندق دون أن يحضر العشاء الذي أُعِدّ له. بخيبة ولكن بلباقة، تركه مضيفوه يذهب. في الفندق أغلق دونه باب الغرفة، وطلب من خدمة الغُرَف عَشاءً خفيفا، وجلس إلى الطاولة، تناول ورقة وبدأ يكتب رسالة.
"الآنسة فورنيوس المحترمة:
أشكر لك جزيلا لطف حضور لقاء هذا المساء. فلا شيء أثقل من هذه الاحتفاءات الأكاديمية، التي لعلك قد سئمتِيها. لكني كنت سأمتنّ لكِ لو أعلمتني قبلها، فحينما لمحتكِ بين الجمهور اضطررت لبذل مجهود كبير لكيلا يغمى عليّ من الانفعال أو أنخرط في البكاء كالأحمق، أو، باختصار، أن أرتكب ما يثير الاستهزاء أكثر مما كنت أفعل. لطالما كانت معاملتك مداهِمة، إذا لم يزعجك أن أقول لك هذا. طول مدة اللقاء بقيت أتردّد بين أن أخاطبك وأطلب منك أن تنتظريني عند المخرج أو أن أتظاهر بأني لم أَرَكِ. كان مبتدأ اندفاعي نحو الاختيار الأول، ثم فكرت أنك إذا كنت حتى الآن لم تسعي للتواصل معي، عبر دار النشر أو بأي طريقة سواها، فلِزامٌ عليّ أن أحترم رغبتك. ولهذا السبب تحديدا لم أفعل أنا شيئا، طوال كل هذه الأعوام، للتواصل معك. في الواقع، لا أستغرب ألا تريدي أن تكون لك صلة بي، لا باللص الحقير الذي كنتُ، ولا بالدمية التي أنا الآن. لقد أدركتِ كل شيء منذ البداية وحذّرتِني، غير أن الجهل والغرور أعمياني. وها أنت ترين إلى أين قادني ذلك التسامُق. لكني أريدك أن تعرفي أنه لم يمرّ يوم، خلال كل هذه السنوات، لم أتذكرك فيه. كنت أرغب بشدة في الحديث معك، أيتها الآنسة فورنيوس.
أنا متأكد من أنك لا تذكرين، لكني تساءلت غير ما مرة ماذا كان ليحدث لو لم تتحملي عبء حذف بعض الفقرات من القصص التي كنت توزعينها علينا تخفيفا للنصوص. أغلب الظن أني كنت سأقرأ نسختي بلا انتباه. فسومرست موم صانع بلا أهمية، وقد انقضت أيام شعبيته. سبق لي أن قرأت شيئا قبل ذلك اليوم؛ فأحدنا أيام شبابه عليه أن يزجي وقته بشيء ما ولا تتيسر في المتناوَل دوما فتاة أو تلفاز. غير أني لم يسبق أن قرأت بمعايير أدبية، كما هو واضح. لقد كنت صعلوكا، لا فاسداً. ومع ذلك فإن ذلك الحذف أورثتني حيرة هائلة، خاصة لعدم معرفتي مصدرَها. لاحقا فهمت ما حصل لي وهو شيء من إثارة الفضول بمكان بحيث ينبغي لي أن أقصّه عليه. لم أخبر به أحداً قطّ. ما حصل هو أنني فهمت بالضبط وفجأة، ودون سابق معرفة بأي شيء، ما هو الأدب. وليس ما كنت تقولين، ليس أنه وسيلة لحكاية القصص، وللتعبير عن الأحاسيس أو لنقْل العواطف، وإنما أنه شكل. شكل ولا شيء غير ذلك. أنا واثق من أن عملك الطويل في التدريس لم يبلّدك وأنك تفهمين قصدي. القوانين البسيطة وإنما الحتمية التي بمقتضاها يعني النص أكثر من مجرد بقع حبر على ورق: بنية الحكاية، حجم الفقرة، طول الجملة، النغم الداخلي للكلمات عندما تُمزَج بين بعضها البعض، وإيقاع المجموع. والخطة التي تنتظم عبرها كلَّ هذه العناصر.
بعد التهام بعض الكتب، تلك التي تفضّلتِ بإعارتي وتلك الطبعة اللعينة لبروست التي بعثتها لي خلال العطلة، خطرت لي فكرة أني بدوري أستطيع أن أكتب شيئاً مماثلا. كنت أعرف أساسيات الصنعة، كما وفّرت لي القراءات الأدوات اللازمة، فشرعت أكتب. وكان جهلي بحجم غروري. لم تكن عندي قصة لأرويها ولم أكن أحتاجها. كل ما كان يهمني هو الشكل. إن الكِبْر خطيئة تلقى عقابها بسرعة. في غفلة مني انتهيت إلى أن أكتب رواية تجريبية. ولما انتبهت، مزقت ما كتبت وأقسمت ألا أعود لكتابة شيء. ربما لو كنت أصررت على ذلك القرار لانتهى بي الأمر لما أكره. قلت لي أن أواصل وقد واصلت. تعرفت في السجن على خَلْقٍ كثير، رجال يمكن الاعتماد عليهم في الأغلب. أما أنا فكنت حثالة، لكني كنت أعامل الناس باحترام وكنت أجيد الاستماع. فحكوا لي قصصا كثيرة. لم تكن قصصا عظيمة، وإنما قصصا تافهة، عن عثرات غبية، واضطرابات نفسية تختفي بالشغف، ومآسي مزيَّفة. أي مستمع كان ليسأم بعد خمس دقائق. أنا أيضا كنت أملّ، لكني كنت أتحمّل لكيلا تنهال عليّ لكمة، ثم بعدها لأني أدركت أن تلك القصاصات الحزينة من حيوات خاطئة كانت تُمِدُّني بالمادة التي أحتاجها لتأليف كتب من خمسمئة صفحة.
يخدع النقاد أنفسهم: إذ يرون كتابا مكتملا ويحبون أن كل الحركات من البداية كان مصوّبة نحو غاية محددة. لا أبعدَ عن الصواب من ذلك. فالكاتب لا يسخِّر إلمامَه بالتقنيات لخدمة الحكاية التي يريد سردها، وإنما يسخِّر الحكاية لخدمة إلمامه بالتقنيات التي يبتغي استخدامها. المهم، لا أريد أن أضجرك بنظريات. فقط أخبرك بما تعرفين: ما زلت ذاك المنبهر كما قبل، ونجاحي يرجع لسوء تفاهم. فبينما يظن القراء أنهم يطالعون قصصا معذَّبة، محمّلة بالمعاني، هم يقرأون فقط ألاعيب منسوجة لاستدراجهم.
في النهاية، آنت ساعة خروجي من السجن، وبحثت عن عمل يسمح لي أن أتدبّر معيشتي وأن أكتب في أوقات فراغي. في عدد من المحلات شغّلوني كحارس ليلي. ظناً منهم أن ماضيَّ الإجرامي زوّدني بمعرفة عملية عن أسلحة السرقة وأن بوسعي منعها؛ وظنا منهم كذلك أن إطلاق سراحي المشروط يضمن نزاهتي. كانت أعمالا مملة، لكن الحبس أكثر إملالاً، وكان ينفحونني ببعض النقود، وبما أنه لم يكن ثمة ما يُعْمَل، وفي حين لم يكن بمقدوري أن أكتب، كنت أستطيع أن أكرِّس ذهني لتنظيم ما كنت سأسطره لاحقا في النُّزُل. أكملت أول رواية، أخذتها لدور نشر عديدة حتى وافقت إحداها على نشرها، وها أنت ترين ما صرت إليه. الآن أجني أموالا بلا تعب وأجوب بلاد الدنيا. أما حياتي الشخصية ففي عزلة ترضيني.
أنا مدين بكل هذا لكِ. ألا تكون هذه المسألة غير المتوقعة قد دارت في حسبانك ولا حتى خطرت لك قطّ لا يقلّل من حجم الدين. ولا أدري كيف أسدّده لك؛ وإذا ما بدت لك طريقة، فأخبريني. أنا بطبعي ناكر جميل، لكن الأمرين لا يتنافين؛ فالعِرفان حالة وجدانية عند الأناس الأخيار والعاطفيين. أما الدَّيْن فشيء موضوعي. الامتنان يُعبَّر عنه؛ أما الديون فتُسدَّد. وأنا مدين لك.
وفي المرّة القادمة، أعلميني مسبقا.
تلميذك،
أنطولين كابراليس بيِّيخيرو."
أدخل الرسالة في ظرف ودسّه في جيبه. لم يعرف إلى أين يرسلها، لكنه خمّن أن ناشريه أو وكيله لن يصعب عليهم أن يتحرّوا عن مسكن أستاذة أدب عملت في مرحلة من حياتها في سجن الرجال. ترك الرسالة على الطاولة، وبما أنه لم يكن نعسانا، رأى أن يخرج لنزهة.
لطالما ارتبطت لديه برشلونة بحقبة عصيبة من حياته، لكنه منذ أن استقرت به الإقامة في الخارج لم تعد المدينة تبدو له عدوانية. هبط عبر ممشى غراثيا، عبر ساحة كطلونيا، ذرع لارامبلا وانتهى به المطاف بين دروب الأحياء المعتمة حيث قضى شبابه المضطرب. لقد تغير الكثير منذ ذلك الحين، لكن بعض الأشياء ما زالت على حالها: فقبل أن يتوغل في زقاق معتم ومنعزل وقبل أن يحدث شيء، أدرك أنه وقع ضحية لسطو. أمسكه فتى من ذراعه ولوّح بسكين أمام عينيه. أحس في خدّه بلهاث الفتى. "لا تصرخ." "لن أصرخ." "اخرس!"، قال الفتى. بعد أن انقشع عنه الفزع الذي سببته المباغتة أكثر من الخطر الحقيقي، كان أنطولين كابراليس هادئا. كان يعرف ألن يقع شيء إذا لم يقاوم، وإذا لم يتوتر وإذا لم يتظاهر ببرودة الأعصاب. كل شيء يكمن في أن يتصرف كما يتوقع الفتى أن يتصرف رجل محترم غافل وثري. في زمن مضى لجأ هو نفسه لتلك الطريقة، التي غالبا ما آتت أُكلها. "النقود في الحافظة والحافظة في الجيب الداخلي للمعطف. يمكنك أن تخرجها بنفسك. الساعة لا تساوي الكثير، لكن سأعطيها لك؛ ولا أحمل شيئا آخر ذا قيمة"، قال. أخذ الفتى الحافظة ودسها في جيب سرواله. وبينما راح ينزع الساعة من معصمه قال: "أعِد لي الوثائق. لن ينفعوك بشيء. وإذا تركت لي شيئا لأركب التاكسي..." لم ينتظره الفتى حتى ينزع الساعة وانطلق مسرعا.
عندما بقي لوحده، توجه أنطولين كابراليس لمخفر الشرطة ليبلّغ عن سرقة الوثائق. كان عازما أن يعود إن مكان إقامته يوم غدٍ، وشكّل له الحادث عائقا. لما أدلى باسمه في المخفر، استقبله الكوميسير بنفسه في مكتبه. "لقد قرأت كتبك كلَّها تقريبا. تشرفت بلقائك، ولو كانت الظروف مؤسفة." أنهى إجراءات المحضر وهمّ بالمغادرة. عرض عليه الكوميسير أن توصله سيارة الدورية. "لا داعي للإزعاج. فندقي ليس بعيداً، كما لا يمكن أن يسرقوا مني شيئا آخر." فألحّ الكوميسير: إذ الشوارع تستفحل خطورتها كل يوم. سيكون الرفض بمثابة انتقاص، إذ على الرغم من الإعجاب الذي يكنه له، فإن الكوميسير يبقى رجل شرطة، بينما هو مجرم قديم ونزيل سابق بمؤسسة سجنية.
أمام الفندق ودع رجال الشرطة الذي رافقوه. "هذا من لطفكم." "في خدمتك." في البوابة المجاورة للفندق لمح ظلّيْن متربّصين. لما انطلقت سيارة الدورية مكث هنيهة مقابل الباب ليعطي الوقت للظلّيْن ليخرجا من مخبَئهما ويقتربا منه.
"وشيتَ بنا، قل الحق. ما ألعنَك، سحقاً!"، قال رجل كهل، ما زال ضخم الجثة، نصف وجه محروق. بصحبته الفتى الذي سطا عليه قبلُ. "لحسن الحظ أنك كنت تحمل بطاقة الفندق في الحافظة؛ لولا ذلك ما كنا لنجدك. هذا ابني. قلت له ألف مرة أن يبعد عن الشارع، لكن الوغد، لا حياة لمن تنادي. أن ذلك خطِر، تباً. أنها نقود سهلة وكذا وكذا، لكن إذا اصطادوك، تذهب إلى الحبس، قل له. وفي النهاية، لِمَ يريدون المال؟ لا لشيء: ليدخنوا اللفافات ويشتروا ثياب المخنثين." "هكذا هم الشباب"، قال أنطولين كابراليس. "ليس لديك أبناء." "كلا." خاطب الرجل ذو الوجه المحروق ولدَه. "هيا، أيها السافل، تعال هنا واعتذر لهذا السيد." "لا داعي. كان يؤدي عمله وأداه جيداً"، قال أنطولين كابراليس. الآخر كان منشغلا بشبله. "هذا السيد الشهير جدا الذي تراه هنا وأنا كنا صديقين قبل عدة سنوات، أتصدِّق؟ هذا السيد الشهير جدا وأبوك الحقير، صاحبان، يا للدنيا. فأنت تذكرني، أم لا؟"
"طبعا أذكرك"، قال أنطولين كابراليس. كان فعلا يذكر الشخص ذا الوجه المحروق: بلطجي أرعن تصادف معه في السجن والذي في بعض الأحيان هدّده وأهانه وضربه. لكن كل هذا ينتمي لماضي كالوهم، أعادت صياغته شهرة الكاتب، التي حوّلت صداقته الحقيقية أو المخترعة إلى غنيمة. "حسنا، ها هي ذي الحافظة. عُدّ النقود، لا ينقص منها شيء. لما رأيت مالكَها أوسعت هذا المتذاكي رفساً وجئنا رأسا لإعادتها لك. افترضت أنك ستكون قد ذهبت لتبلّغ عن السرقة وأننا سنجدك عند الباب. لكن لم أعمل حسابا أن تكون بصحبة البوليس، سحقاً. لحسن الظ أنك رأيتنا وانتظرتنا دون لفت الأنظار. فلو كشفتنا لوقعنا في ورطة." "الأصدقاء لا يصنعون ذلك"، قال أنطولين كابراليس. تردّد البلطجي؛ ثم قال: "حسنا، سنذهب الآن. جميل الفندق، آه؟ تستحقه، تباً، فلسبب ما أنت مشهور. هل أتيت معك زوجتك." "كلا. أعيش وحدي." "لكنك لم تعدم النساء." "لا أشتكي"، أجابه عالما بأن ذلك ما يريد الآخر أن يسمع. ثم أضاف: "أتريد أن تدخل؟ يمكن أن يقدموا لنا شيئا في المقصف." نظر البلطجي إلى أنطولين كابراليس شزراً، محاولا أن يحدد ما إذا كان جاداً أم هازلا، وما إذا كانت الدعوة عربون صداقة أو فخاً. في الختام قال: "لا، شكرا. يجب أن يعرف المرء أن يتواجد في المكان الذي يناسبه. نحن هنا لا محلّ لنا، كما لم يكن لك محلّ في الحبس. هذا ما يخصّك: الكتب والفنادق. في السجن كنت رعديداً. أما أنا، بخلافك، فهنا سأكون نشازاً. فرصة سعيدة، أيها الهزيل."
انصرف الأب والابن سيرا عبر ممشى غراثيا. صعد أنطولين كابراليس إلى غرفته. رأى على الطاولة الرسالة التي كتبها للآنسة فورنيوس. مزقها إربا، وألقاها في سلة القمامة. لم يكن ثمة داعٍ لحرمانها من أملها، ومجيئها للمحاضرة دليل على أن ذلك الأمل موجود. لقد طوّرت الموهبة الكامنة فيه والتي لم يتخيّلها أحد قبلها. ليس ذنبها ألا تصلح تلك الموهبة لغير بيع السفاسف. في صميمه، قال لنفسه، ما زال ذلك الذي كان: كائن زائد، مختلِس. البلطجي الذي تحادث معه لتوه، على جهله، كان يعلم ذلك. لكن ليس الآنسة فورنيوس. ليس الآنسة فورنيوس.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ترجمة خاصة بالمدونة ©
النص مأخوذ من المجموعة القصصية:


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق